بسم الله الرحمن الرحیم

مقدمه کتاب کمال الدین در جواب از شبهات زیدیة

سامانه بينش شيعي
شواهد کبروي و صغروي برای مدل وظیفه در زمان غیبت
الزيدية
شرح حال زيد بن علي بن الحسين(79 - 122 هـ = 698 - 740 م)
الزیدیة والإمام المفترض الطاعة




كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 1
[تصوير نسخه خطى‏]
مقدمة المؤلف‏
بسم الله الرحمن الرحيم‏
الحمد لله رب العالمين و صلى الله على محمد و آله الطاهرين.
الحمد لله الواحد الأحد الفرد الصمد الحي القادر العليم الحكيم تقدس و تعالى عن صفة المخلوقين ذي الجلال و الإكرام و الإفضال و الإنعام و المشيئة النافذة و الإرادة الكاملة ليس كمثله شي‏ء و هو السميع البصير لا تدركه الأبصار و هو يدرك الأبصار و هو اللطيف الخبير و أشهد أن‏ لا إله إلا الله‏ وحده‏ لا شريك له‏ خالق كل شي‏ء و مالك كل شي‏ء و جاعل كل شي‏ء و محدث كل شي‏ء و رب كل شي‏ء و أنه‏ يقضي بالحق‏ و يعدل في الحكم و يحكم بالقسط و يأمر بالعدل و الإحسان و إيتاء ذي القربى و ينهى عن الفحشاء و المنكر و البغي‏ و لا يكلف‏ نفسا إلا وسعها و لا يحملها فوق طاقتها و له‏ الحجة البالغة و لو شاء لهدى الناس أجمعين‏ يدعوا إلى دار السلام و يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم‏ لا يعجل بالعقوبة و لا يعذب إلا بعد إيضاح الحجة و تقديم الآيات و النذارة لم يستعبد عباده بما لم يبينه لهم و لم يأمرهم إطاعة من لم ينصبه لهم و لم يكلهم إلى أنفسهم و اختيارهم و آرائهم بطاعته و اختراعهم في خلافته‏ «1» تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
و أشهد أن محمدا ص عبده و رسوله و أمينه و أنه بلغ عن ربه و دعا إلى سبيله‏ بالحكمة و الموعظة الحسنة و عمل بالكتاب و أمر باتباعه و أوصى بالتمسك‏
______________________________
(1). في بعض النسخ «فى دينه».



كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 2
به و بعترته الأئمة بعده‏ «1» ص و أنهما لن يفترقا حتى يردا عليه حوضه و أن اعتصام المسلمين بهما على المحجة الواضحة «2» و الطريقة المستقيمة و الحنيفية البيضاء التي ليلها كنهارها و باطنها كظاهرها و لم يدع أمته في شبهة و لا عمى من أمره و لم يدخر عنهم دلالة و لا نصيحة و لا هداية و لم يدع برهانا و لا حجة إلا أوضح سبيلها و أقام لهم دليلها لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل‏ و ليهلك من هلك عن بينة و يحيى من حي عن بينة و أشهد أنه ليس بمؤمن‏ و لا مؤمنة إذا قضى الله و رسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم‏ و أن الله‏ يخلق ما يشاء و يختار و أنهم لا يؤمنون حتى يحكموه‏ فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضاه‏ و يسلموا تسليما و أن من حرم حلالا و من حلل حراما أو غير سنة أو نقص فريضة أو بدل شريعة أو أحدث بدعة يريد أن يتبع عليها و يصرف وجوه الناس إليها فقد أقام نفسه لله شريكا و من أطاعه فقد ادعى مع الله ربا و باء بغضب من الله‏ و مأواه‏ النار و بئس مثوى الظالمين‏ و حبط عمله و هو في الآخرة من الخاسرين‏ و صلى الله على محمد و آله الطاهرين.
قال الشيخ الفقيه أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي مصنف هذا الكتاب أعانه الله على طاعته إن الذي دعاني إلى تأليف كتابي هذا أني لما قضيت وطري من زيارة علي بن موسى الرضا ص رجعت إلى نيسابور و أقمت بها فوجدت أكثر المختلفين إلي‏ «3» من الشيعة قد حيرتهم الغيبة و دخلت عليهم في أمر القائم ع الشبهة و عدلوا عن طريق التسليم إلى الآراء و المقاييس فجعلت أبذل مجهودي في إرشادهم إلى الحق و ردهم إلى الصواب بالأخبار الواردة في ذلك عن النبي و الأئمة ص حتى ورد إلينا من بخارا شيخ من أهل الفضل و العلم و النباهة ببلد قم طالما تمنيت لقاءه و
______________________________
(1). في نسخة «بعد وفاته».
(2). في بعض النسخ «و انه يدل المسلمين بهما على المحجة الواضحة».
(3). الاختلاف بمعنى التردد اي الذهاب و المجي‏ء.



كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 3
اشتقت إلى مشاهدته لدينه و سديد رأيه و استقامة طريقته و هو الشيخ نجم الدين أبو سعيد محمد بن الحسن بن محمد بن أحمد بن علي بن الصلت القمي أدام الله توفيقه و كان أبي يروي عن جده محمد بن أحمد بن علي بن الصلت قدس الله روحه و يصف علمه و عمله و زهده و فضله و عبادته و كان أحمد بن محمد بن عيسى في فضله و جلالته يروي عن أبي طالب عبد الله بن الصلت القمي رضي الله عنه و بقي‏ «1» حتى لقيه محمد بن الحسن الصفار و روى عنه فلما أظفرني الله تعالى ذكره بهذا الشيخ الذي هو من أهل هذا البيت الرفيع شكرت الله تعالى ذكره على ما يسر لي من لقائه و أكرمني به من إخائه و حباني به من وده و صفائه فبينا هو يحدثني ذات يوم إذ ذكر لي عن رجل قد لقيه ببخارا من كبار الفلاسفة و المنطقيين كلاما في القائم ع قد حيره و شككه في أمره لطول غيبته و انقطاع أخباره فذكرت له فصولا في إثبات كونه ع و رويت له أخبارا في غيبته عن النبي و الأئمة ع سكنت إليها نفسه و زال بها عن قلبه ما كان دخل عليه من الشك و الارتياب و الشبهة و تلقى ما سمعه من الآثار الصحيحة بالسمع و الطاعة و القبول و التسليم و سألني أن أصنف له في هذا المعنى كتابا فأجبته إلى ملتمسه و وعدته جمع ما أبتغي إذا سهل الله لي العود إلى مستقري و وطني بالري.
فبينا أنا ذات ليلة أفكر فيما خلفت ورائي من أهل و ولد و إخوان و نعمة إذ غلبني النوم فرأيت كأني بمكة أطوف حول بيت الله الحرام و أنا في الشوط السابع عند الحجر الأسود أستلمه و أقبله و أقول أمانتي أديتها و ميثاقي تعاهدته لتشهد لي بالموافاة فأرى مولانا القائم صاحب الزمان ص واقفا بباب الكعبة فأدنو منه على شغل قلب و تقسم فكر فعلم ع ما في نفسي بتفرسه في وجهي فسلمت عليه فرد علي السلام ثم قال لي لم لا تصنف كتابا في الغيبة حتى تكفى ما قد همك فقلت له يا ابن رسول الله قد صنفت في الغيبة أشياء فقال ع ليس على ذلك السبيل آمرك أن تصنف و لكن صنف‏ «2» الآن كتابا في الغيبة و اذكر فيه غيبات الأنبياء ع.
______________________________
(1). يعني عبد الله بن الصلت.
(2). كذا في النسخ.




كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 4
ثم مضى ص فانتبهت فزعا إلى الدعاء و البكاء و البث و الشكوى إلى وقت طلوع الفجر ..
فلما أصبحت ابتدأت في تأليف هذا الكتاب ممتثلا لأمر ولي الله و حجته مستعينا بالله و متوكلا عليه و مستغفرا من التقصير و ما توفيقي إلا بالله عليه توكلت و إليه أنيب‏
[بحوث في الإمامة و العصمة «1»]
الخليفة قبل الخليقة
أما بعد فإن الله تبارك و تعالى يقول في محكم كتابه‏ و إذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة الآية «2» فبدأ عز و جل بالخليفة قبل الخليقة فدل ذلك على أن الحكمة في الخليفة أبلغ من الحكمة في الخليقة فلذلك ابتدأ به لأنه سبحانه حكيم و الحكيم من يبدأ بالأهم دون الأعم و ذلك تصديق‏
قول الصادق جعفر بن محمد ع حيث يقول‏ الحجة قبل الخلق و مع الخلق و بعد الخلق ..
و لو خلق الله عز و جل الخليقة خلوا من الخليفة لكان قد عرضهم للتلف و لم يردع السفيه عن سفهه بالنوع الذي توجب حكمته من إقامة الحدود و تقويم المفسد و اللحظة الواحدة لا تسوغ الحكمة ضرب صفح عنها «3» إن الحكمة تعم كما أن الطاعة تعم و من زعم أن الدنيا تخلو ساعة من إمام لزمه أن يصحح مذهب البراهمة في إبطالهم الرسالة و لو لا أن القرآن نزل بأن محمدا ص خاتم الأنبياء لوجب كون رسول في كل وقت فلما صح ذلك ارتفع معنى كون الرسول بعده و بقيت الصورة المستدعية للخليفة في العقل و ذلك أن الله تقدس ذكره لا يدعو إلى سبب إلا بعد أن يصور في العقول حقائقه و إذا لم يصور ذلك لم تتسق الدعوة و لم تثبت الحجة و ذلك أن الأشياء تألف أشكالها و تنبو عن أضدادها فلو كان في العقل إنكار الرسل لما بعث الله عز و جل نبيا قط.
مثال ذلك الطبيب يعالج المريض بما يوافق طباعه و لو عالجه بدواء يخالف طباعه أدى ذلك إلى تلفه فثبت أن الله أحكم الحاكمين لا يدعو إلى سبب إلا و له في‏
______________________________
(1). العنوان هنا و ما يأتي في المقدمة منا أضفناها تسهيلا للباحثين.
(2). البقرة: 30.
(3). يعني عن اقامة الحدود.



كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 5
العقول صورة ثابتة و بالخليفة يستدل على المستخلف كما جرت به العادة في العامة و الخاصة و في المتعارف متى استخلف ملك ظالما استدل بظلم خليفته على ظلم مستخلفه و إذا كان عادلا استدل بعدله على عدل مستخلفه فثبت أن خلافة الله توجب العصمة و لا يكون الخليفة إلا معصوما
وجوب طاعة الخليفة
و لما استخلف الله عز و جل آدم في الأرض أوجب على أهل السماوات الطاعة له فكيف الظن بأهل الأرض و لما أوجب الله عز و جل على الخلق الإيمان بملائكة الله و أوجب على الملائكة السجود لخليفة الله ثم لما امتنع ممتنع من الجن عن السجود له أحل الله به الذل و الصغار و الدمار و أخزاه و لعنه إلى يوم القيامة علمنا بذلك رتبة الإمام و فضله و أن الله تبارك و تعالى لما أعلم الملائكة أنه‏ جاعل في الأرض خليفة أشهدهم على ذلك لأن العلم شهادة فلزم من ادعى أن الخلق يختار الخليفة أن تشهد ملائكة الله كلهم عن آخرهم عليه و الشهادة العظيمة تدل على الخطب العظيم كما جرت به العادة في الشاهد فكيف و أنى ينجو صاحب الاختيار من عذاب الله و قد شهدت عليه ملائكة الله أولهم و آخرهم و كيف و أنى يعذب صاحب النص و قد شهدت له ملائكة الله كلهم.
و له وجه آخر و هو أن القضية في الخليفة باقية إلى يوم القيامة و من زعم أن الخليفة أراد به النبوة فقد أخطأ من وجه و ذلك أن الله عز و جل وعد أن يستخلف من هذه الأمة الفاضلة خلفاء راشدين كما قال جل و تقدس‏ وعد الله الذين آمنوا منكم و عملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم و ليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم‏ و ليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا «1» و لو كانت قضية الخلافة قضية النبوة أوجب حكم الآية أن يبعث الله عز و جل نبيا بعد محمد ص و ما صح قوله‏ و خاتم النبيين‏ «2» فثبت‏
______________________________
(1). النور: 55.
(2). الأحزاب: 40.



كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 6
أن الوعد من الله عز و جل ثابت من غير النبوة و ثبت أن الخلافة تخالف النبوة بوجه و قد يكون الخليفة غير نبي و لا يكون النبي إلا خليفة.
و آخر هو أنه عز و جل أراد أن يظهر باستعباده الخلق بالسجود لآدم ع نفاق المنافق و إخلاص المخلص كما كشفت الأيام و الخبر عن قناعيهما أعني ملائكة الله و الشيطان و لو وكل ذلك المعنى من اختيار الإمام إلى من أضمر سوءا لما كشفت الأيام عنه بالتعرض و ذلك أنه يختار المنافق من سمحت نفسه بطاعته و السجود له فكيف و أنى يوصل إلى ما في الضمائر من النفاق و الإخلاص و الحسد و الداء الدفين.
و وجه آخر و هو أن الكلمة تتفاضل على أقدار المخاطب و المخاطب فخطاب الرجل عبده يخالف خطاب سيده و المخاطب كان الله عز و جل و المخاطبون ملائكة الله أولهم و آخرهم و الكلمة العموم لها مصلحة عموم كما أن الكلمة الخصوص لها مصلحة خصوص و المثوبة في العموم أجل من المثوبة في الخصوص كالتوحيد الذي هو عموم على عامة خلق الله يخالف الحج و الزكاة و سائر أبواب الشرع الذي هو خصوص فقوله عز و جل‏ و إذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة دل على أن فيه معنى من معاني التوحيد لما أخرجه مخرج العموم و الكلمة إذا جاورت الكلمة في معنى لزمها ما لزم أختها إذا جمعهما معنى واحد و وجه ذلك أن الله سبحانه علم أن من خلقه من يوحده و يأتمر لأمره و أن لهم أعداء يعيبونهم و يستبيحوا حريمهم و لو أنه عز و جل قصر الأيدي عنهم جبرا و قهرا لبطلت الحكمة و ثبت الإجبار رأسا «1» و بطل الثواب و العقاب و العبادات و لما استحال ذلك وجب أن يدفع عن أوليائه بضرب من الضروب لا تبطل به و معه العبادات و المثوبات فكان الوجه في ذلك إقامة الحدود كالقطع و الصلب و القتل و الحبس و تحصيل الحقوق كما قيل ما يزع السلطان أكثر
______________________________
(1). في بعض النسخ «لبطلت الحكمة و تنيه الاختيار». و في بعضها «و فائدة الاختيار» و في بعضها «و تب الاختيار».



كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 7
مما يزع القرآن‏ «1» و قد نطق بمثله قوله عز و جل‏ لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله‏ «2» فوجب أن ينصب عز و جل خليفة يقصر من أيدي أعدائه عن أوليائه ما تصح به و معه الولاية لأنه لا ولاية مع من أغفل الحقوق و ضيع الواجبات و وجب خلعه في العقول جل الله تعالى عن ذلك و الخليفة اسم مشترك لأنه لو أن رجلا بنى مسجدا و لم يؤذن فيه و نصب فيه مؤذنا كان مؤذنه فأما إذا أذن فيه أياما ثم نصب فيه مؤذنا كان خليفته و كذلك الصورة في العقول و المعارف متى قال البندار «3» هذا خليفتي كان خليفته على البندرة لا على البريد و المظالم فكذلك القول في صاحبي البريد و المظالم فثبت أن الخليفة من الأسماء المشتركة فكان من صفة الله تعالى ذكره الانتصاف لأوليائه من أعدائه فوكل من ذلك معنى إلى خليفته فلهذا الشأن استحق معنى الخليفة دون معنى أن يتخذ شريكا معبودا مع الله سبحانه و لهذا من الشأن قال الله تبارك و تعالى لإبليس‏ يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت‏ ثم قال عز و جل‏ بيدي أستكبرت‏ «4» و ذلك أنه يقطع العذر و لا يوهم أنه خليفة شارك الله في وحدته فقال بعد ما عرفت أنه خلق الله‏ ما منعك أن تسجد ثم قال‏ بيدي أستكبرت‏ «5» و اليد في اللغة قد تكون بمعنى النعمة و قد كان لله عز و جل عليه نعمتان حوتا نعما «6» كقوله عز و جل‏ و أسبغ عليكم نعمه ظاهرة و باطنة «7» و هما نعمتان حوتا
______________________________
(1). أي ما يمنع الحاكم أكثر مما يمنع القرآن.
(2). الحشر: 13.
(3). البندار- بضم الميم-: من بيده ديوان الخراج، و يقال لمحمد بن بشار البصرى:
«بندار» لانه جمع حديث أهل بلده.
(4). سورة ص: 75 و تمامها «أم كنت من العالين».
(5). يعني الباء في قوله «بيدى» ليست متعلقة بخلقت حتى تكون اليد بمعنى القدرة، بل متعلقة بفعل متأخر هو قوله «استكبرت». أقول: و فيه ما لا يخفى لان الهمزة للاستفهام بقرينة «أم» و شأنها الصدر و عليه فلا يصح أن يكون ما قبلها معمولا لما بعدها كما حقق في محله، و في حديث عن الرضا عليه السلام قال: يعنى بقدرتى و قوتى.
(6). في بعض النسخ «جرتا نعما» و كذا ما يأتي.
(7). لقمان: 20.



كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 8
نعما لا تحصى ثم غلظ عليه القول بقوله عز و جل‏ بيدي أستكبرت‏ كقول القائل بسيفي تقاتلني و برمحي تطاعنني و هذا أبلغ في القبح و أشنع فقوله عز و جل‏ و إذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة كانت كلمة متشابهة أحد وجوهها أنه يتصور عند الجاهل أن الله عز و جل يستشير خلقه في معنى التبس عليه و يتصور عند المستدل إذا استدل على الله عز و جل بأفعاله المحكمة و جلالته الجليلة أنه جل عن أن يلتبس عليه معنى أو يستعجم عليه حال فإنه لا يعجزه شي‏ء في السماوات و الأرض و السبيل في هذه الآية المتشابهة كالسبيل في أخواتها من الآيات المتشابهات أنها ترد إلى المحكمات مما يقطع به و معه العذر للمتطرق إلى السفه و الإلحاد.
فقوله‏ و إذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة يدل على معنى هدايتهم لطاعة جليلة مقترنة بالتوحيد نافية عن الله عز و جل الخلع و الظلم و تضييع الحقوق و ما تصح به و معه الولاية فتكمل معه الحجة و لا يبقى لأحد عذر في إغفال حق.
و أخرى أنه عز و جل إذا علم استقلال أحد من عباده لمعنى من معاني الطاعات ندبه له حتى تحصل له به عبادة و يستحق معها مثوبة على قدرها ما لو أغفل ذلك جاز أن يغفل جميع معاني حقوق خلقه أولهم و آخرهم جل الله عن ذلك فللقوام بحقوق الله و حقوق خلقه مثوبة جليلة متى فكر فيها مفكر عرف أجزاءها إذ لا وصول إلى كلها لجلالتها و عظم قدرها و أحد معانيها و هو جزء من أجزائها أنه يسعد بالإمام العادل النملة و البعوضة و الحيوان أولهم و آخرهم بدلالة قوله تعالى‏ و ما أرسلناك إلا رحمة للعالمين‏ «1» و يدل على صحة ذلك قوله عز و جل في قصة نوح ع‏ فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا الآية «2» ثم من المدرار ما ينتفع به الإنسان و سائر الحيوان و سبب ذلك الدعاة إلى دين الله و الهداة إلى حق الله فمثوبته على أقداره و عقوبته على من عانده بحسابه و لهذا نقول إن‏
______________________________
(1). الأنبياء: 107.
(2). نوح: 10- 12.



كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 9
الإمام يحتاج إليه لبقاء العالم على صلاحه.
و قد أخرجت الأخبار التي رويتها في هذا المعنى في هذا الكتاب في باب العلة التي يحتاج من أجلها إلى الإمام‏
ليس لأحد أن يختار الخليفة إلا الله عز و جل‏
و قول الله عز و جل‏ و إذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة جاعل منون‏ «1» صفة الله التي وصف بها نفسه و ميزانه قوله‏ إني خالق بشرا من طين‏ «2» فنونه و وصف به نفسه فمن ادعى أنه يختار الإمام وجب أن يخلق بشرا من طين فلما بطل هذا المعنى بطل الآخر إذ هما في حيز واحد.
و وجه آخر و هو أن الملائكة في فضلهم و عصمتهم لم يصلحوا لاختيار الإمام حتى تولى الله ذلك بنفسه دونهم و احتج به على عامة خلقه أنه لا سبيل لهم إلى اختياره لما لم يكن للملائكة سبيل إليه مع صفائهم و وفائهم و عصمتهم و مدح الله إياهم في آيات كثيرة مثل قوله سبحانه‏ بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول و هم بأمره يعملون‏ «3» و كقوله عز و جل‏ لا يعصون الله ما أمرهم و يفعلون ما يؤمرون‏ «4» ثم إن الإنسان بما فيه من السفه و الجهل كيف و أنى يستتب له‏ «5» ذلك فهذا و الأحكام دون الإمامة مثل الصلاة و الزكاة و الحج و غير ذلك لم يكل الله عز و جل شيئا من ذلك إلى خلقه فكيف وكل إليهم الأهم الجامع للأحكام كلها و الحقائق بأسرها.
وجوب وحدة الخليفة في كل عصر-
و في قوله عز و جل‏ خليفة إشارة إلى خليفة واحدة ثبت به و معه إبطال قول‏
______________________________
(1). يعني قوله تعالى‏ «جاعل» بالتنوين يفيد الحصر.
(2). ص: 71.
(3). أنبياء: 26 و 27.
(4). التحريم: 6.
(5). أي يهيؤ و يستقيم له. و في بعض النسخ «يستثبت له».



كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 10
من زعم أنه يجوز أن تكون في وقت واحد أئمة كثيرة و قد اقتصر الله عز و جل على الواحد و لو كانت الحكمة ما قالوه و عبروا عنه لم يقتصر الله عز و جل على الواحد و دعوانا محاذ لدعواهم ثم إن القرآن يرجح قولنا دون قولهم و الكلمتان إذا تقابلتا ثم رجح إحداهما على الأخرى بالقرآن كان الرجحان أولى.
لزوم وجود الخليفة-
و لقوله عز و جل‏ و إذ قال ربك للملائكة الآية في الخطاب الذي خاطب الله عز و جل به نبيه ص لما قال‏ ربك‏ من أصح الدليل على أنه سبحانه يستعمل هذا المعنى في أمته إلى يوم القيامة فإن الأرض لا تخلو من حجة له عليهم و لو لا ذلك لما كان لقوله‏ ربك‏ حكمة و كان يجب أن يقول ربهم و حكمة الله في السلف كحكمته في الخلف لا يختلف في مر الأيام و كر الأعوام و ذلك أنه عز و جل عدل حكيم لا يجمعه و أحد من خلقه نسب جل الله عن ذلك.
وجوب عصمة الإمام-
و لقوله عز و جل‏ و إذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة الآية معنى و هو أنه عز و جل لا يستخلف إلا من له نقاء السريرة ليبعد عن الخيانة لأنه لو اختار من لا نقاء له في السريرة كان قد خان خلقه لأنه لو أن دلالا قدم حمالا خائنا إلى تاجر فحمل له حملا فخان فيه كان الدلال خائنا فكيف تجوز الخيانة على الله عز و جل و هو يقول و قوله الحق‏ أن الله لا يهدي كيد الخائنين‏ «1» و أدب محمدا ص بقوله عز و جل‏ و لا تكن للخائنين خصيما «2» فكيف و أنى يجوز أن يأتي ما ينهى عنه و قد عير اليهود بسمة النفاق و قال‏ أ تأمرون الناس بالبر و تنسون أنفسكم و أنتم تتلون الكتاب أ فلا تعقلون‏ «3»
______________________________
(1). يوسف: 52.
(2). النساء: 105.
(3). البقرة: 44.



كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 11
و في قول الله عز و جل‏ و إذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة حجة قوية في غيبة الإمام ع و ذلك أنه عز و جل لما قال‏ إني جاعل في الأرض خليفة أوجب بهذا اللفظ معنى و هو أن يعتقدوا طاعته فاعتقد عدو الله إبليس بهذه الكلمة نفاقا و أضمره حتى صار به منافقا و ذلك أنه أضمر أنه يخالفه متى استعبد بالطاعة له فكان نفاقه أنكر النفاق لأنه نفاق بظهر الغيب و لهذا من الشأن صار أخزى المنافقين كلهم و لما عرف الله عز و جل ملائكته ذلك أضمروا الطاعة له و اشتاقوا إليه فأضمروا نقيض ما أضمره الشيطان فصار لهم من الرتبة عشرة أضعاف ما استحق عدو الله من الخزي و الخسار فالطاعة و الموالاة بظهر الغيب أبلغ في الثواب و المدح لأنه أبعد من الشبهة و المغالطة و لهذا
روي عن النبي ص أنه قال: من دعا لأخيه بظهر الغيب ناداه ملك من السماء و لك مثلاه ..
و أن الله تبارك و تعالى أكد دينه بالإيمان بالغيب فقال‏ هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب‏ الآية «1» فالإيمان بالغيب أعظم مثوبة لصاحبه لأنه خلو من كل عيب و ريب لأن بيعة الخليفة وقت المشاهدة قد يتوهم على المبايع أنه إنما يطيع رغبة في خير أو مال أو رهبة من قتل أو غير ذلك مما هو عادات أبناء الدنيا في طاعة ملوكهم و إيمان الغيب مأمون من ذلك كله و محروس من معايبه بأصله يدل على ذلك قول الله عز و جل‏ فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده و كفرنا بما كنا به مشركين فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا «2» و لما حصل للمتعبد ما حصل من الإيمان بالغيب لم يحرم الله عز و جل ذلك ملائكته فقد جاء في الخبر أن الله سبحانه قال هذه المقالة للملائكة قبل خلق آدم بسبعمائة عام و كان يحصل في هذه المدة الطاعة لملائكة الله على قدرها و لو أنكر منكر هذا الخبر و الوقت و الأعوام لم يجد بدا من القول بالغيبة و لو ساعة واحدة و الساعة الواحدة لا تتعرى من حكمة ما و ما حصل من الحكمة في الساعة حصل في الساعتين حكمتان و في الساعات حكم و ما زاد في الوقت إلا زاد في‏
______________________________
(1). البقرة: 2.
(2). المؤمن: 84.



كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 12
المثوبة و ما زاد في المثوبة إلا كشف عن الرحمة و دل على الجلالة فصح الخبر أن فيه تأييد الحكمة و تبليغ الحجة.
و في قول الله عز و جل‏ و إذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة حجة في غيبة الإمام ع من أوجه كثيرة أحدها أن الغيبة قبل الوجود أبلغ الغيبات كلها و ذلك أن الملائكة ما شهدوا «1» قبل ذلك خليفة قط و أما نحن فقد شاهدنا خلفاء كثيرين غير واحد قد نطق به القرآن و تواترت به الأخبار حتى صارت كالمشاهدة و الملائكة لم يشهدوا «2» واحدا منهم فكانت تلك الغيبة أبلغ و آخر أنها كانت غيبة من الله عز و جل و هذه الغيبة التي للإمام ع هي من قبل أعداء الله تعالى فإذا كان في الغيبة التي هي من الله عز و جل عبادة لملائكته فما الظن بالغيبة التي هي من أعداء الله و في غيبة الإمام ع عبادة مخلصة «3» لم تكن في تلك الغيبة و ذلك أن الإمام الغائب ع مقموع مقهور مزاحم في حقه قد غلب قهرا و جرى على شيعته قسرا من أعداء الله ما جرى من سفك الدماء و نهب الأموال و إبطال الأحكام و الجور على الأيتام و تبديل الصدقات و غير ذلك مما لا خفاء به و من اعتقد موالاته شاركه في أجره و جهاده و تبرأ من أعدائه و كان له في براءة مواليه من أعدائه أجر و في ولاية أوليائه أجر يربو على أجر ملائكة الله عز و جل على الإيمان بالإمام المغيب في العدم و إنما قص الله عز و جل نبأه قبل وجوده توقيرا و تعظيما له ليستعبد له الملائكة و يتشمروا لطاعته و إنما مثال ذلك تقديم الملك فيما بيننا بكتاب أو رسول إلى أوليائه أنه قادم عليهم حتى يتهيئوا لاستقباله و ارتياد الهدايا له ما يقطع به و معه عذرهم في تقصير إن قصروا في خدمته كذلك بدأ الله عز و جل بذكر نبئه إبانة عن جلالته و رتبته و كذلك قضيته في السلف و الخلف فما قبض خليفة إلا عرف خلقه الخليفة الذي يتلوه و تصديق‏
______________________________
(1). في بعض النسخ «ما شاهدوا».
(2). في بعض النسخ «لم يعهدوا».
(3). في بعض النسخ «عبادة محصلة».



كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 13
ذلك قوله عز و جل‏ أ فمن كان على بينة من ربه و يتلوه شاهد منه‏ الآية «1» و الذي على بينة من ربه محمد ص و الشاهد الذي يتلوه علي بن أبي طالب أمير المؤمنين ع دلالته قوله عز و جل‏ و من قبله كتاب موسى إماما و رحمة و الكلمة من كتاب موسى المحاذية لهذا المعنى حذو النعل بالنعل و القذة بالقذة قوله‏ و واعدنا موسى ثلاثين ليلة و أتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة و قال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي و أصلح و لا تتبع سبيل المفسدين‏ «2»
السر في أمره تعالى الملائكة بالسجود لآدم ع‏
و استعبد الله عز و جل الملائكة بالسجود لآدم تعظيما له لما غيبه عن أبصارهم و ذلك أنه عز و جل إنما أمرهم بالسجود لآدم لما أودع صلبه من أرواح حجج الله تعالى ذكره فكان ذلك السجود لله عز و جل عبودية و لآدم طاعة و لما في صلبه تعظيما فأبى إبليس أن يسجد لآدم حسدا له إذ جعل صلبه مستودع أرواح حجج الله دون صلبه فكفر بحسده و تأبيه و فسق عن أمر ربه و طرد عن جواره و لعن و سمي رجيما لأجل إنكاره للغيبة لأنه احتج في امتناعه من السجود لآدم بأن‏ قال أنا خير منه خلقتني من نار و خلقته من طين‏ «3» فجحد ما غيب عن بصره و لم يوقع التصديق به و احتج بالظاهر الذي شاهده و هو جسد آدم ع و أنكر أن يكون يعلم لما في صلبه وجودا و لم يؤمن بأن آدم إنما جعل قبلة للملائكة و أمروا بالسجود له لتعظيم ما في صلبه فمثل من آمن بالقائم ع في غيبته مثل الملائكة الذين أطاعوا الله عز و جل في السجود لآدم و مثل من أنكر القائم ع في غيبته مثل إبليس في امتناعه من السجود لآدم كذلك‏
روي عن الصادق جعفر بن محمد ع: حدثنا بذلك محمد بن موسى بن المتوكل رضي الله عنه قال حدثنا محمد بن أبي عبد الله الكوفي عن محمد بن إسماعيل البرمكي عن جعفر بن عبد الله الكوفي عن‏
______________________________
(1). هود: 17.
(2). الأعراف: 142.
(3). الأعراف: 12.




كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 14
الحسن بن سعيد عن محمد بن زياد عن أيمن بن محرز عن الصادق جعفر بن محمد ع‏ أن الله تبارك و تعالى علم آدم ع أسماء حجج الله كلها ثم عرضهم و هم أرواح على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين‏ بأنكم أحق بالخلافة في الأرض لتسبيحكم و تقديسكم من آدم ع‏ قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم‏ قال الله تبارك و تعالى‏ يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم‏ وقفوا على عظيم منزلتهم عند الله تعالى ذكره فعلموا أنهم أحق بأن يكونوا خلفاء الله في أرضه و حججه على بريته ثم غيبهم عن أبصارهم و استعبدهم بولايتهم و محبتهم و قال لهم‏ أ لم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات و الأرض و أعلم ما تبدون و ما كنتم تكتمون‏
- حدثنا بذلك أحمد بن الحسن القطان قال حدثنا الحسين بن علي السكري قال حدثنا محمد بن زكريا الجوهري قال حدثنا جعفر بن محمد بن عمارة عن أبيه عن الصادق جعفر بن محمد ع‏ ..
و هذا استعباد الله عز و جل للملائكة بالغيبة و الآية أولها في قصة الخليفة و إذا كان آخرها مثلها كان للكلام نظم و في النظم حجة و منه يؤخذ وجه الإجماع لأمة محمد ص أولهم و آخرهم و ذلك أنه سبحانه و تعالى إذا علم آدم الأسماء كلها على ما قاله المخالفون فلا محالة أن أسماء الأئمة ع داخلة في تلك الجملة فصار ما قلناه في ذلك بإجماع الأمة و من أصح الدليل عليه أنه لا محالة لما دل الملائكة على السجود لآدم فإنه حصل لهم عبادة فلما حصل لهم عبادة أوجب باب الحكمة أن يحصل لهم ما هو في حيزه سواء كان في وقت أو في غير وقت فإن الأوقات ما تغير الحكمة و لا تبدل الحجة أولها كآخرها و آخرها كأولها لا يجوز في حكمة الله أن يحرمهم معنى من معاني المثوبة و لا أن يبخل بفضل من فضائل الأئمة لأنهم كلهم شرع واحد دليل ذلك أن الرسل متى آمن مؤمن بواحد منهم أو بجماعة و أنكر واحدا منهم لم يقبل منه إيمانه كذلك القضية في الأئمة ع أولهم و آخرهم واحد-
و قد قال الصادق ع‏ المنكر لآخرنا كالمنكر لأولنا.
و قال ع‏ من أنكر واحدا من‏



كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 15
الأحياء فقد أنكر الأموات ..
و سأخرج ذلك في هذا الكتاب مسندا في موضعه إن شاء الله فصح أن قوله عز و جل‏ و علم آدم الأسماء كلها أراد به أسماء الأئمة ع و للأسماء معان كثيرة و ليس أحد معانيها بأولى من الآخر و للأسماء أوصاف و ليس أحد الأوصاف بأولى من الآخر فمعنى الأسماء أنه سبحانه علم آدم ع أوصاف الأئمة كلها أولها و آخرها و من أوصافهم العلم و الحلم و التقوى و الشجاعة و العصمة و السخاء و الوفاء و قد نطق بمثله كتاب الله عز و جل في أسماء الأنبياء ع كقوله عز و جل‏ و اذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا «1» و اذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد و كان رسولا نبيا و كان يأمر أهله بالصلاة و الزكاة و كان عند ربه مرضيا و اذكر في الكتاب إدريس إنه كان صديقا نبيا و رفعناه مكانا عليا «2» و كقوله عز و جل‏ و اذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصا و كان رسولا نبيا و ناديناه من جانب الطور الأيمن و قربناه نجيا و وهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا «3» فوصف الرسل ع و حمدهم بما كان فيهم من الشيم المرضية و الأخلاق الزكية و كان ذلك أوصافهم و أسماءهم كذلك علم الله عز و جل آدم الأسماء كلها.
و الحكمة في ذلك أيضا أنه لا وصول إلى الأسماء و وجوه الاستعبادات إلا من طريق السماع و العقل غير متوجه إلى ذلك لأنه لو أبصر عاقل شخصا من بعيد أو قريب لما توصل إلى استخراج اسمه و لا سبيل إليه إلا من طريق السماع فجعل الله عز و جل العمدة في باب الخليفة السماع و لما كان كذلك أبطل به باب الاختيار إذ الاختيار من طريق الآراء و قضية الخليفة موضوعة على الأسماء و الأسماء موضوعة على السماع فصح به و معه مذهبنا في الإمام أنه يصح بالنص و الإشارة فأما باب الإشارة فمضمر في قوله عز و جل‏ ثم عرضهم على الملائكة فباب العرض مبني على الشخص و الإشارة و باب الاسم مبني على السمع فصح معنى الإشارة و النص جميعا.
______________________________
(1). مريم: 41.
(2). مريم: 55- 58.
(3). مريم: 50- 52.



كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 16
و للعرض الذي قال الله عز و جل‏ ثم عرضهم على الملائكة معنيان أحدهما عرض أشخاصهم و هيئاتهم كما رويناه في باب أخبار أخذ الميثاق و الذر و الوجه الآخر أن يكون عز و جل عرضهم على الملائكة من طريق الصفة و النسبة كما يقوله قوم من مخالفينا فمن كلا المعنيين يحصل استعباد الله عز و جل الملائكة بالإيمان بالغيبة.
و في قوله عز و جل‏ أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين‏ حكم كثيرة أحدها أن الله عز و جل أهل آدم ع لتعليم الملائكة أسماء الأئمة عن الله تعالى ذكره و أهل الملائكة لتعلم أسمائهم عن آدم ع فالله عز و جل علم آدم و آدم علم الملائكة فكان آدم في حيز المعلم و كانوا في حيز المتعلمين هذا ما نص عليه القرآن و قول الملائكة سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم‏ فيه أصح دليل و أبين حجة لنا أنه لا يجوز لأحد أن يقول في أسماء الأئمة و أوصافهم ع إلا عن تعليم الله جل جلاله و لو جاز لأحد ذلك كان للملائكة أجوز و لما سبحوا الله دل تسبيحهم على أن الشرع فيه مما ينافي التوحيد و ذلك أن التسبيح تنزيه الله عز و جل و باب التنزيه لا يوجد في القرآن إلا عند قول جاحد أو ملحد أو متعرض لإبطال التوحيد و القدح فيه فلم يستنكفوا إذ لم يعلموا أن يقولوا لا علم لنا فمن تكلف علم ما لا يعلم احتج الله عليه بملائكته و كانوا شهداء الله عليه في الدنيا و الآخرة و إنما أهل الله الملائكة لإعلامهم على لسان آدم عند اعترافهم بالعجز و أنهم لا يعلمون فقال عز و جل‏ يا آدم أنبئهم بأسمائهم‏ و لقد كلمني رجل بمدينة السلام‏ «1» فقال لي إن الغيبة قد طالت و الحيرة قد اشتدت و قد رجع كثير عن القول بالإمامة لطول الأمد فكيف هذا فقلت له إن سنة الأولين في هذه الأمة جارية حذو النعل بالنعل كما روي عن رسول الله ص في غير خبر و إن موسى ع ذهب إلى ميقات ربه على أن يرجع إلى قومه بعد ثلاثين ليلة فأتمها الله عز و جل بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة و
______________________________
(1). يعني بغداد.



كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 17
لتأخره عنهم فضل عشرة أيام على ما واعدهم استطالوا المدة القصيرة و قست قلوبهم‏ و فسقوا عن أمر ربهم عز و جل و عن أمر موسى ع و عصوا خليفته هارون و استضعفوه و كادوا يقتلونه و عبدوا عجلا جسدا له خوار من دون الله عز و جل و قال السامري لهم‏ هذا إلهكم و إله موسى‏ و هارون يعظهم و ينهاهم عن عبادة العجل و يقول‏ يا قوم إنما فتنتم به و إن ربكم الرحمن فاتبعوني و أطيعوا أمري قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى‏ «1» و لما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال بئسما خلفتموني من بعدي أ عجلتم أمر ربكم و ألقى الألواح و أخذ برأس أخيه يجره إليه‏ «2» و القصة في ذلك مشهورة فليس بعجيب أن يستطيل الجهال من هذه الأمة مدة غيبة صاحب زماننا ع و يرجع كثير منهم عما كانوا دخلوا فيه بغير أصل و بصيرة ثم لا يعتبرون بقول الله تعالى ذكره حيث يقول‏ أ لم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله و ما نزل من الحق‏ و لا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم و كثير منهم فاسقون‏ «3» فقال‏ «4» و ما أنزل الله عز و جل في كتابه في هذا المعنى قلت قوله عز و جل‏ الم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب‏ يعني بالقائم ع و غيبته.
حدثنا محمد بن موسى بن المتوكل رحمه الله قال حدثنا محمد بن يحيى العطار قال حدثنا أحمد بن محمد بن عيسى عن عمر بن عبد العزيز عن غير واحد عن داود بن كثير الرقي عن أبي عبد الله ع‏ في قول الله عز و جل‏ هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب‏ قال من أقر بقيام القائم ع أنه حق.
حدثنا علي بن أحمد بن موسى رحمه الله قال حدثنا محمد بن أبي عبد الله الكوفي قال حدثنا موسى بن عمران النخعي عن عمه الحسين بن يزيد عن علي بن أبي حمزة
______________________________
(1). طه: 93 و 94.
(2). الأعراف: 149.
(3). الحديد: 15.
(4). يعني الرجل الذي كلمه بمدينة السلام.




كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 18
عن يحيى بن أبي القاسم قال: سألت الصادق جعفر بن محمد ع عن قول الله عز و جل‏ الم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب‏ فقال المتقون شيعة علي ع و الغيب فهو الحجة الغائب ..
و شاهد ذلك قول الله عز و جل‏ و يقولون لو لا أنزل عليه آية من ربه فقل إنما الغيب لله فانتظروا إني معكم من المنتظرين‏ «1» فأخبر عز و جل أن الآية هي الغيب و الغيب هو الحجة و تصديق ذلك قول الله عز و جل‏ و جعلنا ابن مريم و أمه آية «2» يعني حجة.
حدثنا أبي رحمه الله قال حدثنا سعد بن عبد الله قال حدثنا محمد بن الحسين بن أبي الخطاب عن الحسن بن محبوب عن علي بن رئاب عن أبي عبد الله ع أنه قال: في قول الله عز و جل‏ يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل‏ «3» فقال الآيات هم الأئمة و الآية المنتظرة هو القائم ع فيومئذ لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل قيامه بالسيف و إن آمنت بمن تقدمه من آبائه ع ..
و قد سمى الله عز و جل يوسف ع غيبا حين قص قصته على نبيه محمد ص فقال عز و جل‏ ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك‏ و ما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم و هم يمكرون‏ «4» فسمى يوسف ع غيبا لأن الأنباء التي قصها كانت أنباء يوسف فيما أخبر به من قصته و حاله و ما آلت إليه أموره.
و لقد كلمني بعض المخالفين في هذه الآية فقال معنى قوله عز و جل‏ الذين يؤمنون بالغيب‏ أي بالبعث و النشور و أحوال القيامة فقلت له لقد جهلت في تأويلك و ضللت في قولك فإن اليهود و النصارى و كثيرا من فرق المشركين و المخالفين لدين الإسلام يؤمنون بالبعث و النشور و الحساب و الثواب و العقاب فلم يكن الله تبارك و تعالى ليمدح المؤمنين بمدحة قد شركهم فيها فرق الكفر و الجحود بل وصفهم الله‏
______________________________
(1). يونس: 20.
(2). المؤمنون: 50.
(3). الأنعام: 53.
(4). يوسف: 103.



كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 19
عز و جل و مدحهم بما هو لهم خاصة لم يشركهم فيه أحد غيرهم‏ «1».
وجوب معرفة المهدي عجل الله تعالى فرجه-
و لا يكون الإيمان صحيحا من مؤمن إلا من بعد علمه بحال من يؤمن به كما قال الله تبارك و تعالى‏ إلا من شهد بالحق و هم يعلمون‏ «2» فلم يوجب لهم صحة ما يشهدون به إلا من بعد علمهم ثم كذلك لن ينفع إيمان من آمن بالمهدي القائم ع حتى يكون عارفا بشأنه في حال غيبته و ذلك أن الأئمة ع قد أخبروا بغيبته ع و وصفوا كونها لشيعتهم فيما نقل عنهم و استحفظ في الصحف و دون في الكتب المؤلفة من قبل أن تقع الغيبة بمائتي سنة أو أقل أو أكثر فليس أحد من أتباع الأئمة ع إلا و قد ذكر ذلك في كثير من كتبه و رواياته و دونه في مصنفاته و هي الكتب التي تعرف بالأصول مدونة مستحفظة عند شيعة آل محمد ع من قبل الغيبة بما ذكرنا من السنين و قد أخرجت ما حضرني من الأخبار المسندة في الغيبة في هذا الكتاب في مواضعها فلا يخلو حال هؤلاء الأتباع المؤلفين للكتب أن يكونوا علموا الغيب بما وقع الآن من الغيبة فألفوا ذلك في كتبهم و دونوه في مصنفاتهم من قبل كونها و هذا محال عند أهل اللب و التحصيل أو أن يكونوا قد أسسوا في كتبهم الكذب فاتفق الأمر لهم كما ذكروا و تحقق كما وضعوا من كذبهم على بعد ديارهم و اختلاف آرائهم و تباين أقطارهم و محالهم و هذا أيضا محال كسبيل الوجه الأول فلم يبق في ذلك إلا أنهم حفظوا عن أئمتهم المستحفظين للوصية ع عن رسول الله ص من ذكر الغيبة و صفة كونها في مقام بعد مقام إلى آخر المقامات ما دونوه في كتبهم و ألفوه في أصولهم و بذلك و شبهه فلج الحق‏ و زهق الباطل إن الباطل كان زهوقا
______________________________
(1). هذا النكير من المؤلف- رحمه الله- في غير مورده و مخالف لما روى من طريق جابر عن الباقر عليه السلام في معنى الغيب في الآية «أنه البعث و النشور و قيام القائم و الرجعة» و ما روى عن الصادق عليه السلام أن المراد بالغيب هنا ثلاثة أشياء «قيام القائم و الكرة و يوم القيامة».
(2). الزخرف: 86.



كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 20
و إن خصومنا و مخالفينا من أهل الأهواء المضلة قصدوا «1» لدفع الحق و عناده بما وقع من غيبة صاحب زماننا القائم ع و احتجابه عن أبصار المشاهدين ليلبسوا بذلك على من لم تكن معرفته متقنة «2» و لا بصيرته مستحكمة.
إثبات الغيبة و الحكمة فيها-
فأقول و بالله التوفيق إن الغيبة التي وقعت لصاحب زماننا ع قد لزمت حكمتها و بان حقها و فلجت حجتها للذي شاهدناه و عرفناه من آثار حكمة الله عز و جل و استقامة تدبيره في حججه المتقدمة في الأعصار السالفة مع أئمة الضلال و تظاهر الطواغيت و استعلاء الفراعنة في الحقب الخالية و ما نحن بسبيله في زماننا هذا من تظاهر أئمة الكفر بمعونة أهل الإفك و العدوان و البهتان.
و ذلك أن خصومنا طالبونا بوجود صاحب زماننا ع كوجود من تقدمه من الأئمة ع فقالوا إنه قد مضى على قولكم من عصر وفاة نبينا ع أحد عشر إماما كل منهم كان موجودا معروفا باسمه و شخصه بين الخاص و العام فإن لم يوجد كذلك فقد فسد عليكم أمر من تقدم من أئمتكم كفساد أمر صاحب زمانكم هذا في عدمه و تعذر وجوده.
فأقول و بالله التوفيق إن خصومنا قد جهلوا آثار حكمة الله تعالى و أغفلوا مواقع الحق و مناهج السبيل في مقامات حجج الله تعالى مع أئمة الضلال في دول الباطل في كل عصر و زمان إذ قد ثبت أن ظهور حجج الله تعالى في مقاماتهم في دول الباطل على سبيل الإمكان و التدبير لأهل الزمان فإن كانت الحال ممكنة في استقامة تدبير الأولياء لوجود الحجة بين الخاص و العام كان ظهور الحجة كذلك و إن كانت الحال غير ممكنة من استقامة تدبير الأولياء لوجود الحجة بين الخاص و العام و كان استتاره مما توجبه الحكمة و يقتضيه التدبير حجبه الله و ستره إلى وقت بلوغ الكتاب أجله-
______________________________
(1). في بعض النسخ «تصدوا».
(2). في بعض النسخ «مستقيمة».



كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 21
كما قد وجدنا من ذلك في حجج الله المتقدمة من عصر وفاة آدم ع إلى حين زماننا هذا منهم المستخفون و منهم المستعلنون بذلك جاءت الآثار و نطق الكتاب‏
فمن ذلك ما حدثنا به أبي رحمه الله قال حدثنا سعد بن عبد الله قال حدثنا أحمد بن محمد بن خالد البرقي عن أبيه عن محمد بن سنان عن إسحاق بن جرير عن عبد الحميد بن أبي الديلم قال قال الصادق جعفر بن محمد ع‏ يا عبد الحميد إن لله رسلا مستعلنين و رسلا مستخفين فإذا سألته بحق المستعلنين فسله بحق المستخفين ..
و تصديق ذلك من الكتاب قوله تعالى‏ و رسلا قد قصصناهم عليك من قبل و رسلا لم نقصصهم عليك و كلم الله موسى تكليما «1» فكانت حجج الله تعالى كذلك من وقت وفاة آدم ع إلى وقت ظهور إبراهيم ع أوصياء مستعلنين و مستخفين فلما كان وقت كون إبراهيم ع ستر الله شخصه و أخفى ولادته لأن الإمكان في ظهور الحجة كان متعذرا في زمانه و كان إبراهيم ع في سلطان نمرود مستترا لأمره و كان غير مظهر نفسه و نمرود يقتل أولاد رعيته و أهل مملكته في طلبه إلى أن دلهم إبراهيم ع على نفسه و أظهر لهم أمره بعد أن بلغت الغيبة أمدها و وجب إظهار ما أظهره للذي أراده الله في إثبات حجته و إكمال دينه فلما كان وقت وفاة إبراهيم ع كان له أوصياء حججا لله عز و جل في أرضه يتوارثون الوصية كذلك مستعلنين و مستخفين إلى وقت كون موسى ع فكان فرعون يقتل أولاد بني إسرائيل في طلب موسى ع الذي قد شاع من ذكره و خبر كونه فستر الله ولادته ثم قذفت به أمه في اليم كما أخبر الله عز و جل في كتابه‏ فالتقطه آل فرعون‏ «2» و كان موسى ع في حجر فرعون يربيه و هو لا يعرفه و فرعون يقتل أولاد بني إسرائيل في طلبه ثم كان من أمره بعد أن أظهر دعوته و دلهم على نفسه ما قد قصه الله عز و جل في كتابه فلما كان وقت‏
______________________________
(1). النساء: 164.
(2). القصص: 7.



كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 22
وفاة موسى ع كان له أوصياء حججا لله كذلك مستعلنين و مستخفين إلى وقت ظهور عيسى ع.
فظهر عيسى ع في ولادته معلنا لدلائله مظهرا لشخصه شاهرا لبراهينه غير مخف لنفسه لأن زمانه كان زمان إمكان ظهور الحجة كذلك.
ثم كان له من بعده أوصياء حججا لله عز و جل كذلك مستعلنين و مستخفين إلى وقت ظهور نبينا ص فقال الله عز و جل له في الكتاب‏ ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك‏ «1» ثم قال عز و جل‏ سنة من قد أرسلنا «2» قبلك من رسلنا فكان مما قيل له و لزم من سنته على إيجاب سنن من تقدمه من الرسل إقامة الأوصياء له كإقامة من تقدمه لأوصيائهم فأقام رسول الله ص أوصياء كذلك و أخبر بكون المهدي خاتم الأئمة ع و أنه يملأ الأرض قسطا و عدلا كما ملئت جورا و ظلما نقلت الأمة ذلك بأجمعها عنه و أن عيسى ع ينزل في وقت ظهوره فيصلي خلفه فحفظت ولادات الأوصياء و مقاماتهم في مقام بعد مقام إلى وقت ولادة صاحب زماننا ع المنتظر للقسط و العدل كما أوجبت الحكمة باستقامة التدبير غيبة من ذكرنا من الحجج المتقدمة بالوجود.
و ذلك أن المعروف المتسالم بين الخاص و العام من أهل هذه الملة أن الحسن بن علي والد صاحب زماننا ع قد كان وكل به طاغية زمانه إلى وقت وفاته فلما توفي ع وكل بحاشيته و أهله و حبست جواريه و طلب مولوده هذا أشد الطلب و كان أحد المتوليين عليه عمه جعفر أخو «3» الحسن بن علي بما ادعاه لنفسه من الإمامة و رجا أن يتم له ذلك بوجود ابن أخيه صاحب الزمان ع.
فجرت السنة في غيبته بما جرى من سنن غيبة من ذكرنا من الحجج المتقدمة و لزم من حكمة غيبته ع ما لزم من حكمة غيبتهم.
______________________________
(1). فصلت: 43.
(2). الإسراء: 77.
(3). كذا.



كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 23
رد إشكال و كان من معارضة خصومنا أن قالوا و لم أوجبتم في الأئمة ما كان واجبا في الأنبياء فما أنكرتم أن ذلك كان جائزا في الأنبياء و غير جائز في الأئمة فإن الأئمة ليسوا كالأنبياء فغير جائز أن يشبه حال الأئمة بحال الأنبياء فأوجدونا دليلا مقنعا على أنه جائز في الأئمة ما كان جائزا في الأنبياء و الرسل فيما شبهتم من حال الأئمة الذين ليسوا بأشباه الأنبياء و الرسل و إنما يقاس الشكل بالشكل و المثل بالمثل فلن تثبت دعواكم في ذلك و لن يستقيم لكم قياسكم في تشبيهكم حال الأئمة بحال الأنبياء ع إلا بدليل مقنع.
فأقول و بالله أهتدي إن خصومنا قد جهلوا فيما عارضونا به من ذلك و لو أنهم كانوا من أهل التمييز و النظر و التفكر و التدبر باطراح العناد و إزالة العصبية لرؤسائهم و من تقدم من أسلافهم لعلموا أن كل ما كان جائزا في الأنبياء فهو واجب لازم في الأئمة حذو النعل بالنعل و القذة بالقذة و ذلك أن الأنبياء هم أصول الأئمة و مغيضهم‏ «1» و الأئمة هم خلفاء الأنبياء و أوصياؤهم و القائمون بحجة الله تعالى على من يكون بعدهم كيلا تبطل حجج الله و حدوده و شرائعه ما دام التكليف على العباد قائما و الأمر لهم لازما و لو وجبت المعارضة لجاز لقائل أن يقول إن الأنبياء هم حجج الله فغير جائز أن يكون الأئمة حجج الله إذ ليسوا بالأنبياء و لا كالأنبياء و له أن يقول أيضا فغير جائز أن يسموا أئمة لأن الأنبياء كانوا أئمة و هؤلاء ليسوا بأنبياء فيكونوا أئمة كالأنبياء و غير جائز أيضا أن يقوموا بما كان يقوم به الرسول من الجهاد و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر إلى غير ذلك من أبواب الشريعة إذ ليسوا كالرسول و لا هم برسل ثم يأتي بمثل هذا من المحال مما يكثر تعداده و يطول الكتاب بذكره فلما فسد هذا كله كانت هذه المعارضة من خصومنا فاسدة كفساده.
______________________________
(1). المغيض: مجتمع الماء و مدخله في الأرض و المراد بالفارسية (انبياء نسخه أصل و سرچشمه امامانند). و في بعض النسخ «و مفيضهم» من الإفاضة.



كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 24
ثم نحن نبين الآن و نوضح بعد هذا كله أن التشاكل بين الأنبياء و الأئمة بين واضح فيلزمهم أنهم حجج الله على الخلق كما كانت الأنبياء حججه على العباد و فرض طاعتهم لازم كلزوم فرض طاعة الأنبياء و ذلك قول الله عز و جل‏ أطيعوا الله و أطيعوا الرسول و أولي الأمر منكم‏ «1» و قوله تعالى‏ و لو ردوه إلى الرسول و إلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم‏ «2» فولاة الأمر هم الأوصياء و الأئمة بعد الرسول ص و قد قرن الله طاعتهم بطاعة الرسول و أوجب على العباد من فرضهم ما أوجبه من فرض الرسول كما أوجب على العباد من طاعة الرسول ما أوجبه عليهم من طاعته عز و جل في قوله‏ أطيعوا الله و أطيعوا الرسول‏ ثم قال‏ من يطع الرسول فقد أطاع الله‏ «3» و إذا كانت الأئمة ع حجج الله على من لم يلحق بالرسول و لم يشاهده و على من خلفه من بعده كما كان الرسول حجة على من لم يشاهده في عصره لزم من طاعة الأئمة ما لزم من طاعة الرسول محمد ص فقد تشاكلوا و استقام القياس فيهم و إن كان الرسول أفضل من الأئمة فقد تشاكلوا في الحجة و الاسم و الفعل‏ «4» و الفرض إذ كان الله جل ثناؤه قد سمى الرسل أئمة بقوله لإبراهيم‏ إني جاعلك للناس إماما «5» و قد أخبرنا الله تبارك و تعالى أنه قد فضل الأنبياء و الرسل بعضهم على بعض فقال تبارك و تعالى‏ تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله‏ الآية «6» و قال‏ و لقد فضلنا بعض النبيين على بعض‏ الآية «7» فتشاكل الأنبياء في النبوة و إن كان بعضهم أفضل من بعض و كذلك تشاكل الأنبياء و الأوصياء فمن قاس حال الأئمة بحال الأنبياء و استشهد بفعل الأنبياء على فعل الأئمة فقد أصاب في قياسه و استقام له استشهاده بالذي وصفناه من تشاكل الأنبياء و الأوصياء ع.
______________________________
(1). النساء: 59.
(2). النساء: 83.
(3). النساء: 80.
(4). في بعض النسخ «و العقل».
(5). البقرة: 119.
(6). البقرة: 254.
(7). الإسراء: 56.



كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 25
وجه آخر لإثبات المشاكلة و وجه آخر من الدليل على حقيقة ما شرحنا من تشاكل الأئمة و الأنبياء ع أن الله تبارك و تعالى يقول في كتابه‏ لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة «1» و قال تعالى‏ ما آتاكم الرسول فخذوه و ما نهاكم عنه فانتهوا «2» «2» فأمرنا الله عز و جل أن نهتدي بهدى رسول الله ص و نجري الأمور الجارية على حد ما أجراها رسول الله ص من قول أو فعل فكان من قول رسول الله ص المحقق لما ذكرنا من تشاكل الأنبياء و الأئمة-
أن قال: منزلة علي ع مني كمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي ..
فأعلمنا رسول الله ص أن عليا ليس بنبي و قد شبهه بهارون و كان هارون نبيا و رسولا و كذلك شبهه بجماعة من الأنبياء ع‏
حدثنا محمد بن موسى بن المتوكل رحمه الله قال حدثنا علي بن الحسين السعدآبادي قال حدثنا أحمد بن أبي عبد الله البرقي عن أبيه محمد بن خالد قال حدثنا عبد الملك بن هارون بن عنترة الشيباني عن أبيه عن جده‏ «3» عن عبد الله بن عباس قال: كنا جلوسا عند رسول الله ص فقال من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه و إلى نوح في سلمه و إلى إبراهيم في حلمه و إلى موسى في فطانته و إلى داود في زهده فلينظر إلى هذا قال فنظرنا فإذا علي بن أبي طالب قد أقبل كأنما ينحدر
______________________________
(1). الأحزاب: 21.
(2). الحشر: 7.
(3). هارون بن عنترة بن عبد الرحمن الشيباني عامى ذكره ابن حبان في الثقات، و قال ابن سعد: ثقة، و قال أبو زرعة: لا بأس به، مستقيم الحديث. و ابنه عبد الملك عنونه النجاشي و قال: كوفي ثقة عين روى عن أصحابنا و رووا عنه، و لم يكن متحققا بأمرنا، له كتاب يرويه محمد بن خالد. و أما أبوه عنترة بن عبد الرحمن فعنونه العسقلانى في التقريب و التهذيب و قال: ذكره ابن حبان في الثقات و ذكر ابن أبي حاتم عن أبي زرعة: أنه كوفي ثقة.




كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 26
من صبب‏ «1» ..
فإذا استقام أن يشبه رسول الله ص أحدا من الأئمة ع بالأنبياء و الرسل استقام لنا أن نشبه جميع الأئمة بجميع الأنبياء و الرسل و هذا دليل مقنع و قد ثبت شكل صاحب زماننا ع في غيبته بغيبة موسى ع و غيره ممن وقعت بهم الغيبة و ذلك أن غيبة صاحب زماننا وقعت من جهة الطواغيت لعلة التدبير من الذي قدمنا ذكره في الفصل الأول.
و مما يفسد معارضة خصومنا في نفي تشاكل الأئمة و الأنبياء أن الرسل الذين تقدموا قبل عصر نبينا ص كان أوصياؤهم أنبياء فكل وصي قام بوصية حجة تقدمه من وقت وفاة آدم ع إلى عصر نبينا ص كان نبيا و ذلك مثل وصي آدم كان شيث ابنه و هو هبة الله في علم آل محمد ص و كان نبيا و مثل وصي نوح ع كان سام ابنه و كان نبيا و مثل إبراهيم ع كان وصيه إسماعيل‏ «2» ابنه و كان نبيا و مثل موسى ع كان وصيه يوشع بن نون و كان نبيا و مثل عيسى ع كان وصيه شمعون الصفا و كان نبيا و مثل داود ع كان وصيه سليمان ع ابنه و كان نبيا و أوصياء نبينا ع لم يكونوا أنبياء لأن الله عز و جل جعل محمدا خاتما لهذه الأمم‏ «3» كرامة له و تفضيلا فقد تشاكلت الأئمة و الأنبياء بالوصية كما تشاكلوا فيما قدمنا ذكره من تشاكلهم فالنبي وصي و الإمام وصي و الوصي إمام و النبي إمام و النبي حجة و الإمام حجة «4» فليس في الأشكال أشبه من تشاكل الأئمة و الأنبياء.
و كذلك أخبرنا رسول الله ص بتشاكل أفعال الأوصياء فيمن تقدم و تأخر من قصة يوشع بن نون وصي موسى ع مع صفراء بنت شعيب زوجة موسى و قصة
______________________________
(1). أي يرفع رجليه رفعا بينا بقوة دون احتشام و تبختر. و الصيب: ما انحدر من الأرض أو الطريق.
(2). في بعض النسخ «إسحاق».
(3). في بعض النسخ «لهذا الاسم» أي النبوة.
(4). في بعض النسخ «و الوصى حجة».



كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 27
أمير المؤمنين ع وصي رسول الله ص مع عائشة بنت أبي بكر و إيجاب غسل الأنبياء أوصياءهم بعد وفاتهم.
حدثنا علي بن أحمد الدقاق رحمه الله قال حدثنا حمزة بن القاسم قال حدثنا أبو الحسن علي بن الجنيد الرازي قال حدثنا أبو عوانة قال حدثنا الحسن بن علي‏ «1» عن عبد الرزاق عن أبيه عن مينا مولى عبد الرحمن بن عوف عن عبد الله بن مسعود قال: قلت للنبي ع يا رسول الله من يغسلك إذا مت قال يغسل كل نبي وصيه قلت فمن وصيك يا رسول الله قال علي بن أبي طالب قلت كم يعيش بعدك يا رسول الله قال ثلاثين سنة فإن يوشع بن نون وصي موسى عاش بعد موسى ثلاثين سنة و خرجت عليه صفراء بنت شعيب زوجة موسى ع فقالت أنا أحق منك بالأمر فقاتلها فقتل مقاتليها و أسرها فأحسن أسرها و إن ابنة أبي بكر ستخرج على علي في كذا و كذا ألفا من أمتي فتقاتله فيقتل مقاتليها و يأسرها فيحسن أسرها و فيها أنزل الله عز و جل‏ و قرن في بيوتكن و لا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى‏ «2» يعني صفراء بنت شعيب.
فهذا الشكل قد ثبت بين الأئمة و الأنبياء بالاسم و الصفة و النعت و الفعل و كل ما كان جائزا في الأنبياء فهو جائز يجري في الأئمة حذو النعل بالنعل و القذة بالقذة و لو جاز أن تجحد إمامة صاحب زماننا هذا لغيبته بعد وجود من تقدمه من الأئمة ع لوجب أن تدفع نبوة موسى بن عمران ع لغيبته إذ لم يكن كل الأنبياء كذلك فلما لم تسقط نبوة موسى لغيبته و صحت‏
______________________________
(1). هو الحسن بن علي الخلال أبو علي- و قيل أبو محمد- الحلوانى نزيل مكة ثقة ثبت يروى عن عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميري مولاهم أبى بكر الصنعانى. قال أحمد ابن صالح المصرى: قلت لأحمد بن حنبل: رأيت أحدا أحسن حديثا من عبد الرزاق؟ قال:
لا. و يرموه القوم بالتشيع. يروى عن أبيه همام و هو ثقة يروى عن مينا بن أبي مينا الزهرى الخزاز مولى عبد الرحمن بن عوف و هو شيعى جرحه العامة لتشيعه. و ما في النسخ من «الحسين بن علي بن عبد الرزاق» فهو تصحيف.
(2). الأحزاب: 32.



كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 28
نبوته مع الغيبة كما صحت نبوة الأنبياء الذين لم تقع بهم الغيبة فكذلك صحت إمامة صاحب زماننا هذا مع غيبته كما صحت إمامة من تقدمه من الأئمة الذين لم تقع بهم الغيبة.
و كما جاز أن يكون موسى ع في حجر فرعون يربيه و هو لا يعرفه و يقتل أولاد بني إسرائيل في طلبه فكذلك جائز أن يكون صاحب زماننا موجودا بشخصه بين الناس يدخل مجالسهم و يطأ بسطهم و يمشي في أسواقهم و هم لا يعرفونه إلى أن‏ يبلغ الكتاب أجله‏
فقد روي عن الصادق جعفر بن محمد ع أنه قال: في القائم سنة من موسى و سنة من يوسف و سنة من عيسى و سنة من محمد ص فأما سنة موسى فخائف يترقب و أما سنة يوسف فإن إخوته كانوا يبايعونه و يخاطبونه و لا يعرفونه و أما سنة عيسى فالسياحة و أما سنة محمد ص فالسيف ..
رد إشكال فكان من الزيادة لخصومنا أن قالوا ما أنكرتم إذ قد ثبت لكم ما ادعيتم من الغيبة كغيبة موسى ع و من حل محله من الأئمة «1» الذين وقعت بهم الغيبة أن تكون حجة موسى لم تلزم أحدا إلا من بعد أن أظهر دعوته و دل على نفسه و كذلك لا تلزم حجة إمامكم هذا لخفاء مكانه و شخصه حتى يظهر دعوته و يدل على نفسه كذلك فحينئذ تلزم حجته و تجب طاعته و ما بقي في الغيبة فلا تلزم حجته و لا تجب طاعته.
فأقول و بالله أستعين إن خصومنا غفلوا عما يلزم من حجة حجج الله في ظهورهم و استتارهم و قد ألزمهم الله تعالى الحجة البالغة في كتابه و لم يتركهم سدى في جهلهم و تخبطهم و لكنهم كما قال الله عز و جل‏ أ فلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها «2» إن الله عز و جل قد أخبرنا في قصة موسى ع أنه كان له شيعة-
______________________________
(1). في بعض النسخ «من الأنبياء».
(2). سورة محمد (ص): 24.



كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 29
و هم بأمره عارفون و بولايته متمسكون و لدعوته منتظرون قبل إظهار دعوته و من قبل دلالته على نفسه حيث يقول‏ و دخل المدينة على حين غفلة من أهلها فوجد فيها رجلين يقتتلان‏ هذا من شيعته و هذا من عدوه فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه‏ «1» و قال عز و جل حكاية عن شيعته‏ قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا و من بعد ما جئتنا الآية «2» فأعلمنا الله عز و جل في كتابه أنه قد كان لموسى ع شيعة من قبل أن يظهر من نفسه نبوة و قبل أن يظهر له دعوة يعرفونه و يعرفهم بموالاة موسى صاحب الدعوة و لم يكونوا يعرفون أن ذلك الشخص هو موسى بعينه و ذلك أن نبوة موسى إنما ظهرت من بعد رجوعه من عند شعيب حين سار بأهله من بعد السنين التي رعى فيها لشعيب حتى استوجب بها أهله فكان دخوله المدينة حين وجد فيها الرجلين قبل مسيره إلى شعيب و كذلك وجدنا مثل نبينا محمد ص قد عرف أقوام أمره قبل ولادته و بعد ولادته و عرفوا مكان خروجه و دار هجرته من قبل أن يظهر من نفسه نبوة و من قبل ظهور دعوته و ذلك مثل سلمان الفارسي رحمه الله و مثل قس بن ساعدة الإيادي و مثل تبع الملك و مثل عبد المطلب و أبي طالب و مثل سيف بن ذي يزن و مثل بحيرى الراهب و مثل كبير الرهبان في طريق الشام و مثل أبي مويهب الراهب و مثل سطيح الكاهن و مثل يوسف اليهودي و مثل ابن حواش الحبر المقبل من الشام و مثل زيد بن عمرو بن نفيل و مثل هؤلاء كثير ممن قد عرف النبي ص بصفته و نعته و اسمه و نسبه قبل مولده و بعد مولده و الأخبار في ذلك موجودة عند الخاص و العام و قد أخرجتها مسندة في هذا الكتاب في مواضعها فليس من حجة الله عز و جل نبي و لا وصي إلا و قد حفظ المؤمنون وقت كونه و ولادته و عرفوا أبويه و نسبه في كل عصر و زمان حتى لم يشتبه عليهم شي‏ء من أمر حجج الله عز و جل في ظهورهم و حين استتارهم و أغفل ذلك أهل الجحود و الضلال و الكنود فلم يكن عندهم علم شي‏ء من أمرهم و كذلك سبيل صاحب زماننا ع حفظ أولياؤه المؤمنون من أهل‏
______________________________
(1). القصص: 15.
(2). الأعراف: 129.



كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 30
المعرفة و العلم وقته و زمانه و عرفوا علاماته و شواهد أيامه‏ «1» و كونه و وقت ولادته و نسبه فهم على يقين من أمره في حين غيبته و مشهده و أغفل ذلك أهل الجحود و الإنكار و العنود و في صاحب زماننا ع قال الله عز و جل‏ يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل‏ «2»
و سئل الصادق ع عن هذه الآية فقال الآيات هم الأئمة و الآية المنتظرة هو القائم المهدي ع فإذا قام‏ لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل قيامه بالسيف و إن آمنت بمن تقدم من آبائه ع.
- حدثنا بذلك أحمد بن زياد بن جعفر الهمداني رضى الله عنه قال حدثنا علي بن إبراهيم عن أبيه عن محمد بن أبي عمير و الحسن بن محبوب عن علي بن رئاب و غيره عن الصادق جعفر بن محمد ع‏. و تصديق ذلك أن الآيات هم الحجج من كتاب الله عز و جل قول الله تعالى‏ و جعلنا ابن مريم و أمه آية «3» يعنى حجة- و قوله عز و جل لعزير «4» حين أحياه الله من بعد أن أماته مائة سنة و انظر إلى حمارك و لنجعلك آية للناس‏ «5» يعني حجة فجعله عز و جل حجة على الخلق و سماه آية و إن الناس لما صح لهم عن رسول الله ص أمر الغيبة الواقعة بحجة الله تعالى ذكره على خلقه وضع كثير منهم الغيبة غير موضعها-
- أولهم عمر بن الخطاب فإنه قال لما قبض النبي ص‏ و الله ما مات محمد و إنما غاب كغيبة موسى ع عن قومه و إنه سيظهر لكم بعد غيبته ..
حدثنا أحمد بن محمد بن الصقر الصائغ العدل قال حدثنا أبو جعفر محمد بن العباس بن بسام قال حدثنا أبو جعفر محمد بن يزداد قال حدثنا نصر بن سيار بن داود
______________________________
(1). في بعض النسخ «و شواهد آياته».
(2). الأنعام: 158.
(3). المؤمنون: 50.
(4). في بعض النسخ «لارميا».
(5). البقرة: 259.




كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 31
الأشعري قال حدثنا محمد بن عبد ربه‏ «1» و عبد الله بن خالد السلولي أنهما قالا حدثنا أبو معشر نجيح المدني قال حدثنا محمد بن قيس و محمد بن كعب القرظي و عمارة بن غزية و سعيد بن أبي سعيد المقبري‏ «2» و عبد الله بن أبي مليكة و غيرهم من مشيخة أهل المدينة قالوا لما قبض رسول الله ص أقبل عمر بن الخطاب يقول و الله ما مات محمد و إنما غاب كغيبة موسى عن قومه و أنه سيظهر بعد غيبته فما زال يردد هذا القول و يكرره حتى ظن الناس أن عقله قد ذهب فأتاه أبو بكر و قد اجتمع الناس عليه يتعجبون من قوله فقال اربع على نفسك يا عمر «3» من يمينك التي تحلف بها فقد أخبرنا الله عز و جل في كتابه فقال يا محمد إنك ميت و إنهم ميتون‏ «4» فقال عمر و إن هذه الآية لفي كتاب الله يا أبا بكر فقال نعم أشهد بالله لقد ذاق محمد
______________________________
(1). محمد بن يزداد الرازي قال أبو النضر العياشي: لا بأس به. و نصر بن سيار لم أجد من ذكره و ليس هو بنصر بن سيار و الى خراسان من قبل هشام بن عبد الملك، و محمد بن عبد ربه الأنصاري اجاز التلعكبرى جميع حديثه و كان يروى عن سعد بن عبد الله و عبد الله بن جعفر الحميري و نظرائهما كما في منهج المقال. و أما عبد الله بن خالد فلم أعرفه.
(2). أبو معشر نجيح بن عبد الرحمن السندى- بكسر المهملة و سكون النون- المدني مولى بنى هاشم مشهور بكنيته و ليس بقوى في الحديث، و محمد بن قيس شيخه ضعيف كما في التقريب. و أما محمد بن كعب القرظى فثقة عالم ولد سنة أربعين على الصحيح و مات سنة 120 و قيل قبل ذلك. و أما عمارة بن غزية المدني فوثقه أحمد و أبو زرعة و قال يحيى بن معين: صالح و قال أبو حاتم: ما بحديثه بأس، و كان صدوقا. و أما سعيد بن أبى سعيد فاسمه كيسان المقبري أبو سعد المدني، و المقبري نسبة الى مقبرة بالمدينة كان مجاورا لها فهو ثقة صدوق كما في التهذيب. و اما عبد الله بن أبي مليكة فهو عبد الله بن عبيد الله و أبو مليكة بالتصغير ثقة فقيه.
(3). أي ارفق بنفسك و كف عن هذا القول و اليمين.
(4). الزمر: 30.




كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 32
الموت ..
و لم يكن عمر جمع القرآن‏ «1».
[ادعاءات بعض الفرق من الشيعة و الرد عليها]
الكيسانية
ثم غلطت الكيسانية بعد ذلك حتى ادعت هذه الغيبة لمحمد بن الحنفية قدس الله روحه حتى أن السيد بن محمد الحميري رضي الله‏ «2» عنه اعتقد ذلك و قال فيه-
ألا إن الأئمة من قريش‏ ولاة الأمر أربعة سواء
علي و الثلاثة من بنيه‏ هم أسباطنا و الأوصياء «3»
فسبط سبط إيمان و بر و سبط قد حوته كربلاء «4»
و سبط لا يذوق الموت حتى‏ يقود الجيش يقدمه اللواء «5»
يغيب فلا يرى عنا زمانا «6» برضوى عنده عسل و ماء

.
و قال فيه السيد رحمة الله عليه أيضا-
أيا شعب رضوى ما لمن بك لا يرى‏ فحتى متى يخفى و أنت قريب‏
فلو غاب عنا عمر نوح لأيقنت‏ منا النفوس بأنه سيئوب‏ «7»


______________________________
(1). أي لم يقرأ أو يحفظ جميع القرآن.
(2). هو إسماعيل بن محمد الحميري، سيد الشعراء. كان يقول أولا بامامة محمد بن الحنفية ثم رجع الى الحق، و أمره في الجلالة و المجد ظاهر لمن تتبع كتب التراجم.
قيل: توفى ببغداد سنة 179 فبعثت الأكابر و الشرفاء من الشيعة سبعين كفنا له، فكفنه الرشيد من ماله و رد الاكفان الى أهلها.
(3). في «الفرق بين الفرق» لعبد القاهر بن طاهر البغدادي الاسفرايينى «هم الاسباط ليس بهم خفاء» و كذا في الملل و النحل للشهرستانى.
(4). في الفرق «و سبط غيبته كربلاء». و كذا في إعلام الورى المنقول من


كمال الدين.
(5). في الفرق و الملل «يقود الخيل يقدمها اللواء».
(6). في الفرق «تغيب لا يرى فيهم زمانا».
(7). هذا المصراع في بعض النسخ هكذا «نفوس البرايا أنه سيئوب».



كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 33
و قال فيه السيد أيضا
ألا حي المقيم بشعب رضوى‏ و أهد له بمنزله السلاما
و قل يا ابن الوصي فدتك نفسي‏ أطلت بذلك الجبل المقاما
فمر بمعشر والوك منا و سموك الخليفة و الإماما
فما ذاق ابن خولة طعم موت‏ و لا وارت له أرض عظاما

فلم يزل السيد ضالا في أمر الغيبة يعتقدها في محمد ابن الحنفية حتى لقي الصادق جعفر بن محمد ع و رأى منه علامات الإمامة و شاهد فيه دلالات الوصية فسأله عن الغيبة فذكر له أنها حق و لكنها تقع في الثاني عشر من الأئمة ع و أخبره بموت محمد ابن الحنفية و أن أباه شاهد دفنه فرجع السيد عن مقالته و استغفر من اعتقاده و رجع إلى الحق عند اتضاحه له و دان بالإمامة.
حدثنا عبد الواحد بن محمد العطار النيسابوري رضي الله عنه قال حدثنا علي بن محمد [بن‏] قتيبة النيسابوري عن حمدان بن سليمان عن محمد بن إسماعيل بن بزيع عن حيان السراج قال سمعت السيد بن محمد الحميري يقول‏ كنت أقول بالغلو و أعتقد غيبة محمد بن علي ابن الحنفية قد ضللت في ذلك زمانا فمن الله علي بالصادق جعفر بن محمد ع و أنقذني به من النار و هداني‏ إلى سواء الصراط فسألته بعد ما صح عندي بالدلائل التي شاهدتها منه أنه حجة الله علي و على جميع أهل زمانه و أنه الإمام الذي فرض الله طاعته و أوجب الاقتداء به فقلت له يا ابن رسول الله قد روي لنا أخبار عن آبائك ع في الغيبة و صحة كونها فأخبرني بمن تقع فقال ع إن الغيبة ستقع بالسادس من ولدي و هو الثاني عشر من الأئمة الهداة بعد رسول الله ص أولهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب و آخرهم القائم بالحق بقية الله في الأرض و صاحب الزمان و الله لو بقي في غيبته ما بقي نوح في قومه لم يخرج من الدنيا «1» حتى يظهر فيملأ الأرض قسطا و عدلا كما ملئت جورا و ظلما- قال السيد فلما
______________________________
(1). في بعض النسخ «فى الأرض».




كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 34
سمعت ذلك من مولاي الصادق جعفر بن محمد ع تبت إلى الله تعالى ذكره على يديه و قلت قصيدتي التي أولها-
فلما رأيت الناس في الدين قد غووا تجعفرت باسم الله فيمن تجعفروا «1»
و ناديت باسم الله و الله أكبر و أيقنت أن الله يعفو و يغفر
و دنت بدين الله ما كنت دينا «2» به و نهاني سيد الناس جعفر
فقلت فهبني قد تهودت برهة و إلا فديني دين من يتنصر
و إني إلى الرحمن من ذاك تائب‏ و إني قد أسلمت و الله أكبر
فلست بغال ما حييت و راجع‏ إلى ما عليه كنت أخفي و أظهر
و لا قائل حي برضوى محمد و إن عاب جهال مقالي و أكثروا
و لكنه ممن مضى لسبيله‏ على أفضل الحالات يقفى و يخبر
مع الطيبين الطاهرين الأولى لهم‏ من المصطفى فرع زكي و عنصر

إلى آخر القصيدة و هي طويلة و قلت بعد ذلك قصيدة أخرى-
أيا راكبا نحو المدينة جسرة عذافرة يطوي بها كل سبسب‏ «3»
إذا ما هداك الله عاينت جعفرا فقل لولي الله و ابن المهذب‏
ألا يا أمين الله و ابن أمينه‏ أتوب إلى الرحمن ثم تأوبي‏
إليك من الأمر الذي كنت مطنبا «4» أحارب فيه جاهدا كل معرب‏
و ما كان قولي في ابن خولة مطنبا معاندة مني لنسل المطيب‏
و لكن روينا عن وصي محمد و ما كان فيما قال بالمتكذب‏
بأن ولي الأمر يفقد لا يرى‏ ستيرا «5» كفعل الخائف المترقب‏


______________________________
(1). في بعض النسخ «باسم الله و الله أكبر».
(2). في بعض النسخ «و دنت بدين غير ما كنت دينا».
(3). الجسرة: البعير الذي أعيا و غلظ من السير. و العذافرة: العظمة الشديدة من الإبل، و الناقة الصلبة القوية. و السبب: المغازة، أو الأرض المستوية البعيدة.
(4). في بعض النسخ «كنت مبطنا».
(5). في بعض النسخ «سنين». و في بعضها «كمثل الخائف».




كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 35

فتقسم أموال الفقيد كأنما تغيبه بين الصفيح المنصب‏ «1»
فيمكث حينا ثم ينبع نبعة كنبعة جدي من الأفق كوكب‏ «2»
يسير بنصر الله من بيت ربه‏ على سؤدد منه و أمر مسبب‏ «3»
يسير إلى أعدائه بلوائه‏ فيقتلهم قتلا كحران مغضب‏ «4»
فلما روى أن ابن خولة غائب‏ صرفنا إليه قولنا لم نكذب‏
و قلنا هو المهدي و القائم الذي‏ يعيش به من عدله كل مجدب‏
فإن قلت لا فالحق قولك و الذي‏ أمرت‏ «5» فحتم غير ما متعصب‏
و أشهد ربي أن قولك حجة على الناس طرا من مطيع و مذنب‏
بأن ولي الأمر و القائم الذي‏ تطلع نفسي نحوه بتطرب‏
له غيبة لا بد من أن يغيبها فصلى عليه الله من متغيب‏
فيمكث حينا ثم يظهر حينه‏ «6» فيملك من في شرقها و المغرب‏ «7»
بذاك أدين الله سرا و جهرة و لست و إن عوتبت فيه بمعتب‏ «8»

..
و كان حيان السراج الراوي لهذا الحديث من الكيسانية و متى صح موت‏
______________________________
(1). الصفيح: من أسماء السماء، و وجه كل شي‏ء عريض. و المنصب المرتفع. و لعل المراد بالصفيح هنا موضع بين حنين و أنصاب الحرم. كما يظهر من بعض اللغات.
(2). كذا و في بعض نسخ الحديث:
«فيمكث حينا ثم يشرق شخصه‏ مضيئا بنور العدل اشراق كوكب»

و هكذا في إعلام الورى المنقول من


كمال الدين. و ليس هذا البيت في إرشاد المفيد و لا كشف الغمة للإربلى.
(3). في بعض النسخ «و أمر مسيب».
(4). فرس حرون: الذي لا ينقاد و الاسم الحران.
(5). في الإرشاد و كشف الغمة «تقول فحتم».
(6). في الإرشاد «يظهر أمره» و لعله هو الصواب.
(7). في إعلام الورى «فيملأ عدلا كل شرق و مغرب».
(8). «بمعتب» خبر ليست. يعنى عتابهم اياى ليس بموقع.



كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 36
محمد بن علي ابن الحنفية بطل أن تكون الغيبة التي رويت في الأخبار واقعة به.
(فمما روي في وفاة محمد بن الحنفية رضي الله عنه) «1»
ما حدثنا به محمد بن عصام رضي الله عنه قال حدثنا محمد بن يعقوب الكليني قال حدثنا القاسم بن العلاء قال حدثني إسماعيل بن علي القزويني‏ «2» قال حدثني علي بن إسماعيل عن حماد بن عيسى عن الحسين بن المختار قال: دخل حيان السراج على الصادق جعفر بن محمد ع فقال له يا حيان ما يقول أصحابك في محمد بن الحنفية قال يقولون إنه حي يرزق فقال الصادق ع حدثني أبي ع أنه كان فيمن عاده في مرضه و فيمن غمضه و أدخله حفرته و زوج نساءه و قسم ميراثه فقال يا أبا عبد الله إنما مثل محمد بن الحنفية في هذه الأمة كمثل عيسى ابن مريم شبه أمره للناس فقال الصادق ع شبه أمره على أوليائه أو على أعدائه قال بل على أعدائه فقال أ تزعم أن أبا جعفر محمد بن علي الباقر ع عدو عمه محمد بن الحنفية فقال لا فقال الصادق ع يا حيان إنكم صدفتم عن آيات الله و قد قال الله تبارك و تعالى‏ سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذاب بما كانوا يصدفون‏ «3» ..
و قال الصادق ع‏ ما مات محمد بن الحنفية حتى أقر لعلي بن الحسين ع ..
و كانت وفاة محمد بن الحنفية سنة أربع و ثمانين من الهجرة.
حدثنا أبي رضي الله عنه قال حدثنا أحمد بن إدريس عن محمد بن أحمد بن يحيى عن إبراهيم بن هاشم عن عبد الصمد بن محمد عن حنان بن سدير عن أبي جعفر ع قال: دخلت على محمد بن الحنفية و قد اعتقل لسانه فأمرته بالوصية فلم‏
______________________________
(1). هذا العنوان للمؤلف و موجود في جميع النسخ.
(2). هو الحسين بن المختار القلانسى الكوفي ثقة واقفى من أصحاب الكاظم عليه السلام.
و ما في بعض النسخ من «جعفر بن مختار» فهو تصحيف، و علي بن إسماعيل الظاهر هو على بن السندى الثقة. و أما حيان السراج فهو كيسانى متعصب.
(3). الأنعام: 157. و الصدف الرجوع عن الشي‏ء.




كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 37
يجب قال فأمرت بطست فجعل فيه الرمل فوضع فقلت له خط بيدك قال فخط وصيته بيده في الرمل و نسخت أنا في صحيفة ..
[الناووسية و الواقفة]
(إبطال قول الناووسية و الواقفة في الغيبة) ثم غلطت الناووسية بعد ذلك في أمر الغيبة بعد ما صح وقوعها عندهم بحجة الله على عباده فاعتقدوها جهلا منهم بموضعها في الصادق جعفر بن محمد ع حتى أبطل الله قولهم بوفاته ع و بقيام كاظم الغيظ الأواه الحليم الإمام أبي إبراهيم موسى بن جعفر ع بالأمر مقام الصادق ع.
و كذلك ادعت الواقفية ذلك في موسى بن جعفر ع فأبطل الله قولهم بإظهار موته و موضع قبره ثم بقيام الرضا علي بن موسى ع بالأمر بعده و ظهور علامات الإمامة فيه مع ورود النصوص عليه من آبائه ع (فمما روى في وفاة موسى بن جعفر ع‏ «1»)
ما حدثني به محمد بن إبراهيم بن إسحاق رضي الله عنه قال حدثنا أحمد بن محمد بن عمار قال حدثني الحسن بن محمد القطعي عن الحسن بن علي النخاس العدل عن الحسن بن عبد الواحد الخزاز عن علي بن جعفر عن عمر بن واقد قال: أرسل إلي السندي بن شاهك في بعض الليل و أنا ببغداد فاستحضرني فخشيت أن يكون ذلك لسوء يريده بي فأوصيت عيالي بما احتجت إليه و قلت‏ إنا لله و إنا إليه راجعون‏ ثم ركبت إليه فلما رآني مقبلا قال يا أبا حفص لعلنا أرعبناك و أفزعناك قلت نعم قال فليس هاهنا إلا خير قلت فرسول تبعثه إلى منزلي يخبرهم خبري فقال نعم ثم قال يا أبا حفص أ تدري لم أرسلت إليك فقلت لا فقال أ تعرف موسى بن جعفر فقلت إي و الله إني لأعرفه و بيني و بينه صداقة منذ دهر فقال من هاهنا ببغداد يعرفه ممن يقبل قوله فسميت له أقواما و وقع في نفسي أنه ع قد مات قال فبعث إليهم و جاء بهم كما جاء بي فقال هل تعرفون قوما يعرفون موسى بن‏
______________________________
(1). العنوان من المؤلف.




كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 38
جعفر فسموا له قوما فجاء بهم فأصبحنا و نحن في الدار نيف و خمسون رجلا ممن يعرف موسى و قد صحبه قال ثم قام و دخل و صلينا فخرج كاتبه و معه طومار فكتب أسماءنا و منازلنا و أعمالنا و خلانا ثم دخل إلى السندي قال فخرج السندي فضرب يده إلي فقال قم يا أبا حفص فنهضت و نهض أصحابنا و دخلنا و قال لي يا أبا حفص اكشف الثوب عن وجه موسى بن جعفر فكشفته فرأيته ميتا فبكيت و استرجعت ثم قال للقوم انظروا إليه فدنا واحد بعد واحد فنظروا إليه ثم قال تشهدون كلكم أن هذا موسى بن جعفر بن محمد قالوا نعم نشهد أنه موسى بن جعفر بن محمد ثم قال يا غلام اطرح على عورته منديلا و اكشفه قال ففعل فقال أ ترون به أثرا تنكرونه فقلنا لا ما نرى به شيئا و لا نراه إلا ميتا قال لا تبرحوا حتى تغسلوه و أكفنه و أدفنه قال فلم نبرح حتى غسل و كفن و حمل فصلى عليه السندي بن شاهك و دفناه و رجعنا فكان عمر بن واقد يقول ما أحد هو أعلم بموسى بن جعفر ع مني كيف تقولون إنه حي و أنا دفنته.
حدثنا عبد الواحد بن محمد العطار رحمه الله قال حدثنا علي بن محمد بن قتيبة عن حمدان بن سليمان النيسابوري عن الحسن بن عبد الله الصيرفي عن أبيه قال: توفي موسى بن جعفر ع في يد السندي بن شاهك فحمل على نعش و نودي عليه هذا إمام الرافضة فاعرفوه فلما أتي به مجلس الشرطة أقام أربعة نفر فنادوا ألا من أراد أن ينظر إلى الخبيث بن الخبيث موسى بن جعفر فليخرج فخرج سليمان بن أبي جعفر «1» من قصره إلى الشط فسمع الصياح و الضوضاء «2» فقال لولده و غلمانه ما هذا قالوا السندي بن شاهك ينادي على موسى بن جعفر على نعش فقال لولده و غلمانه يوشك أن يفعل به هذا في الجانب الغربي فإذا عبر به فانزلوا مع غلمانكم‏
______________________________
(1). هو عم الرشيد أحد أركان الدولة العباسية.
(2). الضوضاء: الغوغاء- وزنا و معنى- و أصوات الناس في الحرب.




كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 39
فخذوه من أيديهم فإن مانعوكم فاضربوهم و اخرقوا ما عليهم من السواد قال فلما عبروا به نزلوا إليهم فأخذوه من أيديهم و ضربوهم و خرقوا عليهم سوادهم و وضعوه في مفرق أربع طرق‏ «1» و أقام المنادين ينادون ألا من أراد أن ينظر إلى الطيب بن الطيب موسى بن جعفر فليخرج و حضر الخلق و غسله و حنطه بحنوط و كفنه بكفن فيه حبرة استعملت له بألفي و خمسمائة دينار مكتوبا عليها القرآن كله و احتفى‏ «2» و مشى في جنازته متسلبا مشقوق الجيب إلى مقابر قريش فدفنه ع هناك و كتب بخبره إلى الرشيد فكتب إلى سليمان بن أبي جعفر وصلت رحمك يا عم و أحسن الله جزاك و الله ما فعل السندي بن شاهك لعنه الله ما فعله عن أمرنا ..
حدثنا أحمد بن زياد الهمداني رضي الله عنه قال حدثنا علي بن إبراهيم عن أبيه إبراهيم بن هاشم عن محمد بن صدقة العنبري قال: لما توفي أبو إبراهيم موسى بن جعفر ع جمع هارون الرشيد شيوخ الطالبية و بني العباس و سائر أهل المملكة و الحكام و أحضر أبا إبراهيم موسى بن جعفر ع فقال هذا موسى بن جعفر قد مات حتف أنفه‏ «3» و ما كان بيني و بينه ما أستغفر الله منه في أمره يعني في قتله فانظروا إليه فدخل عليه سبعون رجلا من شيعته فنظروا إلى موسى بن جعفر ع و ليس به أثر جراحة و لا سم و لا خنق و كان في رجله أثر الحناء فأخذه سليمان بن أبي جعفر و تولى غسله و تكفينه و احتفى و تحسر في جنازته‏ «4».
حدثنا جعفر بن محمد بن مسرور رحمه الله قال حدثنا الحسين بن محمد بن عامر عن المعلى بن محمد البصري قال حدثني علي بن رباط قال: قلت لعلي بن موسى الرضا ع إن عندنا رجلا يذكر أن أباك ع حي و أنك تعلم من ذلك ما تعلم فقال ع سبحان الله مات رسول الله ص و لم يمت موسى بن جعفر بلى و الله‏
______________________________
(1). يعني الموضع الذي يتشعب منه الطرق و يقال له بالفارسية (چهارراه).
(2). أي مشى حافيا بلا نعل. و قوله: «متسلبا» أي بلا رداء و لا زينة.
(3). أي مات من غير قتل و لا ضرب، بل مات بأجله.
(4). تحسر أي تلهف أو مشى بلا رداء و عمامة.




كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 40
لقد مات و قسمت أمواله و نكحت جواريه.
(ادعاء الواقفة الغيبة على العسكري ع) ثم ادعت الواقفة على الحسن بن علي بن محمد ع أن الغيبة وقعت به لصحة أمر الغيبة عندهم و جهلهم بموضعها و أنه القائم المهدي فلما صحت وفاته ع بطل قولهم فيه و ثبت بالأخبار الصحيحة التي قد ذكرناها في هذا الكتاب أن الغيبة واقعة بابنه ع دونه (فمما روي في صحة وفاة الحسن بن علي بن محمد العسكري ع‏ «1»)
ما حدثنا به أبي و محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد رضي الله عنهما قالا حدثنا سعد بن عبد الله قال: حدثنا من حضر موت الحسن بن علي بن محمد العسكري ع و دفنه ممن لا يوقف على إحصاء عددهم و لا يجوز على مثلهم التواطؤ بالكذب و بعد فقد حضرنا في شعبان سنة ثمان و سبعين و مائتين و ذلك بعد مضي أبي محمد الحسن بن علي العسكري ع بثمان عشرة سنة أو أكثر مجلس أحمد بن عبيد الله بن يحيى بن خاقان‏ «2» و هو عامل السلطان يومئذ على الخراج و الضياع بكورة قم و كان من أنصب خلق الله و أشدهم عداوة لهم فجرى ذكر المقيمين من آل أبي طالب بسر من رأى و مذاهبهم و صلاحهم و أقدارهم عند السلطان فقال أحمد بن عبيد الله ما رأيت و لا عرفت بسر من رأى رجلا من العلوية مثل الحسن بن علي بن محمد بن علي الرضا ع و لا سمعت به في هديه و سكونه و عفافه و نبله و كرمه عند أهل بيته و السلطان و جميع بني هاشم و تقديمهم إياه على ذوي السن منهم و الخطر و كذلك القواد و الوزراء و الكتاب و عوام الناس فإني كنت قائما ذات يوم على رأس أبي و هو يوم مجلسه للناس إذ دخل عليه حجابه فقالوا له إن ابن الرضا على الباب فقال بصوت عال ائذنوا له‏ «3» فدخل رجل أسمر أعين حسن القامة جميل الوجه جيد البدن‏
______________________________
(1). العنوان من المؤلف.
(2). في أعلام الورى «أحمد بن عبد الله بن يحيى بن خاقان».
(3). زاد في الكافي ج 1 ص 503 «فتعجبت مما سمعت منهم أنهم جسروا يكنون رجلا على أبى بحضرته و لم يكن عنده الا خليفة أو ولى عهد أو من أمر السلطان أن يكنى».




كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 41
حدث السن له جلالة و هيبة فلما نظر إليه أبي قام فمشى إليه خطى و لا أعلمه فعل هذا بأحد من بني هاشم و لا بالقواد و لا بأولياء العهد فلما دنا منه عانقه و قبل وجهه و منكبيه و أخذ بيده فأجلسه على مصلاه الذي كان عليه و جلس إلى جنبه مقبلا عليه بوجهه و جعل يكلمه و يكنيه و يفديه بنفسه و بأبويه و أنا متعجب مما أرى منه إذ دخل عليه الحجاب فقالوا الموفق قد جاء «1» و كان الموفق إذا جاء و دخل على أبي تقدم حجابه و خاصة قواده فقاموا بين مجلس أبي و بين باب الدار سماطين‏ «2» إلى أن يدخل و يخرج فلم يزل أبي مقبلا عليه‏ «3» يحدثه حتى نظر إلى غلمان الخاصة فقال حينئذ إذا شئت فقم جعلني الله فداك يا أبا محمد ثم قال لغلمانه خذوا به خلف السماطين كيلا يراه الأمير يعني الموفق فقام و قام أبي فعانقه و قبل وجهه و مضى فقلت لحجاب أبي و غلمانه ويلكم من هذا الذي فعل به أبي هذا الذي فعل فقالوا هذا رجل من العلوية يقال له الحسن بن علي يعرف بابن الرضا فازددت تعجبا فلم أزل يومي ذلك قلقا متفكرا في أمره و أمر أبي و ما رأيت منه حتى كان الليل و كانت عادته أن يصلي العتمة ثم يجلس فينظر فيما يحتاج إليه من المؤامرات و ما يرفعه إلى السلطان فلما صلى و جلس‏ «4» جئت فجلست بين يديه فقال يا أحمد أ لك حاجة فقلت نعم يا أبت إن أذنت سألتك عنها فقال قد أذنت لك يا بني فقل ما أحببت فقلت له يا أبت من كان الرجل الذي أتاك بالغداة و فعلت به ما فعلت من الإجلال و الإكرام و التبجيل و فديته بنفسك و بأبويك فقال يا بني ذاك إمام الرافضة ذاك ابن الرضا فسكت ساعة فقال يا بني لو زالت الخلافة عن خلفاء بني العباس ما استحقها
______________________________
(1). الموفق هو أخو الخليفة المعتمد على الله أحمد بن المتوكل و كان صاحب جيشه.
(2). السماط: الصف من الناس، يعنى رديفين منظمين، و في الكافي «فقاموا بين مجلس أبى و بين باب الدار سماطين الى أن».
(3). أي مقبلا على أبى محمد عليه السلام.
(4). في بعض النسخ «فلما نظر و جلس».




كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 42
أحد من بني هاشم غير هذا فإن هذا يستحقها في فضله و عفافه و هديه و صيانة نفسه و زهده و عبادته و جميل أخلاقه و صلاحه و لو رأيت أباه لرأيت رجلا جليلا نبيلا خيرا فاضلا فازددت قلقا و تفكرا و غيظا على أبي مما سمعت منه فيه و لم يكن لي همة بعد ذلك إلا السؤال عن خبره و البحث عن أمره فما سألت عنه أحدا من بني هاشم و من القواد و الكتاب و القضاة و الفقهاء و سائر الناس إلا وجدته عندهم في غاية الإجلال و الإعظام و المحل الرفيع و القول الجميل و التقديم له على جميع أهل بيته و مشايخه و غيرهم و كل يقول هو إمام الرافضة فعظم قدره عندي إذ لم أر له وليا و لا عدوا إلا و هو يحسن القول فيه و الثناء عليه فقال له بعض أهل المجلس من الأشعريين يا أبا بكر فما خبر أخيه جعفر فقال و من جعفر فيسأل عن خبره‏ «1» أو يقرن به إن جعفرا معلن بالفسق ماجن‏ «2» شريب للخمور و أقل من رأيته من الرجال و أهتكهم لستره فدم خمار «3» قليل في نفسه خفيف و الله لقد ورد على السلطان و أصحابه في وقت وفاة الحسن بن علي ع ما تعجبت منه و ما ظننت أنه يكون و ذلك أنه لما اعتل بعث إلى أبي أن ابن الرضا قد اعتل فركب من ساعته مبادرا إلى دار الخلافة ثم رجع مستعجلا و معه خمسة نفر من خدام أمير المؤمنين كلهم من ثقاته و خاصته فمنهم نحرير «4» و أمرهم بلزوم دار الحسن بن علي ع و تعرف خبره و حاله و بعث إلى نفر من المتطببين فأمرهم بالاختلاف إليه‏ «5» و تعاهده صباحا و مساء فلما كان بعد ذلك بيومين جاءه من أخبره أنه قد ضعف فركب حتى بكر إليه ثم أمر المتطببين بلزومه و بعث إلى قاضي‏
______________________________
(1). المراد به جعفر الكذاب.
(2). الماجن: من لم يبال بما قال و ما صنع، و الشريب- كسكين- المولع بالشراب.
(3). الفدم: العيى عن الكلام في رخاوة و قلة فهم، و الاحمق و المراد الثاني.
(4). كان من خواص خدم الخليفة، و كان شقيا من الاشقياء. و التحرير: الحاذق الفطن.
(5). يعني بالاختلاف: التردد للاطلاع على أحواله عليه السلام.




كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 43
القضاة فأحضره مجلسه و أمره أن يختار من أصحابه عشرة ممن يوثق به في دينه و أمانته و ورعه فأحضرهم فبعث بهم إلى دار الحسن ع و أمرهم بلزوم داره ليلا و نهارا فلم يزالوا هناك حتى توفي ع لأيام مضت من شهر ربيع الأول من سنة ستين و مائتين فصارت سر من رأى ضجة واحدة مات ابن الرضا و بعث السلطان إلى داره من يفتشها و يفتش حجرها و ختم على جميع ما فيها و طلبوا أثر ولده و جاءوا بنساء يعرفن بالحبل [الحبل‏] فدخلن على جواريه فنظرن إليهن فذكر بعضهن أن هناك جارية بها حمل‏ «1» فأمر بها فجعلت في حجرة و وكل بها نحرير الخادم و أصحابه و نسوة معهم ثم أخذوا بعد ذلك في تهيئته و عطلت الأسواق و ركب أبي و بنو هاشم و القواد و الكتاب و سائر الناس إلى جنازته ع فكانت سر من رأى يومئذ شبيها بالقيامة فلما فرغوا من تهيئته بعث السلطان إلى أبي عيسى بن المتوكل فأمره بالصلاة عليه فلما وضعت الجنازة للصلاة دنا أبو عيسى منها فكشف عن وجهه فعرضه على بني هاشم من العلوية و العباسية و القواد و الكتاب و القضاة و الفقهاء و المعدلين و قال هذا الحسن بن علي بن محمد ابن الرضا مات حتف أنفه‏ «2» على فراشه حضره من خدم أمير المؤمنين و ثقاته فلان و فلان و من المتطببين فلان و فلان و من القضاة فلان و فلان ثم غطى وجهه و قام فصلى عليه و كبر عليه خمسا و أمر بحمله فحمل من وسط داره و دفن في البيت الذي دفن فيه أبوه ع فلما دفن و تفرق الناس اضطرب السلطان و أصحابه في طلب ولده و كثر التفتيش في المنازل و الدور و توقفوا على قسمة ميراثه و لم يزل الذين وكلوا بحفظ الجارية التي توهموا عليها الحبل ملازمين لها سنتين و أكثر حتى تبين لهم بطلان الحبل فقسم ميراثه بين أمه و أخيه جعفر و ادعت أمه وصيته و ثبت ذلك عند القاضي و السلطان على ذلك يطلب أثر ولده فجاء جعفر بعد قسمة الميراث إلى أبي و قال له اجعل لي مرتبة
______________________________
(1). في بعض النسخ «لها حبل» و في بعضها «بها حبل».
(2). يعني مات من غير قتل و لا ضرب و لا خنق.




كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 44
أبي و أخي و أوصل إليك في كل سنة عشرين ألف دينار مسلمة فزبره‏ «1» أبي و أسمعه و قال له يا أحمق إن السلطان أعزه الله جرد سيفه و سوطه في الذين زعموا أن أباك و أخاك أئمة ليردهم عن ذلك فلم يقدر عليه و لم يتهيأ له صرفهم عن هذا القول فيهما و جهد أن يزيل أباك و أخاك عن تلك المرتبة فلم يتهيأ له ذلك فإن كنت عند شيعة أبيك و أخيك إماما فلا حاجة بك إلى السلطان يرتبك مراتبهم و لا غير السلطان و إن لم تكن عندهم بهذه المنزلة لم تنلها بنا و استقله أبي عند ذلك و استضعفه و أمر أن يحجب عنه فلم يأذن له بالدخول عليه حتى مات أبي و خرجنا و الأمر على تلك الحال و السلطان يطلب أثر ولد الحسن بن علي ع حتى اليوم ..
و كيف يصح الموت إلا هكذا و كيف يجوز رد العيان و تكذيبه و إنما كان السلطان لا يفتر عن طلب الولد لأنه قد كان وقع في مسامعه خبره-
و قد كان ولد ع قبل موت أبيه بسنين و عرضه على أصحابه و قال لهم هذا إمامكم من بعدي و خليفتي عليكم أطيعوه فلا تتفرقوا من بعدي فتهلكوا في أديانكم أما إنكم لن تروه بعد يومكم هذا ..
فغيبه و لم يظهره فلذلك لم يفتر السلطان عن طلبه.
- و قد روي‏ أن صاحب هذا الأمر هو الذي تخفى ولادته على الناس و يغيب عنهم شخصه لئلا يكون لأحد في عنقه بيعة إذا خرج و أنه هو الذي يقسم ميراثه و هو حي ..
و قد أخرجت ذلك مسندا في هذا الكتاب في موضعه و قد كان مرادنا بإيراد هذا الخبر تصحيحا لموت الحسن بن علي ع فلما بطل وقوع الغيبة لمن ادعيت له من محمد بن علي ابن الحنفية و الصادق جعفر بن محمد و موسى بن جعفر و الحسن بن علي العسكري ع بما صح من وفاتهم فصح وقوعها بمن نص عليه النبي و الأئمة الأحد عشر ص و هو الحجة بن الحسن بن علي بن محمد العسكري ع و قد أخرجت الأخبار المسندة في ذلك الكتاب في أبواب النصوص عليه ص.
______________________________
(1). أي زجره.



كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 45
و كل من سألنا من المخالفين عن القائم ع لم يخل من أن يكون قائلا بإمامة الأئمة الأحد عشر من آبائه ع أو غير قائل بإمامتهم فإن كان قائلا بإمامتهم لزمه القول بإمامة الإمام الثاني عشر لنصوص آبائه الأئمة ع عليه باسمه و نسبه و إجماع شيعتهم على القول بإمامته و أنه القائم الذي يظهر بعد غيبة طويلة فيملأ الأرض قسطا و عدلا كما ملئت جورا و ظلما و إن لم يكن السائل من القائلين بالأئمة الأحد عشر ع لم يكن له علينا جواب في القائم الثاني عشر من الأئمة ع و كان الكلام بيننا و بينه في إثبات إمامة آبائه الأئمة الأحد عشر ع و هكذا لو سألنا يهودي فقال لنا لم صارت الظهر أربعا و العصر أربعا و العتمة أربعا و الغداة ركعتين و المغرب ثلاثا لم يكن له علينا في ذلك جواب بل لنا أن نقول له إنك منكر لنبوة النبي الذي أتى بهذه الصلوات و عدد ركعاتها فكلمنا في نبوته و إثباتها فإن بطلت بطلت هذه الصلوات و سقط السؤال عنها و إن ثبتت نبوته ص لزمك الإقرار بفرض هذه الصلوات على عدد ركعاتها لصحة مجيئها عنه و اجتماع أمته عليها عرفت علتها أم لم تعرفها و هكذا الجواب لمن سأل عن القائم ع حذو النعل بالنعل.
[بيان بعض الاعتراضات و الشبهات حول الغيبة]
[الشبهة حول الغيبة ما بالها وقعت فيه ع دون من تقدمه‏]
(جواب عن اعتراض) و قد يعترض معترض جاهل بآثار الحكمة غافل عن مستقيم التدبير لأهل الملة بأن يقول ما بال الغيبة وقعت بصاحب زمانكم هذا دون من تقدم من آبائه الأئمة بزعمكم و قد نجد شيعة آل محمد ع في زماننا هذا أحسن حالا و أرغد عيشا منهم في زمن بني أمية إذ كانوا في ذلك الزمان مطالبين بالبراءة من أمير المؤمنين ع إلى غير ذلك من أحوال القتل و التشريد و هم في هذا الحال وادعون سالمون قد كثرت شيعتهم و توافرت أنصارهم و ظهرت كلمتهم بموالاة كبراء أهل الدولة لهم و ذوي السلطان و النجدة منهم.
فأقول و بالله التوفيق إن الجهل غير معدوم من ذوي الغفلة و أهل التكذيب و الحيرة و قد تقدم من قولنا إن ظهور حجج الله ع و استتارهم جرى في وزن‏



كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 46
الحكمة «1» حسب الإمكان و التدبير لأهل الإيمان و إذا كان ذلك كذلك فليقل ذوو النظر و التمييز إن الأمر الآن و إن كان الحال كما وصفت أصعب و المحنة أشد مما تقدم من أزمنة الأئمة السالفة ع و ذلك أن الأئمة الماضية أسروا في جميع مقاماتهم إلى شيعتهم و القائلين بولايتهم و المائلين من الناس إليهم حتى تظاهر ذلك بين أعدائهم أن صاحب السيف هو الثاني عشر من الأئمة ع و أنه ع لا يقوم حتى تجي‏ء صيحة من السماء باسمه و اسم أبيه و الأنفس منيته‏ «2» على نشر ما سمعت و إذاعة ما أحست فكان ذلك منتشرا بين شيعة آل محمد ص و عند مخالفيهم من الطواغيت و غيرهم و عرفوا منزلة أئمتهم من الصدق و محلهم من العلم و الفضل و كانوا يتوقفون عن التسرع إلى إتلافهم و يتحامون القصد لإنزال المكروه بهم مع ما يلزم من حال التدبير في إيجاب ظهورهم كذلك ليصل كل امرئ منهم إلى ما يستحقه من هداية أو ضلالة كما قال الله تعالى‏ من يهد الله فهو المهتد و من يضلل فلن تجد له وليا مرشدا «3» و قال الله عز و جل‏ و ليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا و كفرا فلا تأس على القوم الكافرين‏ «4» و هذا الزمان قد استوفى أهله كل إشارة من نص و آثار فتناهت بهم الأخبار و اتصلت بهم الآثار إلى أن صاحب هذا الزمان ع هو صاحب السيف و الأنفس منيته‏ «2» على ما وصفنا من نشر ما سمعت و ذكر ما رأت و شاهدت فلو كان صاحب هذا الزمان ع ظاهرا موجودا لنشر شيعته ذلك و لتعداهم إلى مخالفيهم بحسن ظن بعضهم بمن يدخل فيهم و يظهر الميل إليهم و في أوقات الجدال بالدلالة على شخصه و الإشارة إلى مكانه كفعل‏
هشام بن الحكم مع الشامي و قد ناظره بحضرة الصادق ع‏
______________________________
(1). كذا، يعنى في ميزان الحكمة.
(2). في بعض النسخ «مبنية» و المنينة أي المائلة كما في بعض اللغات. و في بعض النسخ «منبعثة».
(3). الكهف: 17.
(4). المائدة: 68.




كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 47
فقال الشامي لهشام من هذا الذي تشير إليه و تصفه بهذه الصفات قال هشام هو هذا و أشار بيده إلى الصادق ع.
فكان يكون ذلك منتشرا في مجالسهم كانتشاره بينهم مع إشارتهم إليه بوجود شخصه و نسبه و مكانه ثم لم يكونوا حينئذ يمهلون و لا ينظرون كفعل فرعون في قتل أولاد بني إسرائيل للذي قد كان ذاع منهم و انتشر بينهم من كون موسى ع بينهم و هلاك فرعون و مملكته على يديه و كذلك كان فعل نمرود قبله في قتل أولاد رعيته و أهل مملكته في طلب إبراهيم ع زمان انتشار الخبر بوقت ولادته و كون هلاك نمرود و أهل مملكته و دينه على يديه كذلك طاغية زمان وفاة الحسن بن علي ع والد صاحب الزمان ع و طلب ولده و التوكيل بداره و حبس جواريه و انتظاره بهن وضع الحمل الذي كان بهن‏ «1» فلو لا أن إرادتهم كانت ما ذكرنا من حال إبراهيم و موسى ع لما كان ذلك منهم و قد خلف ع أهله و ولده و قد علموا من مذهبه و دينه أن لا يرث مع الولد و الأبوين أحد إلا زوج أو زوجة كلا ما يتوهم غير هذا عاقل و لا فهم غير هذا مع ما وجب من التدبير و الحكمة المستقيمة ببلوغ غاية المدة في الظهور و الاستتار فإذا كان ذلك كذلك وقعت الغيبة فاستتر عنهم شخصه و ضلوا عن معرفة مكانه ثم نشر ناشر من شيعته شيئا من أمره بما وصفناه و صاحبكم في حال الاستتار فوردت عادية من طاغوت الزمان أو صاحب فتنة من العوام تفحص عما ورد من الاستتار و ذكر من الأخبار فلم يجد حقيقة يشار إليها و لا شبهة يتعلق بها انكسرت العادية و سكنت الفتنة و تراجعت الحمية فلا يكون حينئذ على شيعته و لا على شي‏ء من أشيائهم‏ «2» لمخالفيهم متسلق و لا إلى اصطلامهم سبيل متعلق‏ «3» و عند ذلك تخمد النائرة و ترتدع العادية فتظاهر أحوالهم عند الناظر في شأنهم و يتضح للمتأمل أمرهم و يتحقق المؤمن المفكر في مذهبهم فيلحق بأولياء الحجة من كان في حيرة الجهل و
______________________________
(1). في بعض النسخ «وضع حمل ان كان بهن».
(2). في بعض النسخ «من اسبابهم».
(3). تسلق الجدار: تسوره و صعد عليه، و المتسلق: آلة التسلق. و الاصطلام:
الاستيصال.



كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 48
ينكشف عنهم ران الظلمة «1» عند مهلة التأمل للحق‏ «2» بيناته و شواهد علاماته كحال اتضاحه و انكشافه عند من يتأمل كتابنا هذا مريدا للنجاة هاربا من سبل الضلالة ملتحقا بمن سبقت لهم من الله الحسنى فآثر على الضلالة الهدى.
[الشبهة حول ادعاء الإمام في هذا الوقت الإمامة أم لا]
(جواب عن اعتراض آخر) و مما سأل عنه جهال المعاندين للحق أن قالوا أخبرونا عن الإمام في هذا الوقت يدعي الإمامة أم لا يدعيها و نحن نصير إليه فنسأله عن معالم الدين فإن كان يجيبنا و يدعي الإمامة علمنا أنه الإمام و إن كان لا يدعي الإمامة و لا يجيبنا إذا صرنا إليه فهو و من ليس بإمام سواء فقيل لهم قد دل على إمام زماننا الصادق الذي قبله و ليست به حاجة إلى أن يدعي هو أنه إمام إلا أن يقول ذلك على سبيل الإذكار و التأكيد فأما على سبيل الدعوى التي تحتاج إلى برهان فلا لأن الصادق الذي قبله قد نص عليه و بين أمره و كفاه مئونة الادعاء و القول في ذلك نظير قولنا في علي بن أبي طالب ع في نص النبي ص و استغنائه عن أن يدعي هو لنفسه أنه إمام فأما إجابته إياكم عن معالم الدين فإن جئتموه مسترشدين متعلمين عارفين بموضعه مقرين بإمامته عرفكم و علمكم و إن جئتموه أعداء له مرصدين بالسعاية إلى أعدائه منطوين على مكروهة عند أعداء الحق متعرفين مستور أمور الدين لتذيعوه لم يجبكم لأنه يخاف على نفسه منكم فمن لم يقنعه هذا الجواب قلبنا عليه السؤال في النبي ص و هو في الغار أن لو أراد الناس أن يسألوه عن معالم الدين هل كانوا يلقونه و يصلون إليه أم لا فإن كانوا يصلون إليه فقد بطل أن يكون استتاره في الغار و إن كانوا لا يصلون إليه فسواء وجوده في العالم و عدمه على علتكم فإن قلتم إن النبي ص كان متوقيا قيل و كذلك الإمام ع في هذا الوقت متوق فإن قلتم إن النبي ص بعد ذلك قد ظهر و دعا إلى نفسه قلنا و ما في ذلك من الفرق أ ليس قد كان نبيا قبل أن يخرج من الغار
______________________________
(1). أي تغطية الظلمة. و في بعض النسخ «درن الظلمة» و الدرن: الوسخ.
(2). في بعض النسخ «المتأهل للحق».



كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 49
و يظهر و هو في الغار مستتر و لم ينقض ذلك نبوته و كذلك الإمام يكون إماما و إن كان يستتر بإمامته ممن يخافه على نفسه و يقال لهم ما تقولون في أفاضل أصحاب محمد ص و المتقدم في الصدق منهم لو لقيتهم كتيبة المشركين يطلبون نفس النبي ص فلم يعرفوه فسألوهم عنه هل هو هذا و هو بين أيديهم أو كيف أخفي‏ «1» و أين هو فقالوا ليس نعرف موضعه أو ليس هو هذا هل كانوا في ذلك كاذبين مذمومين غير صادقين و لا محمودين أم لا فإن قلتم كاذبين خرجتم من دين الإسلام بتكذيبكم أصحاب النبي ص و إن قلتم لا يكون ذلك كذلك لأنهم يكونون قد حرفوا كلامهم و أضمروا معنى أخرجهم من الكذب و إن كان ظاهره ظاهر كذب فلا يكونون مذمومين بل محمودين لأنهم دفعوا عن نفس النبي ص القتل.
قيل لهم و كذلك الإمام إذا قال لست بإمام و لم يجب أعداءه عما يسألونه عنه لا يزيل ذلك إمامته لأنه خائف على نفسه و إن أبطل جحده لأعدائه أنه إمام في حال الخوف إمامته أبطل على أصحاب النبي ص أن يكونوا صادقين في إجابتهم المشركين بخلاف ما علموه عند الخوف و إن لم يزل ذلك صدق الصحابة لم يزل أيضا ستر الإمام نفسه إمامته و لا فرق في ذلك و لو أن رجلا مسلما وقع في أيدي الكفار و كانوا يقتلون المسلمين إذا ظفروا بهم فسألوه هل أنت مسلم فقال لا لم يكن ذلك بمخرج له من الإسلام فكذلك الإمام إذا جحد عند أعدائه و من يخافه على نفسه أنه إمام لم يخرجه ذلك من الإمامة.
فإن قالوا إن المسلم لم يجعل في العالم ليعلم الناس و يقيم الحدود فلذلك افترق حكماهما و وجب أن لا يستر الإمام نفسه.
قيل لهم لم نقل إن الإمام يستر نفسه عن جميع الناس‏ «2» لأن الله عز و جل قد نصبه و عرف الخلق مكانه بقول الصادق الذي قبله فيه و نصبه له و إنما قلنا إن الإمام لا يقر عند أعدائه بذلك خوفا منهم أن يقتلوه فأما أن يكون مستورا عن‏
______________________________
(1). أي كيف أخفى نفسه. و في بعض النسخ «كيف أخذ».
(2). هذه الزيادة بين القوسين كانت في بعض النسخ دون بعض.



كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 50
جميع الخلق فلا لأن الناس جميعا لو سألوا عن إمام الإمامية من هو لقالوا فلان بن فلان مشهور عند جميع الأمة و إنما تكلمنا في أنه هل يقر عند أعدائه أم لا يقر و عارضناكم باستتار النبي ص في الغار و هو مبعوث معه المعجزات و قد أتى بشرع مبتدع و نسخ كل شرع قبله و أريناكم أنه إذا خاف كان له أن يجحد عند أعدائه أنه إمام و لا يجيبهم إذا سألوه و لا يخرجه ذلك من أن يكون إماما و لا فرق في ذلك فإن قالوا فإذا جوزتم للإمام أن يجحد إمامته أعداءه عند الخوف فهل يجوز للنبي ص أن يجحد نبوته عند الخوف من أعدائه قيل لهم قد فرق قوم من أهل الحق بين النبي ص و بين الإمام بأن قالوا إن النبي ص هو الداعي إلى رسالته و المبين للناس ذلك بنفسه فإذا جحد ذلك و أنكره للتقية بطلت الحجة و لم يكن أحد يبين عنه و الإمام قد قام له النبي ص بحجته و أبان أمره فإذا سكت أو جحد كان النبي ص قد كفاه ذلك و ليس هذا جوابنا و لكنا نقول إن حكم النبي ص و حكم الإمام سيان في التقية إذا كان قد صدع بأمر الله عز و جل و بلغ رسالته و أقام المعجزات فأما قبل ذلك فلا-
و قد محا النبي ص اسمه من الصحيفة في صلح الحديبية حين أنكر سهيل بن عمرو و حفص بن الأحنف نبوته فقال لعلي ع امحه و اكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله ..
فلم يضر ذلك نبوته إذا كانت الأعلام في البراهين قد قامت له بذلك من قبل-
و قد قبل الله عز و جل عذر عمار حين حمله المشركون على سب رسول الله ص و أرادوا قتله فسبه فلما رجع إلى النبي ص قال قد أفلح الوجه يا عمار قال ما أفلح و قد سببتك يا رسول الله فقال ع أ ليس قلبك مطمئن بالإيمان قال بلى يا رسول الله فأنزل الله تبارك و تعالى‏ إلا من أكره و قلبه مطمئن بالإيمان‏ «1» ..
و القول في ذلك ينافي الشريعة من إجازة ذلك في وقت و حظره في وقت آخر و إذا جاز للإمام أن يجحد إمامته و يستر أمره جاز أن يستر شخصه متى أوجبت الحكمة غيبته و إذا جاز أن يغيب يوما لعلة موجبة جاز سنة و إذا جاز
______________________________
(1). النحل: 106.



كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 51
سنة جاز مائة سنة و إذا جاز مائة سنة جاز أكثر من ذلك إلى الوقت الذي توجب الحكمة ظهوره كما أوجبت غيبته و لا قوة إلا بالله‏ و نحن نقول مع ذلك‏ «1» إن الإمام لا يأتي جميع ما يأتيه من اختفاء و ظهور و غيرهما إلا بعهد معهود إليه من رسول الله ص كما قد وردت به الأخبار عن أئمتنا ع.
حدثنا محمد بن موسى بن المتوكل رضي الله عنه قال حدثنا علي بن إبراهيم عن أبيه عن عبد السلام بن صالح الهروي عن أبي الحسن علي بن موسى الرضا عن أبيه عن آبائه عن علي ع قال قال النبي ص‏ و الذي بعثني بالحق بشيرا ليغيبن القائم من ولدي بعهد معهود إليه مني حتى يقول أكثر الناس ما لله في آل محمد حاجة و يشك آخرون في ولادته فمن أدرك زمانه فليتمسك بدينه و لا يجعل للشيطان إليه سبيلا بشكه‏ «2» فيزيله عن ملتي و يخرجه من ديني فقد أخرج أبويكم من الجنة من قبل و إن الله عز و جل جعل‏ الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون‏.
[شبهة ابن بشار و إجابة ابن قبة الرازي عليها]
(اعتراضات لابن بشار) و قد تكلم علينا أبو الحسن علي بن أحمد بن بشار في الغيبة و أجابه أبو جعفر محمد بن عبد الرحمن بن قبة الرازي‏ «3» و كان من كلام علي بن أحمد بن بشار علينا في ذلك أن قال في كتابه أقول إن كل المبطلين أغنياء عن تثبيت إنية من يدعون له و به يتمسكون و عليه يعكفون و يعطفون لوجود أعيانهم و ثبات إنياتهم و هؤلاء
______________________________
(1). في بعض النسخ «فى ذلك».
(2). في بعض النسخ «يشككه».
(3). محمد بن عبد الرحمن بن قبة- بالقاف المكسورة و فتح الباء الموحدة الرازي أبو جعفر متكلم عظيم القدر حسن العقيدة كان قديما من المعتزلة و تبصر و انتقل، و كان شيخ الإمامية في زمانه كما في (جش و صه).



كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 52
يعني أصحابنا فقراء إلى ما قد غني عنه كل مبطل سلف من تثبيت إنية من يدعون له وجوب الطاعة فقد افتقروا إلى ما قد غني عنه سائر المبطلين و اختلفوا بخاصة ازدادوا بها بطلانا و انحطوا بها عن سائر المبطلين لأن الزيادة من الباطل تحط و الزيادة من الخير تعلو و الحمد لله رب العالمين‏ ثم قال و أقول قولا تعلم فيه الزيادة على الإنصاف منا و إن كان ذلك غير واجب علينا أقول إنه معلوم أنه ليس كل مدع و مدعى له بمحق و إن كل سائل لمدع تصحيح دعواه بمنصف‏ «1» و هؤلاء القوم ادعوا أن لهم من قد صح عندهم أمره و وجب له على الناس الانقياد و التسليم و قد قدمنا أنه ليس كل مدع و مدعى له بواجب له التسليم و نحن نسلم لهؤلاء القوم الدعوى و نقر على أنفسنا بالإبطال و إن كان ذلك في غاية المحال بعد أن يوجدونا إنية المدعى له و لا نسألهم تثبيت الدعوى فإن كان معلوما أن في هذا أكثر من الإنصاف فقد وفينا بما قلنا فإن قدروا عليه فقد أبطلوا و إن عجزوا عنه فقد وضح ما قلناه من زيادة عجزهم عن تثبيت ما يدعون على عجز كل مبطل عن تثبيت دعواه و أنهم مختصون من كل نوع من الباطل بخاصة يزدادون بها انحطاطا عن المبطلين أجمعين لقدرة كل مبطل سلف على تثبيت دعواه إنية من يدعون له و عجز هؤلاء عما قدر عليه كل مبطل إلا ما يرجعون إليه من قولهم إنه لا بد ممن تجب به حجة الله عز و جل و أجل لا بد من وجوده فضلا عن كونه فأوجدونا الإنية من دون إيجاد الدعوى.
و لقد خبرت عن أبي جعفر بن أبي غانم‏ «2» أنه قال لبعض من سأله فقال بم تحاج الذين‏ «3» كنت تقول و يقولون إنه لا بد من شخص قائم من أهل هذا البيت قال‏
______________________________
(1). في بعض النسخ «ليس كل مدع و مدعى له فمحق و ان كان [كل- خ ل‏] سائل للمدعى تصحيح دعواه فمنصف».
(2). هو غير علي بن أبي غانم الذي عنونه منتجب الدين بل هو رجل آخر لم أعثر على عنوانه في كتب الرجال.
(3). في بعض النسخ «الذي».




كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 53
له‏ «1» أقول لهم هذا جعفر ..
فيا عجبا أ يخصم الناس بمن ليس هو بمخصوم‏ «2» و قد كان شيخ في هذه الناحية رحمه الله يقول قد وسمت هؤلاء باللابدية أي أنه لا مرجع لهم و لا معتمد إلا إلى أنه لا بد من أن يكون هذا الذي ليس في الكائنات فوسمهم من أجل ذلك و نحن نسميهم بها أي أنهم دون كل من له بد يعكف عليه إذ كان أهل الأصنام التي أحدها البد قد عكفوا على موجود و إن كان باطلا و هم قد تعلقوا بعدم ليس و باطل محض و هم اللابدية حقا أي لا بد لهم يعكفون عليه‏ «3» إذ كان كل مطاع معبود و قد وضح ما قلنا من اختصاصهم من كل نوع الباطل بخاصة يزدادون بها انحطاطا و الحمد لله.
ثم قال نختم الآن هذا الكتاب بأن نقول إنما نناظر و نخاطب من قد سبق منه الإجماع على أنه لا بد من إمام قائم من أهل هذا البيت تجب به حجة الله و يسد به فقر الخلق و فاقتهم و من لم يجتمع معنا على ذلك فقد خرج من النظر في كتابنا فضلا عن مطالبتنا به و نقول لكل من اجتمع معنا على هذا الأصل من الذي قدمنا في هذا الموضع كنا و إياكم قد أجمعنا على أنه لا يخلو أحد من بيوت هذه الدار من سراج زاهر فدخلنا الدار فلم نجد فيها إلا بيتا واحدا فقد وجب و صح أن في ذلك البيت سراجا و الحمد لله رب العالمين‏ فأجابه أبو جعفر محمد بن عبد الرحمن بن قبة الرازي بأن قال إنا نقول و بالله التوفيق ليس الإسراف في الادعاء و التقول على الخصوم مما يثبت بهما حجة و لو كان ذلك كذلك لارتفع الحجاج بين المختلفين و اعتمد كل واحد على إضافة ما يخطر بباله من سوء القول إلى مخالفه و على ضد هذا بني الحجاج و وضع‏
______________________________
(1). يعني أبو جعفر قال للمعترض.
(2). لما كان جواب أبى جعفر ابن أبي غانم للمعترض: «أقول انه جعفر» تعجب منه ابن بشار لأن جعفر ليس بقابل أن يخاصم فيه أو لم يكن موردا لها.
(3). كذا.



كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 54
النظر و الإنصاف أولى ما يعامل به أهل الدين و ليس قول أبي الحسن ليس لنا ملجأ نرجع إليه و لا قيما نعطف عليه و لا سندا نتمسك بقوله حجة لأن دعواه هذا مجرد من البرهان و الدعوى إذا انفردت عن البرهان كانت غير مقبول عند ذوي العقول و الألباب و لسنا نعجز عن أن نقول بلى لنا و الحمد لله من نرجع إليه و نقف عند أمره و من كان ثبتت حجته و ظهرت أدلته فإن قلت فأين ذلك دلونا عليه قلنا كيف تحبون أن ندلكم عليه أ تسألوننا أن نأمره أن يركب و يصير إليكم و يعرض نفسه عليكم أو تسألونا أن نبني له دارا و نحوله إليها و نعلم بذلك أهل الشرق و الغرب فإن رمتم ذلك فلسنا نقدر عليه و لا ذلك بواجب عليه فإن قلتم من أي وجه تلزمنا حجته و تجب علينا طاعته قلنا إنا نقر أنه لا بد من رجل من ولد أبي الحسن علي بن محمد العسكري ع تجب به حجة الله دللناكم على ذلك حتى نضطركم إليه إن أنصفتم من أنفسكم و أول ما يجب علينا و عليكم أن لا نتجاوز ما قد رضي به أهل النظر و استعملوه و رأوا أن من حاد عن ذلك فقد ترك سبيل العلماء و هو أنا لا نتكلم في فرع لم يثبت أصله و هذا الرجل الذي تجحدون وجوده فإنما يثبت له الحق بعد أبيه و أنتم قوم لا تخالفونا في وجود أبيه فلا معنى لترك النظر في حق أبيه و الاشتغال‏ «1» بالنظر معكم في وجوده فإنه إذا ثبت الحق لأبيه فهذا ثابت ضرورة عند ذلك بإقراركم و إن بطل أن يكون الحق لأبيه فقد آل الأمر إلى ما تقولون و قد أبطلنا و هيهات لن يزداد الحق إلا قوة و لا الباطل إلا وهنا و إن زخرفه المبطلون و الدليل على صحة أمر أبيه أنا و إياكم مجمعون على أنه لا بد من رجل من ولد أبي الحسن تثبت به حجة الله و ينقطع به عذر الخلق و أن ذلك الرجل تلزم حجته من نأى عنه من أهل الإسلام كما تلزم من شاهده و عاينه و نحن و أكثر الخلق ممن قد لزمتنا الحجة من غير مشاهدة فننظر في الوجه الذي لزمتنا منه الحجة ما هي ثم ننظر من أولى من الرجلين اللذين لا عقب لأبي الحسن غيرهما فأيهما كان أولى فهو الحجة و الإمام و لا حاجة بنا إلى التطويل ثم‏
______________________________
(1). في بعض النسخ «و الانتقال».



كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 55
نظرنا من أي وجه تلزم الحجة من نأى عن الرسل و الأئمة ع فإذا ذلك بالأخبار التي توجب الحجة و تزول عن ناقليها تهمة التواطؤ عليها و الإجماع على تخرصها و وضعها ثم فحصنا عن الحال فوجدنا فريقين ناقلين يزعم أحدهما أن الماضي نص على الحسن ع و أشار إليه و يروون مع الوصية و ما له من خاصة الكبر أدلة يذكرونها و علما يثبتونه و وجدنا الفريق الآخر يروون مثل ذلك لجعفر لا يقول غير هذا فإنه أولى بنا نظرنا فإذا الناقل لأخبار جعفر جماعة يسيرة و الجماعة اليسيرة يجوز عليها التواطؤ و التلاقي و التراسل فوقع نقلهم موقع شبهة لا موقع حجة و حجج الله لا تثبت بالشبهات و نظرنا في نقل الفريق الآخر فوجدناهم جماعات متباعدي الديار و الأقطار مختلفي الهمم و الآراء متغايرين فالكذب لا يجوز عليهم لنأي بعضهم عن بعض و لا التواطؤ و لا التراسل و الاجتماع على تخرص خبر و وضعه فعلمنا أن النقل الصحيح هو نقلهم و أن المحق هؤلاء و لأنه إن بطل ما قد نقله هؤلاء على ما وصفنا من شأنهم لم يصح خبر في الأرض و بطلت الأخبار كلها فتأمل وفقك الله في الفريقين فإنك تجدهم كما وصفت و في بطلان الأخبار هدم الإسلام و في تصحيحها تصحيح خبرنا و في ذلك دليل على صحة أمرنا و الحمد لله رب العالمين.
ثم رأيت الجعفرية «1» تختلف في إمامة جعفر من أي وجه تجب فقال قوم بعد أخيه محمد و قال قوم بعد أخيه الحسن و قال قوم بعد أبيه و رأيناهم لا يتجاوزون ذلك و رأينا أسلافهم و أسلافنا قد رووا قبل الحادث ما يدل على إمامة الحسن و هو ما
روي عن أبي عبد الله ع قال: إذا توالت ثلاثة أسماء محمد و علي و الحسن فالرابع القائم.
و غير ذلك من الروايات و هذه وحدها توجب الإمامة للحسن و ليس إلا الحسن و جعفر فإذا لم تثبت لجعفر حجة على من شاهده في أيام الحسن و الإمام ثابت الحجة على من رآه و من لم يره فهو الحسن اضطرارا و إذا ثبت الحسن ع و جعفر عندكم مبرأ تبرأ منه و الإمام لا يتبرأ من الإمام و الحسن قد مضى و لا بد عندنا و عندكم من‏
______________________________
(1). يعني القائلين بامامة جعفر الكذاب.



كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 56
رجل من ولد الحسن ع تثبت به حجة الله فقد وجب بالاضطرار للحسن ولد قائم ع.
و قل يا أبا جعفر أسعدك الله لأبي الحسن أعزه الله‏ «1» يقول محمد بن عبد الرحمن قد أوجدناك إنية المدعى له فأين المهرب هل تقر على نفسك بالإبطال كما ضمنت أو يمنعك الهوى من ذلك فتكون كما قال الله تعالى‏ و إن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم‏ «2» فأما ما وسم به أهل الحق من اللابدية لقولهم لا بد ممن تجب به حجة الله فيا عجبا فلا يقول أبو الحسن لا بد ممن تجب به حجة الله و كيف لا يقول و قد قال عند حكايته عنا و تعييره إيانا أجل لا بد من وجوده فضلا عن كونه فإن كان يقول ذلك فهو و أصحابه من اللابدية و إنما وسم نفسه و عاب إخوانه و إن كان لا يقول ذلك فقد كفينا مئونة تنظيره و مثله بالبيت و السراج و كذا يكون حال من عاند أولياء الله يعيب نفسه من حيث يرى أنه يعيب خصمه و الحمد لله المؤيد للحق بأدلته و نحن نسمي هؤلاء بالبدية إذ كانوا عبدة البد قد عكفوا على ما لا يسمع و لا يبصر و لا يغني عنهم شيئا و هكذا هؤلاء و نقول يا أبا الحسن هداك الله هذا حجة الله على الجن و الإنس و من لا تثبت حجته على الخلق إلا بعد الدعاء و البيان محمد ص قد أخفى شخصه في الغار حتى لم يعلم بمكانه ممن احتج الله عليهم به إلا خمسة نفر «3».
______________________________
(1). يعني بأبي جعفر محمد بن عبد الرحمن بن قبة، و بابى الحسن علي بن أحمد ابن بشار.
(2). الأنعام: 119.
(3). المراد بالخمسة: على بن أبي طالب، و أبو بكر، و عبد الله بن اريقط الليثى، و أسماء بنت أبى بكر، و عامر بن فهيرة. و القصة كما في إعلام الورى هكذا: بقى رسول الله صلى الله عليه و آله في الغار ثلاثة أيام، ثم اذن الله له في الهجرة و قال: يا محمد اخرج عن مكة فليس لك بها ناصر بعد أبى طالب. فخرج رسول الله صلى الله عليه و آله و أقبل راع لبعض قريش يقال له ابن اريقط فدعاء رسول الله صلى الله عليه و آله و قال: يا ابن اريقط أئتمنك على دمى؟ قال إذا احرسك و أحفظك و لا-



كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 57
فإن قلت إن تلك غيبة بعد ظهوره و بعد أن قام على فراشه من يقوم مقامه قلت لك لسنا نحتج عليك في حال ظهوره و لا استخلافه لمن يقوم مقامه من هذا في قبيل و لا دبير «1» و إنما نقول لك أ ليس تثبت حجته في نفسه في حال غيبته على من لم يعلم بمكانه لعلة من العلل فلا بد من أن تقول نعم قلنا و نثبت حجة الإمام و إن كان غائبا لعلة أخرى و إلا فما الفرق ثم نقول و هذا أيضا لم يغب حتى ملأ آباؤه ع آذان شيعتهم بأن غيبته تكون و عرفوهم كيف يعملون عند غيبته فإن قلت في ولادته فهذا موسى ع مع شدة طلب فرعون إياه و ما فعل بالنساء و الأولاد لمكانه حتى أذن الله في ظهوره-
و قد قال الرضا ع في وصفه‏ بأبي و أمي شبيهي و سمي جدي و شبيه موسى بن عمران ..
و حجة أخرى نقول لك يا أبا الحسن أ تقر أن الشيعة قد روت في الغيبة أخبارا فإن قال لا أوجدناه الأخبار و إن قال نعم قلنا له فكيف تكون حالة الناس إذا غاب إمامهم فكيف تلزمهم الحجة في وقت غيبته فإن قال يقيم من يقوم مقامه فليس يقوم عندنا و عندكم مقام الإمام إلا الإمام- و إذا كان إماما قائما «2»
______________________________
- أدل عليك فأين تريد يا محمد؟ قال: يثرب، قال: و الله لاسلكن بك مسلكا لا يهتدى إليه أحد، قال له رسول الله صلى الله عليه و آله: ائت عليا و بشره بان الله قد أذن لي في الهجرة فيهيئ لي زادا و راحلة. و قال أبو بكر: ائت أسماء بنتى و قل لها: تهيا لي زادا و راحلتين، و أعلم عامر بن فهيرة أمرنا- و كان من موالى أبى بكر و قد كان أسلم- و قل له: ائتنا بالزاد و الراحلتين، فجاء ابن اريقط الى على و أخبره بذلك فبعث علي بن أبي طالب عليه السلام الى رسول الله صلى الله عليه و آله بزاد و راحلة، و بعث ابن فهيرة بزاد و راحلتين، و خرج رسول الله صلى الله عليه و آله من الغار و أخذ به ابن اريقط على طريق نخلة بين الجبال فلم يرجعوا الى الطريق الا بقديد.
(1). القبيل ما اقبلت به الى صدرك. و الدبير ما أدبرت به عن صدرك، و يقال: فلان ما يعرف قبيلا و لا دبيرا. و المراد ما أقبلت به المرأة من غزلها و ما أدبرت. و هذا الكلام تعريض لابن بشار يعنى أنه لا يدرى ما يقول و لسنا نحتج عليه في هذا الامر.
(2). يعني إذا كان من يقوم اماما قائما.



كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 58
فلا غيبة و إن احتج بشي‏ء آخر في تلك الغيبة فهو بعينه حجتنا في وقتنا لا فرق فيه و لا فصل و من الدليل على فساد أمر جعفر موالاته و تزكيته فارس بن حاتم لعنه الله‏ «1» و قد برئ منه أبوه و شاع ذلك في الأمصار حتى وقف عليه الأعداء فضلا عن الأولياء.
و من الدليل على فساد أمره استعانته بمن استعان في طلب الميراث من أم الحسن ع و قد أجمعت الشيعة أن آباءه ع أجمعوا أن الأخ لا يرث مع الأم.
و من الدليل على فساد أمره قوله إني إمام بعد أخي محمد فليت شعري متى تثبت إمامة أخيه و قد مات قبل أبيه حتى تثبت إمامة خليفته و يا عجبا إذا كان محمد يستخلف و يقيم إماما بعده و أبوه حي قائم و هو الحجة و الإمام فما يصنع أبوه و متى جرت هذه السنة في الأئمة و أولادهم حتى نقبلها منكم فدلونا على ما يوجب إمامة محمد حتى إذا ثبتت قبلنا إمامة خليفته و الحمد لله الذي جعل الحق مؤيدا و الباطل مهتوكا ضعيفا زاهقا.
فأما ما حكي عن ابن أبي غانم رحمه الله فلم يرد الرجل بقوله عندنا يثبت إمامة جعفر و إنما أراد أن يعلم السائل أن أهل هذه البيت لم يفنوا حتى لا يوجد منهم أحدا.
و أما قوله و كل مطاع معبود فهو خطأ عظيم لأنا لا نعرف معبودا إلا الله و نحن نطيع رسول الله ص و لا نعبده.
و أما قوله نختم الآن هذا الكتاب بأن نقول إنما نناظر و نخاطب من قد سبق منه الإجماع بأنه لا بد من إمام قائم من أهل هذه البيت تجب به حجة الله إلى قوله و صح أن في ذلك البيت سراجا و لا حاجة بنا إلى دخوله- فنحن وفقك الله لا نخالفه و أنه لا بد من إمام قائم من أهل هذا البيت تجب به حجة الله و إنما
______________________________
(1). هو فارس بن حاتم بن ماهويه القزوينى نزيل العسكر من أصحاب الرضا عليه السلام غال ملعون أهدر أبو الحسن العسكري عليه السلام دمه و ضمن لمن يقتله الجنة فقتله جنيد. راجع منهج المقال ص 257.



كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 59
نخالفه في كيفية قيامه و ظهوره و غيبته.
و أما ما مثل به من البيت و السراج فهو منى و قد قيل إن المنى رأس أموال المفاليس و لكنا نضرب مثلا على الحقيقة لا نميل فيه على خصم و لا نحيف فيه على ضد بل نقصد فيه الصواب فنقول كنا و من خالفنا قد أجمعنا على أن فلانا مضى و له ولدان و له دار و أن الدار يستحقها منهما من قدر على أن يحمل بإحدى يديه ألف رطل و أن الدار لا تزال في يدي عقب الحامل‏ «1» إلى يوم القيامة و نعلم أن أحدهما يحمل و الآخر يعجز ثم احتجنا أن نعلم من الحامل منهما فقصدنا مكانهما لمعرفة ذلك فعاق عنهما عائق منع عن مشاهدتهما غير أنا رأينا جماعات كثيرة في بلدان نائية متباعدة بعضها عن بعض يشهدون أنهم رأوا أن الأكبر منهما قد حمل ذلك و وجدنا جماعة يسيرة في موضع واحد يشهدون أن الأصغر منهما فعل ذلك و لم نجد لهذه الجماعة خاصة يأتوا بها فلم يجز في حكم النظر و حفيظة الإنصاف و ما جرت به العادة و صحت به التجربة رد شهادة تلك الجماعات و قبول شهادة هذه الجماعة و التهمة تلحق هؤلاء و تبعد عن أولئك.
فإن قال خصومنا فما تقولون في شهادة سلمان و أبي ذر و عمار و المقداد لأمير المؤمنين ع و شهادة تلك الجماعات و أولئك الخلق لغيره أيهما كان أصوب قلنا لهم لأمير المؤمنين ع و أصحابه أمور خص بها و خصوا بها دون من بإزائهم فإن أوجدتمونا مثل ذلك أو ما يقاربه لكم فأنتم المحقون أولها أن أعداءه كانوا يقرون بفضله و طهارته و علمه-
و قد روينا و رووا له معنا أنه ص خبر أن الله يوالي من يواليه و يعادي من يعاديه ..
فوجب لهذا أن يتبع دون غيره و الثاني أن أعداءه لم يقولوا له نحن نشهد أن النبي ص أشار إلى فلان بالإمامة و نصبه حجة للخلق و إنما نصبوه لهم على جهة الاختيار كما قد بلغك و الثالث أن أعداءه كانوا يشهدون على أحد أصحاب أمير المؤمنين ع أنه لا يكذب‏
لقوله ص‏ ما
______________________________
(1). يعني أولاده و أحفاده.




كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 60
أظلت الخضراء و لا أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر ..
فكانت شهادته وحده أفضل من شهادتهم و الرابع أن أعداءه قد نقلوا ما نقله أولياؤه مما تجب به الحجة و ذهبوا عنه بفساد التأويل و الخامس أن أعداءه‏
رووا في الحسن و الحسين أنهما سيدا شباب أهل الجنة.
-
و رووا أيضا أنه ص قال: من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار ..
فلما شهدا لأبيهما بذلك و صح أنهما من أهل الجنة بشهادة الرسول وجب تصديقهما لأنهما لو كذبا في هذا لم يكونا من أهل الجنة و كانا من أهل النار و حاشا لهما الزكيين الطيبين الصادقين فليوجدنا أصحاب جعفر خاصة هي لهم دون خصومهم حتى يقبل ذلك و إلا فلا معنى لترك خبر متواتر لا تهمة في نقله و لا على ناقليه و قبول خبر لا يؤمن على ناقليه تهمة التواطؤ عليه و لا خاصة معهم يثبتون بها و لن يفعل ذلك إلا تائه حيران فتأمل أسعدك الله في النظر فيما كتبت به إليك مما ينظر به الناظر لدينه المفكر في معاده المتأمل بعين الخيفة و الحذار إلى عواقب الكفر و الجحود موفقا إن شاء الله تعالى أطال الله بقاءك و أعزك و أيدك و ثبتك و جعلك من أهل الحق و هداك له و أعاذك من أن تكون من‏ الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا و هم يحسبون أنهم يحسنون صنعا و من الذين يستزلهم الشيطان بخدعه و غروره و إملائه و تسويله و أجرى لك أجمل ما عودك.
و كتب بعض الإمامية إلى أبي جعفر بن قبة كتابا يسأله فيه عن مسائل فورد في جوابها أما قولك أيدك الله حاكيا عن المعتزلة أنها زعمت أن الإمامية تزعم أن النص على الإمام واجب في العقل فهذا يحتمل أمرين إن كانوا يريدون أنه واجب في العقل قبل مجي‏ء الرسل ع و شرع الشرائع فهذا خطأ و إن أرادوا أن العقول دلت على أنه لا بد من إمام بعد الأنبياء ع فقد علموا ذلك بالأدلة القطعية و علموه أيضا بالخبر الذي ينقلونه عمن يقولون بإمامته.
و أما قول المعتزلة إنا قد علمنا يقينا أن الحسن بن علي ع مضى و لم ينص فقد ادعوا دعوى يخالفون فيها و هم محتاجون إلى أن يدلوا على صحتها و بأي شي‏ء ينفصلون ممن زعم من مخالفيهم أنهم قد علموا من ذلك ضد ما ادعوا أنهم علموه.



كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 61
و من الدليل على أن الحسن بن علي ع قد نص على ثبات إمامته و صحة النص من النبي ص و فساد الاختيار و نقل الشيع عمن قد أوجبوا بالأدلة تصديقه أن الإمام لا يمضي أو ينص على إمام كما فعل رسول الله ص إذ كان الناس محتاجين في كل عصر إلى من يكون خبره لا يختلف و لا يتكاذب كما اختلفت أخبار الأمة عند مخالفينا هؤلاء و تكاذبت و أن يكون إذا أمر ائتمر بطاعته و لا يد فوق يده و لا يسهو و لا يغلط و أن يكون عالما ليعلم الناس ما جهلوا و عادلا ليحكم بالحق و من هذا حكمه فلا بد من أن ينص عليه علام الغيوب على لسان من يؤدى ذلك عنه إذ كان ليس في ظاهر خلقته ما يدل على عصمته.
فإن قالت المعتزلة هذه دعاوي تحتاجون إلى أن تدلوا على صحتها قلنا أجل لا بد من الدلائل على صحة ما ادعيناه من ذلك و أنتم فإنما سألتم عن فرع و الفرع لا يدل عليه دون أن يدل على صحة أصله و دلائلنا في كتبنا موجودة على صحة هذه الأصول و نظير ذلك أن سائلا لو سألنا الدليل على صحة الشرائع لاحتجنا أن ندل على صحة الخبر و على صحة نبوة النبي ص و على أنه أمر بها و قبل ذلك أن الله عز و جل واحد حكيم و ذلك بعد فراغنا من الدليل على أن العالم محدث و هذا نظير ما سألونا عنه و قد تأملت في هذه المسألة فوجدت غرضها ركيكا و هو أنهم قالوا لو كان الحسن بن علي ع قد نص على من تدعون إمامته لسقطت الغيبة و الجواب في ذلك أن الغيبة ليست هي العدم فقد يغيب الإنسان إلى بلد يكون معروفا فيه و مشاهدا لأهله و يكون غائبا عن بلد آخر و كذلك قد يكون الإنسان غائبا عن قوم دون قوم و عن أعدائه لا عن أوليائه فيقال إنه غائب و إنه مستتر و إنما قيل غائب لغيبته عن أعدائه و عمن لا يوثق بكتمانه من أوليائه و أنه ليس مثل آبائه ع ظاهرا للخاصة و العامة و أولياؤه مع هذا ينقلون وجوده و أمره و نهيه و هم عندنا ممن تجب بنقلهم الحجة إذا كانوا يقطعون العذر لكثرتهم و اختلافهم في هممهم و وقوع الاضطرار مع خبرهم و نقلوا ذلك كما نقلوا إمامة آبائه ع و إن خالفهم مخالفوهم فيها و كما تجب بنقل المسلمين صحة آيات النبي ص سوى القرآن و إن خالفهم‏



كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 62
أعداؤهم من أهل الكتاب و المجوس و الزنادقة و الدهرية في كونها و ليست هذه مسألة تشتبه على مثلك مع ما أعرفه من حسن تأملك.
و أما قولهم‏ «1» إذا ظهر فكيف يعلم أنه محمد بن الحسن بن علي ع فالجواب في ذلك أنه قد يجوز بنقل من تجب بنقله الحجة من أوليائه كما صحت إمامته عندنا بنقلهم.
و جواب آخر و هو أنه قد يجوز أن يظهر معجزا يدل على ذلك و هذا الجواب الثاني هو الذي نعتمد عليه و نجيب الخصوم به و إن كان الأول صحيحا.
و أما قول المعتزلة فكيف لم يحتج عليهم علي بن أبي طالب بإقامة المعجز يوم الشورى فإنا نقول إن الأنبياء و الحجج ع إنما يظهرون من الدلالات و البراهين حسب ما يأمرهم الله عز و جل به مما يعلم الله أنه صالح للخلق فإذا ثبتت الحجة عليهم بقول النبي ص فيه و نصه عليه فقد استغنى بذلك عن إقامة المعجزات اللهم إلا أن يقول قائل إن إقامة المعجزات كانت أصلح في ذلك الوقت فنقول له و ما الدليل على صحة ذلك و ما ينكر الخصم من أن تكون إقامته لها ليس بأصلح و أن يكون الله عز و جل لو أظهر معجزا على يديه في ذلك الوقت لكفروا أكثر من كفرهم ذلك الوقت و لادعوا عليه السحر و المخرقة و إذا كان هذا جائزا لم يعلم أن إقامة المعجز كانت أصلح.
فإن قالت المعتزلة فبأي شي‏ء تعلمون أن إقامة «2» من تدعون إمامته المعجز على أنه ابن الحسن بن علي ع أصلح قلنا لهم لسنا نعلم أنه لا بد من إقامة المعجز في تلك الحال و إنما نجوز ذلك اللهم إلا أن يكون لا دلالة غير المعجز فيكون لا بد منه لإثبات الحجة و إذا كان لا بد منه كان واجبا و ما كان واجبا كان صلاحا لا فسادا و قد علمنا أن الأنبياء ع قد أقاموا المعجزات في وقت دون وقت و لم يقيموها في كل يوم و وقت و لحظة و طرفة و عند كل محتج عليهم ممن أراد الإسلام بل في‏
______________________________
(1). أي قول المعتزلة.
(2). في بعض النسخ «ان أقام».



كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 63
وقت دون وقت على حسب ما يعلم الله عز و جل من الصلاح و قد حكى الله عز و جل عن المشركين أنهم سألوا نبيه ص أن يرقى في السماء و أن يسقط السماء عليهم كسفا أو ينزل عليهم كتابا يقرءونه و غير ذلك مما في الآية فما فعل ذلك بهم و سألوه أن يحيي لهم قصي بن كلاب و أن ينقل عنهم جبال تهامة فما أجابهم إليه و إن كان ع قد أقام لهم غير ذلك من المعجزات و كذا حكم ما سألت المعتزلة عنه و يقال لهم كما قالوا لنا لم نترك أوضح الحجج و أبين الأدلة من تكرر المعجزات و الاستظهار بكثرة الدلالات.
و أما قول المعتزلة أنه احتج بما يحتمل التأويل فيقال فما احتج عندنا على أهل الشورى إلا بما عرفوا من نص النبي ص لأن أولئك الرؤساء لم يكونوا جهالا بالأمر و ليس حكمهم حكم غيرهم من الأتباع و نقلب هذا الكلام على المعتزلة فيقال لهم لم لم يبعث الله عز و جل بأضعاف من بعث من الأنبياء و لم لم يبعث في كل قرية نبيا و في كل عصر و دهر نبيا أو أنبياء إلى أن تقوم الساعة و لم لم يبين معاني القرآن حتى لا يشك فيه شاك و لم تركه محتملا للتأويل و هذه المسائل تضطرهم إلى جوابنا إلى هاهنا كلام أبي جعفر بن قبة رحمه الله.
[شبهة الزيدية حول الغيبة و رد أحد المشايخ عنها]
(كلام لأحد المشايخ في الرد على الزيدية) و قال غيره من متكلمي مشايخ الإمامية إن عامة مخالفينا قد سألونا في هذا الباب عن مسائل و يجب عليهم أن يعلموا أن القول بغيبة صاحب الزمان ع مبني على القول بإمامة آبائه ع و القول بإمامة آبائه ع مبني على القول بتصديق محمد ص و إمامته و ذلك أن هذا باب شرعي و ليس بعقلي محض و الكلام في الشرعيات مبني على الكتاب و السنة كما قال الله عز و جل‏ فإن تنازعتم في شي‏ء يعني في الشرعيات‏ فردوه إلى الله و الرسول‏ «1» فمتى شهد لنا الكتاب و السنة و حجة العقل فقولنا هو المجتبى و نقول إن جميع طبقات الزيدية و
______________________________
(1). النساء: 59.



كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 64
الإمامية قد اتفقوا على أن‏
رسول الله ص قال: إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله و عترتي أهل بيتي و هما الخليفتان من بعدي و إنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض ..
و تلقوا هذا الحديث بالقبول فوجب أن الكتاب لا يزال معه من العترة من يعرف التنزيل و التأويل علما يقينا يخبر عن مراد الله عز و جل كما كان رسول الله ص يخبر عن المراد و لا يكون معرفته بتأويل الكتاب استنباطا و لا استخراجا كما لم تكن معرفة الرسول ص بذلك استخراجا و لا استنباطا و لا استدلالا و لا على ما تجوز عليه اللغة و تجري عليه المخاطبة بل يخبر عن مراد الله و يبين عن الله بيانا تقوم بقوله الحجة على الناس كذلك يجب أن يكون معرفة عترة الرسول ص بالكتاب على يقين و معرفة و بصيرة قال الله عز و جل في صفة رسول الله ص‏ قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا و من اتبعني‏ «1» فأتباعه من أهله و ذريته و عترته هم الذين يخبرون عن الله عز و جل مراده من كتابه على يقين و معرفة و بصيرة و متى لم يكن المخبر عن الله عز و جل مراده ظاهرا مكشوفا فإنه يجب علينا أن نعتقد أن الكتاب لا يخلو من مقرون به من عترة الرسول ص يعرف التأويل و التنزيل إذ الحديث يوجب ذلك.
و قال علماء الإمامية قال الله عز و جل‏ إن الله اصطفى آدم و نوحا و آل إبراهيم و آل عمران على العالمين ذرية بعضها من بعض‏ «2» فوجب بعموم هذه الآية أن لا يزال في آل إبراهيم مصطفى و ذلك أن الله عز و جل جنس الناس في هذا الكتاب جنسين فاصطفى جنسا منهم و هم الأنبياء و الرسل و الخلفاء ع و جنسا أمروا باتباعهم فما دام في الأرض من به حاجة إلى مدبر و سائس و معلم و مقوم يجب أن يكون بإزائهم مصطفى من آل إبراهيم و يجب أن يكون المصطفى من آل إبراهيم ذرية بعضها من بعض لقوله عز و جل‏ ذرية بعضها من بعض‏ و قد صح أن رسول الله ص و أمير المؤمنين و الحسن و الحسين ص المصطفون من آل إبراهيم فوجب‏
______________________________
(1). يوسف: 108.
(2). آل عمران: 33.



كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 65
أن يكون المصطفى بعد الحسين ع منه لقوله عز و جل‏ ذرية بعضها من بعض‏ و متى لم تكن الذرية منه لا تكون الذرية بعضها من بعض إلا أن تكون في بطن دون جميعهم و كانت الإمامة قد انتقلت عن الحسن إلى أخيه الحسين ع وجب أن يكون منه و من صلبه من يقوم مقامه و ذلك معنى قوله تعالى‏ ذرية بعضها من بعض و الله سميع عليم‏ فدلت الآية على ما دلت السنة عليه.
[الشبهة حول وجود الإمام الغائب من العترة و الاستدلال عليه‏]
(استدلال على وجود إمام غائب من العترة-) يظهر و يملأ الأرض عدلا و قال بعض علماء الإمامية كان الواجب علينا و على كل عاقل يؤمن بالله و برسوله و بالقرآن و بجميع الأنبياء الذين تقدم كونهم كون نبينا محمد ص أن يتأمل حال الأمم الماضية و القرون الخالية فإذا تأملنا وجدنا حال الرسل و الأمم المتقدمة شبيهة بحال أمتنا و ذلك أن قوة كل دين كانت في زمن أنبيائهم ع إنما كانت متى قبلت الأمم الرسل فكثر أتباع الرسول في عصره و دهره فلم تكن أمة كانت أطوع لرسولها بعد أن قوي أمر الرسول من هذه الأمة لأن الرسل الذين عليهم دارت الرحى قبل نبينا محمد ص نوح و إبراهيم و موسى و عيسى ع هم الرسل الذين في يد الأمم آثارهم و أخبارهم و وجدنا حال تلك الأمم اعترض في دينهم الوهن في المتمسكين به لتركهم كثيرا مما كان يجب عليهم محافظته في أيام رسلهم و بعد مضي رسلهم و كذلك ما قال الله عز و جل‏ قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب و يعفوا عن كثير «1» و بذلك وصف الله عز و جل أمر تلك القرون فقال عز و جل‏ فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة و اتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا «2» و قال الله عز و جل لهذه الأمة و لا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم‏ «3»
______________________________
(1). المائدة: 18.
(2). مريم: 59.
(3). الحديد: 16.



كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 66
و في الأثر أنه يأتي على الناس زمان لا يبقى فيهم من الإسلام إلا اسمه و من القرآن إلا رسمه.
و قال النبي ص‏ إن الإسلام بدأ غريبا و سيعود غريبا فطوبى للغرباء ..
فكان الله عز و جل يبعث في كل وقت رسولا يجدد لتلك الأمم ما انمحى من رسوم الدين و اجتمعت الأمة إلا من لا يلتفت إلى اختلافه و دلت الدلائل العقلية أن الله عز و جل قد ختم الأنبياء بمحمد ص فلا نبي بعده و وجدنا أمر هذه الأمة في استعلاء الباطل على الحق و الضلال على الهدى بحال زعم كثير منهم أن الدار اليوم دار كفر و ليست بدار الإسلام ثم لم يجر على شي‏ء من أصول شرائع الإسلام ما جرى في باب الإمامة لأن هذه الأمة يقولون لم يقم لهم بالإمامة منذ قتل الحسين ع إمام عادل لا من بني أمية و لا من ولد عباس الذين جارت أحكامهم على أكثر الخلق و نحن و الزيدية و عامة المعتزلة و كثير من المسلمين يقولون إن الإمام لا يكون إلا من ظاهره ظاهر العدالة فالأمة في يد الجائرين يلعبون بهم و يحكمون في أموالهم و أبدانهم بغير حكم الله و ظهر أهل الفساد على أهل الحق و عدم اجتماع الكلمة ثم وجدنا طبقات الأمة كلهم يكفر بعضهم بعضا و يبرأ بعضهم من بعض ثم تأملنا أخبار الرسول ص فوجدناها قد وردت بأن الأرض تملأ قسطا و عدلا كما ملئت جورا و ظلما برجل من عترته فدلنا هذا الحديث على أن القيامة لا تقوم على هذه الأمة إلا بعد ما ملئت الأرض عدلا فان هذا الدين الذي لا يجوز عليه النسخ و لا التبديل سيكون له ناصر يؤيده الله عز و جل كما أيد الأنبياء و الرسل لما بعثهم لتجديد الشرائع و إزالة ما فعله الظالمون فوجب لذلك أن تكون الدلائل على من يقوم بما وصفناه موجودة غير معدومة و قد علمنا عامة اختلاف الأمة و سبرنا أحوال الفرق فدلنا أن الحق مع القائلين بالأئمة الاثني عشر ع دون من سواهم من فرق الأمة و دلنا ذلك على أن الإمام اليوم هو الثاني عشر منهم و أنه الذي أخبر رسول الله ص و نص عليه و سنورد في هذا الكتاب ما روي عن النبي ص في عدد الأئمة ع و أنهم اثنا عشر و النص على القائم الثاني عشر-



كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 67
و الأخبار بغيبته قبل ظهوره و قيامه بالسيف إن شاء الله تعالى.
[شبهات أخرى للزيدية حول الغيبة]
[الشبهة الأولى في أن الأئمة على مذهب الإمامية اثنا عشر بدعة]
(اعتراضات للزيدية) قال بعض الزيدية إن الرواية التي دلت على أن الأئمة اثنا عشر قول أحدثه الإمامية قريبا و ولدوا فيه أحاديث كاذبة.
فنقول و بالله التوفيق إن الأخبار في هذا الباب كثيرة و المفزع و الملجأ إلى نقلة الحديث و قد نقل مخالفونا من أصحاب الحديث نقلا مستفيضا من حديث عبد الله بن مسعود
ما حدثنا به أحمد بن الحسن القطان المعروف بأبي علي بن عبد ربه الرازي و هو شيخ كبير لأصحاب الحديث قال حدثنا أبو يزيد محمد بن يحيى بن خلف بن يزيد المروزي بالري في شهر ربيع الأول سنة اثنتين و ثلاثمائة عن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي في سنة ثمان و ثلاثين و مائتين المعروف بإسحاق بن راهويه عن يحيى بن يحيى‏ «1» عن هشام عن مجالد «2» عن الشعبي عن مسروق قال: بينا نحن عند عبد الله بن مسعود نعرض مصاحفنا عليه إذ قال له فتى شاب هل عهد إليكم نبيكم ص كم يكون من بعده خليفة قال إنك لحدث السن و إن هذا شي‏ء ما سألني عنه أحد من قبلك نعم‏
______________________________
(1). هو يحيى بن يحيى بن بكر بن عبد الرحمن التميمى الحنظلى أبو زكريا النيسابوري ثقة. و أما إسحاق بن راهويه فهو أبو يعقوب الحنظلى المروزى المحدث الفقيه، قال ابن حنبل: إسحاق عندنا امام من أئمة المسلمين و ما عبر جسر أفضل منه (راجع تهذيب التهذيب ج 11 ص 296 و ج 1 ص 216).
(2). في بعض النسخ «هشام بن خالد» و في أكثرها «هشام بن مجالد» و في مسند أحمد ج 1 ص 398 هذا الحديث بعينه «عن حماد بن زيد، عن المجالد، عن الشيعى» و عليه فالمراد هشام بن سنبر الدستوائى الذي يأتي، يروى عن مجالد بن سعيد بن عمير أبى عمر و هو كما قال ابن حجر ليس بالقوى. و في كفاية الاثر أيضا «عن هشام الدستوائى، عن مجالد بن سعيد» و هذا هو الصواب لما في طريق الشيخ في كتاب الغيبة «عن عميس بن يونس عن مجالد بن سعيد» و قلنا المراد بهشام أبو بكر البصرى و اسم ابيه «سنبر» و هو ثقة ثبت. و في الخصال «هيثم بن خالد» و هو تصحيف. و أما الشعبى فهو عامر بن شراحيل أبو عمرو، ثقة مشهور فقيه فاضل كما في التقريب. و أما مسروق فهو مسروق بن الاجدع بن مالك الهمداني الوادعى ثقة فقيه عابد.




كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 68
عهد إلينا نبينا ص أنه يكون من بعده اثنا عشر خليفة بعدد نقباء بني إسرائيل ..
و قد أخرجت بعض طرق هذا الحديث في هذا الكتاب و بعضها في كتاب النص على الأئمة الاثني عشر ع بالإمامة و نقل مخالفونا من أصحاب الحديث نقلا ظاهرا مستفيضا من حديث جابر بن سمرة
ما حدثنا به أحمد بن محمد بن إسحاق الدينوري و كان من أصحاب الحديث قال حدثني أبو بكر بن أبي داود «1» عن إسحاق بن إبراهيم بن شاذان عن الوليد بن هشام عن محمد بن ذكوان‏ «2» قال حدثني أبي عن أبيه عن ابن سيرين عن جابر بن سمرة السوائي قال: كنا عند النبي ص فقال يلي هذه الأمة اثنا عشر قال فصرخ الناس فلم أسمع ما قال فقلت لأبي و كان أقرب إلى رسول الله ص مني ما قال رسول الله ص فقال قال كلهم من قريش و كلهم لا يرى مثله ..
و قد أخرجت طرق هذا الحديث أيضا و بعضهم روى اثنا عشر أميرا و بعضهم روى اثنا عشر خليفة فدل ذلك على أن الأخبار التي في يد الإمامية عن النبي ص و الأئمة ع بذكر الأئمة الاثني عشر أخبار صحيحة. «3» قالت الزيدية فان كان رسول الله ص قد عرف أمته أسماء الأئمة الاثني عشر فلم ذهبوا عنه يمينا و شمالا و خبطوا هذا الخبط العظيم فقلنا لهم إنكم تقولون إن رسول الله ص استخلف عليا ع و جعله الإمام بعده و نص عليه و أشار إليه و بين أمره و شهره فما بال أكثر الأمة ذهبت عنه و
______________________________
(1). في الخصال «أبو بكر بن أبي زواد» و لم أظفر به.
(2). في بعض النسخ من الخصال «مخول بن ذكوان» و لم أجده.
(3). روى أحمد في مسنده هذا الحديث و نحوه من أربع و ثلاثين طريقا عن جابر بن سمرة راجع المسند ج 5 ص 87 الى ص 108. و رواه الخطيب أيضا في التاريخ ج 14 ص 353 من حديث جابر بن سمرة و نحوه في ج 6 ص 263 من حديