بسم الله الرحمن الرحیم
آیات الأحکام-القمار-المیسر
فهرست علوم
فهرست فقه
علم الحقوق
اقتصاد
أحکام القمار-المیسر-صفحه اصلی
الأحادیث في القمار
کلمات الفقهاء في القمار
البقرة : 219 يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَ الْمَيْسِرِ قُلْ فيهِما إِثْمٌ كَبيرٌ وَ مَنافِعُ لِلنَّاسِ وَ إِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما وَ يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ
المائدة : 90 يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ وَ الْأَنْصابُ وَ الْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
المائدة : 91 إِنَّما يُريدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَ الْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَ الْمَيْسِرِ وَ يَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَ عَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ
مجمع البيان في تفسير القرآن، ج2، ص: 556
و الميسر القمار اشتق من اليسر و هو وجوب الشيء لصاحبه من قولك يسر لي هذا الشيء ييسر يسرا و ميسرا إذا وجب لك و الياسر الواجب بقداح وجب لك أو غيره و قيل للمقامر ياسر و يسر قال النابغة:
أو ياسر ذهب القداح بوفره أسف تأكله الصديق مخلع
أي قامر و قيل أخذ من التجزئة لأن كل شيء جزأته فقد يسرته و الياسر الجازر و الميسر الجزور و قيل أخذ من اليسر و هو السهولة لأنهم كانوا يشتركون في الجزور ليسهل مجمع البيان في تفسير القرآن، ج2، ص: 557
أمرها إلا أنه على جهة القمار
التحقيق في كلمات القرآن الكريم، ج14، ص: 243
و التحقيق
أنّ الأصل الواحد فى المادّة: هو سهولة فى سعة، و يقابلها العسر و هو كما سبق عبارة عن شدّة و صعوبة فى مضيقة.
و من آثار الأصل: الخفّة، الانفتاح، الغنى، الانقياد، اللينة، سرعة فى المتابعة، و حسن الجريان و السير، كلّ فى مورد.
و أمّا بمعنى العضو الياسر أو الجهة اليسار: فبمناسبة حصول تهيّؤ و مساهلة و سعة فى الأمر فى قبال جهة اليمين و اليد اليمنى.
و أمّا الميسر بمعنى القمار: فهو كما فى الكشّاف، بمناسبة سهولة و سعة فى جريان أخذ المال فى مدّة محدودة بدون تعب و مشقّة.
و يدلّ على الأصل تقابل اليسر و العسر فى القرآن المجيد: كما فى:
. فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً- 94/ 5. سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً- 65/ 7. يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ- 2/ 185 و الكلمتان تطلقان على الامور الروحانيّة و المادّيّة، و يظهر من الآيات الكريمة: أنّ اللّه عزّ و جلّ لا يريد لعباده فى حياتهم مادّيّة أو روحانيّة، و فى جريان عيشهم إلّا يسرا و رخاءا و سعة، و لا يريد بهم عسرا و شدّة و مضيقة بحال.
التحقيق في كلمات القرآن الكريم، ج14، ص: 246
سبق أنّ الخمر كلّ مسكر يغطّى العقل و القوى المدركة من أىّ مادّة تؤخذ. و النصب: كصعب كلّ ما ينصب علامة يتوجّه اليه و يكون مقصودا فى الجملة. و الزلم: القدح و هو السهم يستعمل فى القمار. و قلنا إنّ الميسر من اليسر مصدر ميمىّ كالموعد، أو اسم مكان بمعنى مورد اليسر و محلّ فيه اليسر.
و الميسر أتمّ وسيلة و أشدّ موضوع فى استحصال الفائدة و الغنيمة و الربح، فى زمان محدود قصير، بعمل سهل يسير تفريحىّ.
و هذه المنافع و إن كانت كثيرة فى بعض الموارد، إلّا أنّها تلازم مضرّة لطرف آخر بل و قد توجب خسارة تامّة و سقوطا كاملا فى حياته و فى حياة عائلته، مضافا الى فقدان الرضا و الوفاق بينهما، بل حصول عداوة و بغض و اختلاف شديد.
و هذه الحالة توجب انكدارا و ظلمة فى القلب، و تذهب بالمحبّة و الصفا و الخلوص و التوجّه الى الحقّ و الى اللّه المتعال و الى ذكره.
المعجم الاشتقاقي المؤصل (2/ 990)
و"اليَسَار واليسارة والميسرة: الغنى والسَعَة " (يذلل الأمور ويزيل الصعاب) {فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} [البقرة: 280].
ومن تلك الليونة والسعة: "الميسر "؛ نُظر فيه إلى الكسب السهل أو إطعام المحتاجين [ينظر: ق] {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ} [المائدة: 90].
كنز العرفان في فقه القرآن، ج2، ص: 18
2- «الميسر» هو القمار بسائر أنواعه كالنرد و الشطرنج قاله جل المفسّرين و هو المرويّ عن أهل البيت عليهم السّلام حتّى قالوا: إنّ لعب الصبيان بالجوز من القمار فيحرم التكسّب به و عمل آلاته و بيعها و الجلوس على مجلس يكون فيه قال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله «اللّاعب بالنرد شير كمن غمس يده في لحم الخنزير و دمه» «2» و قال الصادق عليه السّلام «اللّعب بالشطرنج شرك و السلام على اللّاهي به معصية «3»» و لا خلاف في تحريم النرد «4» و كذا الشطرنج إلّا ما نقل عن بعض الشافعيّة من جوازه إلّا حال إلهائه عن الصلاة.
3- «الأنصاب» قيل هي الأصنام الّتي كانوا يعبدونها و يحرم أيضا التكسّب بعملها و بيع الخشب و شبهه ليعمل صنما قال الشيخ: و كذا يحرم بيعه على من عهد منه عملها و كذا بيع العنب على من يعمل الخمر و المشهور كراهية ذلك إلّا مع الشرط فيحرم.
4- «الأزلام» جمع زلم بفتح الزاء و ضمّها كحمل و صرد و هي قداح لا ريش لها و لا نصل كانوا يتفاءلون بها في أسفارهم و أعمالهم مكتوب على بعضها أمرني ربّي و على بعضها نهاني ربّي و بعضها غفل لم يكتب عليها شيء فإذا أرادوا أمرا أجالوا تلك القداح فان خرج الّذي عليه أمرني ربّي مضى الرجل لحاجته و إن
__________________________________________________
(1) المائدة: 103، راجع. المستدرك ج 2 ص 426.
(2) سنن ابى داود ج 2 ص 582 و النرد منسوب الى أردشير من ملوك العجم و لذلك قيل نرد شير.
(3) الوسائل أبواب ما يكتسب به باب 103 ح 4.
(4) نص: تحريم الخمر.
كنز العرفان في فقه القرآن، ج2، ص: 19
خرج الّذي فيه النهي لم يمض و إن خرج ما ليس عليه شيء أعادوها.
هذا قول جماعة من المفسّرين.
و نقل عليّ بن إبراهيم عن الصادق «1» عليه السّلام أنّها عشرة سبعة لها أنصباء و ثلاثة لا أنصباء لها فالسبعة هي الفذ و التوأم و الرقيب و الحلس و النافس و المسبل و المعلّى، فالفذ له سهم و التوأم له سهمان و الرقيب له ثلاثة و الحلس له أربعة و النافس له خمسة و المسبل له ستّة و المعلّى له سبعة و الثلاثة الباقية هي السفيح و المنيح و الوغد، و كانوا يعمدون إلى الجزور فيجزّؤنه أجزاء ثمّ يجتمعون عليه
__________________________________________________
(1) لم أجد الرواية من طريق على ابن إبراهيم عن الصادق عليه السّلام و انما هي عن الباقر عليه السّلام انظر البرهان ص 433 عند تفسير الآية 3 من سورة المائدة ج 2 و نظيره ما رواه في التهذيب و الفقيه عن أبى جعفر محمد بن على الرضا صلوات اللَّه عليه تراه في البرهان الحديث 1 و في الوافي ص 17 من الجزء 15 الباب 12 الاضطرار إلى الميتة.
ثم ان ترتيب القداح التي لها أنصباء في رواية التهذيب و الفقيه: الفذ، و التوأم و النافس، و الحلس، و المسبل، و المعلى، و الرقيب. و في رواية على بن إبراهيم على ما في البرهان: الفذ، و التوأم، و المسبل، و النافس، و الحلس، و الرقيب، و المعلى. و المذكور في تفسير فتح القدير للشوكانى عند تفسير الآية 219 سورة البقرة في ترتيب ما له أنصباء: الفذ، و التوأم، و الرقيب، و الحلس، و النافس، و المسبل و المعلى. و مثله ما في بلوغ الارب للالوسى ج 3 ص 58 و تاريخ اليعقوبي ج 1 ص 259 ط بيروت.
و على كل فالفذ بفتح الفاء بعدها معجمه مشدودة و التوأم بفتح المثناة الفوقانية و سكون الواو و فتح الهمزة و الحلس بمهملتين الاولى مكسورة و اللام ساكنة و النافس بالنون و الفاء و المهملة، و يقال: النافر بالراء المهملة مكان السين. و المسبل بضم الميم و سكون المهملة و فتح الباء الموحدة. و المعلى بضم الميم و فتح المهملة و تشديد اللام المفتوحة. و في الوافي بسكون العين. و الرقيب على وزن فعيل و كذا السفيح و المنيح، و الأول بالسين و الحاء المهملتين و الثاني بالنون و الحاء المهملة و الوغد بفتح الواو و سكون المعجمة بعدها مهملة. و زاد في فتح القدير على ما لا أنصباء لها: الضعف بالمعجمة بعدها مهملة ثم فاء. و جعل السهام أحد عشر.
كنز العرفان في فقه القرآن، ج2، ص: 20
فيخرجون السهام و يدفعونها إلى رجل، و ثمن الجزور على من لم يخرج له شيء من الغفل و هو القمار.
و نقل الزمخشريّ أنّهم كانوا يجعلون الأجزاء عشرة و قيل ثمانية و عشرون و لا شيء للغفل و من خرج له سهم من ذوات الأنصباء أخذ ما سمّى له ذلك القدح و كانوا يدفعون ذلك إلى الفقراء و لا يأكلون منه شيئا و يفتخرون بذلك و يذمون من لم يدخل معهم فيه و يسمّونه البرم و قد جمع بعض الفضلاء «1» أسماء القداح في أبيات و هي هذه شعر:
هي فذّ و توأم و رقيب ثمّ حلس و نافس ثمّ مسبل
و المعلّى و الوغد ثمّ سفيح و منيح و ذي الثلاثة تهمل
و لكلّ ممّا عداها نصيب مثله أن تعدّ أوّل أوّل
إذا عرفت هذا فاعلم أنه تعالى حرم العمل بهذه الأزلام أما على الأوّل فلأنّه نوع من التكهّن من غير إذن من اللَّه فيه و أما القرعة الشرعيّة «2» كما نقل
__________________________________________________
(1) نسبها في بلوغ الارب ج 3 ص 58 الى ابن الحاجب و ذكر جمعها في تفسير المنار في أبيات أخر عند تفسير الآية 219 سورة البقرة ج 2 ص 325.
كل سهام الياسرين عشرة فأودعوها صحفا منشرة
لها فروض و لها نصيب الفذ و التوأم و الرقيب
و الحلس يتلوهن ثم النافس و بعده مسبلهن السادس
ثم المعلى كاسمه المعلى صاحبه في الياسرين الأعلى
و الوغد و السفيح و المنيح غفل فما فيها يرى ربيح
و جمعها على بن محمد الهمداني على ما ذكره الآلوسي في بلوغ الارب في بيتين هكذا:
يلي الفذ منها توأم ثم بعده رقيب و حلس بعده ثم نافس
و مسبلها ثم المعلى فهذه السهام التي دارت عليه المجالس
(2) حكم القرعة ثابت بالكتاب و السنة و الإجماع:
أما الكتاب فقد قال اللَّه تعالى فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ و قال عز من قائل:
وَ ما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ. أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ تدل الآيتان على ثبوت القرعة في الشرائع السابقة في الجملة و قد ثبت أنه يعمل بما ثبت في الشرائع السابقة ما لم يعلم نسخه و عليه ابتناء مسائل في الفروع الفقهية يستفاد حكمها بما ثبت في الشرائع السابقة:
مثل استفادة وجوب نية الإخلاص في الواجب من قوله وَ ما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ و مثل استفادة جواز الجهالة في الجعالة و جواز الضمان ما لم يجب من قوله حكاية عن مؤذن يوسف عليه السّلام «وَ لِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ» و مثل استفادة رجحان التعفف على التزويج من قوله حكاية عن يحيى وَ سَيِّداً وَ حَصُوراً وَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ حيث دل على مدح يحيى بكونه حصورا أى ممتنعا عن مباشرة النسوان و مثل استفادة جواز بر اليمين على ضرب المستحق مائة بالضرب بالضغث من قوله تعالى وَ خُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَ لا تَحْنَثْ و مثل استفادة حكم من قلع عين ذي العين الواحدة من قوله النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَ الْعَيْنَ بِالْعَيْنِ و مثل استفادة حكم من جعل عمله صداق المرأة من قوله تعالى حكاية عن شعيب إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ و ان كان استفادة تمام الأحكام المذكورة من الايات محل تأمل ليس هنا محل البحث عنها.
و اما السنة فقد سرد المحقق النراقي في كتاب عوائد الأيام نيفا و أربعين حديثا فيها الصحاح و الحسان و الموثق فلا وجه لما ذكره في القوامع ص 509 من الحكم بضعفها و ترى أحد و عشرين حديثا في كتاب الوسائل الباب 13 من كتاب القضاء أبواب كيفية الدعوى و أحاديث أخر في سائر الأبواب.
و اما الإجماع، فقال الشيخ في الخلاف ج 2 ص 638 مسئلة تعارض البينتين: إجماع الفرقة على ان القرعة تستعمل في كل أمر مجهول مشتبه و جعلها في ص 645 مسئلة تداعى الرجلين في ولد من مقتضيات مذهبنا، و قال الشهيد في كتاب القواعد ص 273: ثبت عندنا قولهم: «كل أمر مجهول فيه القرعة». و لا يبقى للفقيه عند تتبع الفتاوى شك في كون العمل بالقرعة من الأصول الشرعية في المجهولات، فقد عمل بها الأصحاب باتفاق أو خلاف في أئمة الجماعة مع عدم المرجح. و في اشتباه القبلة عند ابن طاوس. و في قصور المال عن الحجتين الإسلامية و النذرية. و في إخراج الواحد من المحرمين للحج نيابة، و في اختلاط الموتى في الجهاد. و في تزاحم الطلبة عند المدرس و المستفتى.
أو المترافعين الى المجتهد مع عدم السابق و في القسمة. و في التزاحم على مباح أو مشترك كمعدن أو رباط مع عدم قبوله القسمة. و في المأذونين في شراء كل منهما صاحبه و في صورة تساوى بينتي الخارجين. و في تلف واحد من دراهم أحدهما لواحد و الباقي للآخر وديعة. و في تنازع صاحب العلو و السفل في السقف المتوسط. و في الخزانة التي تحت الدرج. و في بينتي المتزارعين إذا تعارضا في المدة و الحصة. و في الوصية بالمشترك اللفظي و بالثلث من العبيد أو العدد المبهم و في الوصية بما لا يسعه الثلث مع العلم بالترتيب و الشك في السابق أو مع الشك في السبق و الاقتران و في ابتداء قسمة الزوجات و في حق الحضانة.
و في إخراج المطلقة مطلقا أو إذا مات و لم يعين و في إخراج المنذور عنقه بقوله أول ما تلده فولدت جماعة. و في إخراج مقدار الثلث مع تعدد المدبر. و في المتداعيين في الالتقاط أو في بنوة اللقيط. أو في الإقرار. و في تساوى البينتين في اللقطة، و في اشتباه موطوء الإنسان. و في تعدد السيف و المصحف في الحبوة. و في ميراث الخامسة مع المشتبهة بالمطلقة. و في ميراث الخنثى على قول و من ليس له فرج على الأشهر.
و غير ذلك مما لا يبقى شك في كونها في الجملة متفقا عليه فاللازم صرف عنان الكلام في عموم حجيتها و ضبط مواردها و لا يعجبني اعراض متأخري المتأخرين عن البحث عنها استنادا الى عدم عمل الأصحاب، كما ترى في أواخر بحث الاستصحاب من الفرائد للعلامة الأنصاري قدس سره، و اقتفى أثره المحقق الخراساني في الكفاية و العلامة الحائري في درر الفوائد قدس سرهما و على كل فنقول:
المضبوط في معاقد الإجماع كما في الخلاف و القواعد و بعض الروايات كالحديث العاشر من روايات الوسائل عن ابن بابويه و السابع عشر عن النهاية ب 13 من كتاب القضاء أبواب كيفية الدعوى: «ان القرعة لكل أمر مجهول» و كذا الحديث المتداول في السنة الفقهاء «ان القرعة لكل أمر مشكل أو مشتبه» و ان لم أظفر على مستند له.
بل يستفاد العموم من كثير من روايات القرعة و ان لم يكن اللفظ فيها أنها لكل أمر مجهول كمرسلة الفقيه ح 12 من ب 13 من قضاء الوسائل و فيها ما تقارع قوم ففوضوا أمرهم الى اللّه الا خرج سهم المحق، و قال: اى قضية أعدل إذا فوض الأمر الى اللّه، و كذا المستفاد من رواية ابن هلال ح 4 من الباب 4 من أبواب ميراث الغرقى و المهدوم عليهم و جواب زرارة للطيار و صحيحة أبي بصير و مرسلة عاصم ح 4 و 5 من ب 13 من أبواب كيفية الدعوى، فان فيها مضمون ان كل قوم فوضوا أمرهم الى اللّه خرج سهم المحق، و الظاهر من كلها ان كل مقام فرض فيه اختلاف في شيء إذا أقرع فيه فعلى اللَّه ان يبين فيه الواقع و يحكم بالعدل و مقتضاها كون القرعة مميزة بين الحق و الباطل بجعل الحكيم على الإطلاق. و كل ما كان كذلك فهو حجة و لا اختصاص بالمتنازعين إذ في كل اختلاف فهناك محق و مبطل يتميزان بمقتضى الروايات المذكورة بالقرعة.
و يكفي في حجية هذه العمومات تلقى الأصحاب لها بالقبول و تمسكهم في الموارد التي عددناها و يظهر من تعليلاتهم كون هذه العمومات مظنونة الصدور عندهم بل مقطوعا بها في الجملة.
ثم نقول: المراد من المشكل و المشتبه على ما هو المتداول في الألسنة و المجهول على ما هو مورد النص أمر واحد و هو كونه من حيث هو كذلك بمعنى كون الشيء مشتبها و مجهولا مطلقا لا سبيل الى رفع ذلك بطريق معتبر شرعا حتى يكون مخرجا للحكم في تلك الواقعة و بالخلاصة كون حكم الشيء مجهولا و مشتبها واقعا و ظاهرا فمتى كان له سبيل لم يكن من مورد القرعة في شيء و عليه فلا ريب ان شبهة الحكم ليست داخلة تحت المشكل و المجهول المذكور في رواية القرعة إذ لا إشكال في الأحكام الشرعية بعد ملاحظة أدلتها و الأصول المقررة المعتبرة في مقام الشبهات فإنها رافعة لذلك و يكون أدلتها واردة على أدلة القرعة، فلو كان شيء مشتبها حكمه فلا ريب في انه داخل في عنوان أصالة الإباحة أو البراءة أو الاستصحاب أو قاعدة الاحتياط على مذهب من يعمل به على الإطلاق أو في مقامات خاصة و كذلك الأحكام الوضعية فإنها أيضا منقحة بعد ملاحظة أصالة الفساد أو أصالة العدم أو قاعدة الاشتغال.
و بالجملة لا نجد شيئا يشتبه فيه نفس الحكم الشرعي لا مخرج له من الشرع معتبر يعتمد عليه، فلا وجه لإعمال القرعة في ذلك لانه ليس بمشكل و ليس بمجهول واقعا و ظاهرا حتى يكون مورد القرعة.
و ادعى الشهيد قدس سره في القواعد ص 201 الإجماع على أنها لا تستعمل في الفتاوى و الأحكام الشرعية و السر فيه ما ذكرناه و ليس ذلك تخصيصا لقاعدة القرعة بل انما هو اختصاص و عدم شمول من أصله، فبذلك ظهر انه لا وجه لقولهم: ان القرعة قد تخصصت في موارد كثيرة و كثرة التخصيص موجبة لوهنها، و ذلك لان الموارد التي لم يعمل بالقرعة انما هو لعدم جهل الحكم الظاهري لا لأجل تخصيص أدلة القرعة، فلم تثبت كثرة التخصيص فيها الموجبة لوهنها.
و لعلك تقول: أدلة أصل البراءة معلقة على كون الشيء مجهولا أو مما لا يعلم أو مما لا دليل عليه، فما الفرق بينهما و بين أدلة القرعة؟ و لم يجعل أدلة البراءة مخرجة للفرض من أدلة القرعة و واردة عليها؟! و الجواب ان دليل البراءة معلق بما لم يرد فيه أمر و لا نهى، و بما لا يعلمون، و هذا غير معنى الاشكال، و لم يعلق على المجهول أو المشكل أو المشتبه، و لو تنزلنا لنقول بكون أدلة البراءة أخص مطلقا من دليل القرعة فيقدم عليه على ان الظاهر من الأمر فيما علق حكم القرعة على أمر مجهول ارادة شبهة الموضوع و لو سلم فالإجماع قائم على تقديم دليل البراءة على القرعة كما قد عرفت.
و نقل في البحار ج 1 ص 169 ط تبريز في باب أن لكل شيء حدا، عن بصائر الدرجات روايات خلاصتها ان عليا كان إذا ورد عليه أمر لم يجيء به كتاب أو سنة رجم به يعنى ساهم و أصاب، فاحتمل المجلسي كونها في الأحكام الجزئية و احتمل كونها في الأحكام الكلية و كونها من خصائصهم لأن قرعة الإمام لا يخطئ أبدا. و على كل فعدم شرعية الاقتراع لإثبات الاحكام عندهم من المسلمات.
و اما الشبهة في الموضوع فان كانت راجعة إلى إجمال اللفظ فهو كالشبهة الحكمية لها طرق شرعية، و ان كانت شبهة الموضوع الصرف، فان كان مجرى من مجاري الأصول الشرعية، من أصالة الإباحة أو البراءة، فلا إشكال في خروجه عن موضوع القرعة لأن موضوعها ما هو مجهول حكمه الواقعي و الظاهري من جميع الجهات، و لا يشمل مجاري الأصول و لا ينتقض بما دلت على اعمال القرعة في شاة موطوءة مشتبهة في قطيع فإنه مخصص لدليل الاشتغال، وارد في مورده، و الكلام في أدلة القرعة العامة لا ما ورد في موارد مخصوصا، و أدلتها العامة لا تشمل ما يكون حكمه معينا و لو بالحكم الظاهري.
نعم لو دعت الحاجة الى معرفة نفس الموضوع بحيث لا يمكن اندفاعها الا بمعرفتها فالحكم هو القرعة، و لتوضيح المقصود نقول:
لو اشتبهت الأجنبية بأخت الرجل فالحكم الاجتناب من نكاح كل واحد منهما، و ليس من موضوع القرعة في شيء فان مات الرجل و كان الوارث الأخت اعمل القرعة حتى تتميز.
فان لم يكن مورد مجرى أصل من الأصول العملية، الا أنه قام الدليل فيه على الأخذ بأحد الطرفين أو الأطراف، نأخذ بالدليل كما في ترجيح أئمة الجماعة، و تقديم السابق في المرافعة أو الاستفتاء أو في المزاحمة على المباح، و في ترجيح البينات و تقديم قول ذي اليد و العمل ببينة الخارج و ما ورد في تفسير الشيء و الجزء و نحوهما في الوصية و في أمارات الخنثى و العمل بالإقرار و غيره من المثبتات شرعا و غير ذلك من الموارد المنتشرة في أبواب الفقه.
فهذا القسم أيضا خارج عن مورد القرعة إذ مع وجود الدليل على الأخذ بأحد الجوانب يخرج الموضوع عن حيز المجهول و المشكل و المشتبه، و يدخل في الواضحات و يكون أدلة أحكام هذا القسم أيضا واردة على أدلة القرعة كما تقدم.
ثم المجهول و المشتبه قسمان: أحدهما ما كان مجهولا و مشتبها ظاهرا و واقعا كما في أئمة الجماعة إذ لم يدل دليل على استحقاق واحد منهما في الواقع حتى يكون الاشتباه ظاهريا و قصور المال عن الحجتين و تعدد المحرمين نيابة عن واحد و المتزاحمين في مباح أو مشترك عند مدرس أو حاكم، و في الوصية بثلث العبيد بالعتق أو العدد المبهم و في قسمة الزوجات و عوز النفقة على المنفق عليهم و تعدد السيف و المصحف في الحبوة و أمثاله.
القسم الثاني ما كان مجهولا و مشتبها ظاهرا، معينا واقعا- كما في اختلاط الموتى في الجهاد، و المأذونين في شراء كل منهما صاحبه و في تعارض البينتين و في تلف درهم من الوديعتين و في الوصية بما لا يسعه الثلث مع العلم بالسبق دون السابق و في إخراج المطلقة أو المنذور عتقه و في المتداعيين في بنوة لقيط أو التقاطه و في الخنثى و الممسوح بناء على عدم كونهما طبيعة ثالثة و الوصية بالمشترك اللفظي.
و على كل فالموجود في كلام بعض الأصحاب و غالبا في كلام الشهيد الثاني قدس سره اختصاص حكم القرعة بالقسم الثاني فإن ادعوا الانصراف الى ذلك نمنعه، و ان ادعوا التخصيص نطالبهم بالدليل، و ان ادعوا عدم لزوم التعيين في القسم الأول و إمكان العمل بالتخيير، و القرعة فيما لا مخرج له كما تقدم نورد عليهم النقض بموارد التنازع و التداعي.
و في كثير من موارد النصوص الخاصة ما هو مجهول و مشتبه ظاهرا و واقعا كما في صحيحة محمد بن مسلم في الوصية بعتق ثلث المماليك ح 1، الباب 66 من كتاب العتق من الوسائل (و ان أمكن كون الحكم فيها استحبابيا لعدم إشكال في الثلث لانه متواط قاض بالتخيير) و صحيحة الحلبي و رواية فضالة فيمن قال أول مملوك ملكه فهو حر. فملك مماليك ح 1 و 2، الباب 57 من كتاب العتق من الوسائل و رواية سيابة و إبراهيم بن عمر ح 2 من الباب 13 من أبواب كيفية الحكم.
و الإتيان أيضا في القسمين حيث ان الاستهام للمدحض من قبيل القسم الثاني و الاستهام لكافل مريم من قبيل القسم الأول.
ثم الحق اختصاص القرعة بالإمام أو نائبه، فإن إطلاق ما يتوهم منه الإطلاق من أدلة القرعة موهون بأنها مسوقة لبيان المشروعية، فيقتصر على المتيقن و لو فرض فيها إطلاق يقيدها ما يدل على التقييد كمرسلة حماد ح 5 من الباب 13، أبواب كيفية الحكم «القرعة لا تكون إلا للإمام» و رواية يونس ح 1 من الباب 34 من كتاب العتق «و لا يستخرجه إلا الامام» و صحيحة معاوية بن عمار ح 13 من الباب 13، أبواب كيفية الحكم «أقرع الوالي بينهم» و الروايات في الخنثى ح 1 و 3 و 4، الباب 4 من أبواب ميراث الخنثى و فيها «يجلس الامام و يجلس ناس عنده» و في ح 2 صحيحة الفضيل «يقرع عليه الإمام أو المقرع» و يستظهر التقييد أيضا من الروايات في قضاء على عليه السّلام و فيها: «فأسهم أو يسهم على».
و القرعة مستلزمة لترتب أحكام مخالفة للأصل، و الأصل عدم لحوقها الا بالمتيقن مع أن الغالب في المثبتات كالبينة و اليمين و نحو ذلك من الشياع و نحوه عند الحاكم فكذلك القرعة.
و للحاكم الشرعي نائبه العام أيضا ذلك، لعموم أدلة القرعة، و لفظ الوالي و المقرع في صحيحة معاوية و فضيل و عموم أدلة نيابته.
ثم ان قولنا بالاختصاص بالحاكم انما هو بالنسبة إلى عمومات القرعة، و لا ينافي ذلك قولنا بعدم لزوم الإمام في موارد مخصوصة كما في القسم بين الزوجات، و تعيين الموطوء من قطيع أو اقتراع المدرس لتقديم بعض المتعلمين.
و مما اختلفوا فيه في مسألة القرعة، أنها عزيمة أو رخصة، و التحقيق أن ما كان للحكم فيه مخرج من الطرق الشرعية، و ورد في مورده القرعة فهي رخصة كما في رواية محمد بن مروان ح 2 الباب 66 من كتاب العتق في فعل ابى عبد اللَّه عليه السّلام في عتق ابى جعفر عليه السّلام ثلث عبيده، حيث ان الثلث كلى متواطئ الصدق على الافراد، و مقتضاه التخيير فليس موردا لعمومات القرعة كما قد عرفته، و النص الوارد يحمل على الندب أو يحمل على أنها كان الثلث معينا واقعا فعرض الاشتباه حيث لا يكون عندئذ مخرج سوى القرعة.
و على كل فعند ما لا مخرج له، فالظاهر كون القرعة عزيمة لظاهر أعلب النصوص ان لم تعد صريحة مع أنه مع ترك القرعة اما ان يترك الحكم و الإفتاء فيلزم الهرج و المرج و التعطيل و تلف الأموال و النفوس و ضياع الحقوق، و اما أن يتهجم على أحد الاحتمالين تشهيا فهو قول بما لا يعلم، و قضاء بغير حق، مستلزم لإثارة الفتنة و التهمة على الحاكم، و مفاسد أخر.
و مما تكلموا فيه أنه بعد إعمال القرعة هل يجب العمل بها فلا ينفسخ الا مع العلم بمخالفة الواقع أو لا يجب، و التحقيق فيه أيضا عدم الوجوب فيما استظهرنا فيه كون حكم القرعة ندبيا كما في ثلث العبيد، فإن الأصل بقاء التخيير، بعد إعمال القرعة أيضا و كون الخارج بالقرعة محقا لا ينافي كون غيره أيضا محقا لانه من أفراد المتواطى، فليس في تغيير القرعة ابطال للحق.
و أما فيما يجب اعمالها فظاهر النصوص لزوم ترتيب الأثر عليها بعد اعمالها و ظاهر الأصحاب الإجماع عليه، مع أنه لو لم يؤخذ بمقتضاها فاما ان يترك الواقعة بغير حكم فيلزم التعطيل المحرم، أو يؤخذ بخلاف ما أخرجته القرعة فيلزم ترجيح المرجوح أو تعاد مرة ثانية، فيعود الكلام السابق، و ترجيح العمل بالثاني على العمل بالأول فاسد، فتعين العمل عليها بعد اعمالها.
هذا مجمل الكلام في القرعة، و المتلخص منه شرعية القرعة لكل ما هو مجهول و مشتبه ظاهرا و واقعا في الشبهات الموضوعية، و ان الاقتراع انما يكون للحاكم، و أنها عزيمة و يجب العمل بها بعد اعمالها، و من أراد التفصيل أكثر مما أوردنا، فليراجع عوائد الأيام للنراقى من ص 222 الى 232 و عناوين الأصول للسيد فتاح من ص 108 الى ص 119 العنوان الحادي عشر، و الخزائن للدربندى في تحقيق الحال في تعارض الاستصحاب و القرعة، و كتب الفقه المبسوطة في المسائل التي سردنا أول البحث.
ثم انا أعرضنا عن البحث في كيفيتها لان هذه اللفظة من المبينات فكلما يصدق عليه القرعة يشمله الإطلاقات و يجتزى به، و الأصل عدم شرطية شيء آخر، و لا إجمال في معناها حتى نلتزم بالأخذ بالمتيقن.
نعم الظاهر اشتراط الدعاء لما في رواية يونس من أن له كلاما في وقت القرعة و دعاء، و صحيحة فضيل المشتملة على الدعاء الظاهرة في بيان أصل الكيفية، و الأجود عدم اعتبار الدعاء المخصوص لاختلاف النصوص لكن الاقتصار على ما في صحيحة فضيل أحوط. راجع ح 2 من الباب 4 من أبواب ميراث الخنثى من الوسائل.
كنز العرفان في فقه القرآن، ج2، ص: 28
«أنه صلّى اللَّه عليه و آله كان إذا أراد سفرا يقرع بين نسائه في استصحاب إحداهنّ» «1» فليست من هذا القسم لكون الرسول صلّى اللَّه عليه و آله أخذ ذلك باذن من اللَّه، فالقرعة كاشفة عن معلوم اللَّه و كذا ما يتداولها الأصحاب من الاستخارة في الرقاع و الحصى و السبحة و ما نستعمله الفقهاء في الأمور المشكلة من القرعة كما نقل عن أهل البيت «2» عليهم السّلام «كلّ أمر
__________________________________________________
(1) أخرجه السيوطي في الجامع الصغير الرقم 6551 ج 5 ص 95 فيض القدير نقلا عن البخاري و مسلم و أبى داود و ابن ماجه و اللفظ: كان إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه، و مثله في البحار ج 6 ص 551 الباب 49 في قصة الافك عن الزهري، و كذا في المجمع ج 7 ص 130 تفسير الآية 11 من سورة النور.
(2) لم أظفر في الجوامع الحديثية على حديث فيه «كل أمر مشكل فيه القرعة» نعم يرسله الفقهاء في الكتب الفقهية، و الوارد في كتب الحديث «كل أمر مجهول فيه القرعة» كما تراه في الوسائل ح 10 و 17 من الباب 13 من أبواب كيفية الدعوى و ذكر في عناوين الأصول ص 121 انه المنقول عن العامة، و قد تصفحت كتبهم الحديثية و الفقهية و راجعت الأقوال المختلفة في مسائل يذكر فيها القرعة و لم أر من استند أو ذكر رواية عامة مفادها «كل أمر مشكل أو مشتبه فيه القرعة».
و شنع ابن حزم في ج 9 ص 268 من كتابه المحلى على الحنفية حيث لم يجوزوا القرعة في من أوصى بعتق رقيق لا يملك غيرهم استنادا بأنها من القمار و الميسر مع ما ورد من أن رجلا أعتق ستة أعبد عند موته ليس له مال غيرهم فأقرع بينهم رسول اللَّه فأعتق اثنين و أرق أربعة، تراه في المنتقى على ما في نيل الأوطار ج 6 ص 45 عن ابى زيد الأنصاري رواه احمد و أبو داود و مضمونه عن عمران بن الحصين رواه الجماعة إلا البخاري و كذا في الأم للشافعي ج 8 ص 4 و فيه: اما قال أوصى عند موته و اما قال أعتق عند موته، ثم نقل ابن حزم عنهم بان «هذا قضاء النبي و ليس عموم اسم يتناول ما تحته» فأورد عليهم بأنه كيف قضيتم بجواز الوضوء بالنبيذ في خبر مكذوب ثم هو فعل و ليس عموم اسم، و شدد النكير عليهم لا نطيل الكلام بنقل كل ما ذكره.
و المقصود انه لو كان عندهم رواية عامة بلفظ «القرعة لكل أمر مشكل» لذكرها و استند إليها، و نقل الآلوسي في ج 3 من كتاب بلوغ الارب ص 69 و 70 بعض ما استدل به ابن قيم الجوزية على صحة القرعة في كتابه الطرق الحكمية، و لم يذكر رواية عامة كذلك، و في كتاب الأم للشافعي ج 8 ص 3- 9 بحث مبسوط في مسئلة القرعة و فيه الاستدلال بالآيتين و الاخبار في القرعة و لم يذكر حديثا عاما باللفظ المذكور فراجع.
كنز العرفان في فقه القرآن، ج2، ص: 29
مشكل فيه القرعة» و كل ذلك أمر متلقّى من الشارع فلا مطعن فيه و أمّا على الثاني فلأنّه قمار منهي عنه.
5- كما يحرم استعمال هذه الأمور الأربعة كذا يحرم اقتناء آلاتها بل يجب إتلافها و إخراجها عن صورها و كذا الخمر يجب إهراقه و يحرم اقتناؤه اللّهمّ إلّا أن يقصد التخليل و لو بعلاج فانّ ذلك سائغ.
كنز العرفان في فقه القرآن، ج2، ص: 306
... هذا و قوله «وَ الْمَيْسِرِ» هو مصدر كالموعد سمّي به القمار لأنّه أخذ من مال الغير بيسر أو سلب يساره، و المعنى يسألونك عن تعاطيهما قل فيهما إثم كبير و قرئ «كثير» ضد القليل، و على القراءتين هي محرّمة جدّا، و المنافع قيل ما هي يربحون فيهما من التجارة في الخمر و كسب المال في القمار، و قيل هي المال و الطرب و الاستلذاذ و مصادقة الفتيان، و في الخمر خصوصا تشجيع الجبان، و توفير المروّة و تقوية الطبيعة.
قوله «وَ إِثْمُهُما» أي الخطاء و القبح و المفاسد الّتي ينشأ منهما أعظم من المنافع المتوقّعة، منهما و لذلك قلنا إنّ هذه الآية محرّمة لهما فإنّ المفسدة إذا ترجحت على المصلحة اقتضيت تحريم الفعل.
مجمع البیان ذیل فیسحتکم:
و أصل السحت استقصاء الخلق يقال سحت شعره إذا استأصله و سحته الله و أسحته إذا استأصله و أهلكه
مجمع البيان في تفسير القرآن، ج3، ص: 303
[سورة المائدة (5): الآيات 42 الى 43]
سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ ...
اللغة
أصل السحت الاستئصال يقال سحته و أسحته أي استأصله و من أسحت قول الفرزدق:
و عض زمان يا ابن مروان لم يدع من المال إلا مسحتا أو مجلف
و يقال للحالق أسحت أي استأصل و فلان مسحوت المعدة إذا كان أكولا لا يشبع و أسحت ماله أفسده و أذهبه
المعنى
ثم وصفهم تعالى فقال «سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ» قد مر تفسيره أعاد الله تعالى ذمهم على استماع الكذب أو قبوله تأكيدا و تشديدا و مبالغة في الزجر عنه «أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ» أي يكثرون الأكل للسحت و هو الحرام و
روي عن النبي ص أن السحت هو الرشوة في الحكم
و هو المروي عن ابن مسعود و الحسن و
قيل السحت هو الرشوة في الحكم و مهر البغي و كسب الحجام و عسيب الفحل و ثمن الكلب و ثمن الخمر و ثمن الميتة و حلوان الكاهن و الاستجعال في المعصية عن علي (ع)
و روي عن أبي عبد الله (ع) أن السحت أنواع كثيرة فأما الرشى في الحكم فهو الكفر بالله
و قيل في اشتقاق السحت أقوال مجمع البيان في تفسير القرآن، ج3، ص: 304
(أحدها) أن الحرام إنما سمي سحتا لأنه يعقب عذاب الاستئصال و البوار عن الزجاج (و ثانيها) أنه إنما سمي سحتا لأنه لا بركة فيه لأهله فيهلك هلاك الاستئصال عن الجبائي (و ثالثها) أنه إنما سمي سحتا لأنه القبيح الذي فيه العار نحو ثمن الكلب و الخمر فعلى هذا يسحت مروءة الإنسان عن الخليل
آیات الأحکام-القمار-المیسر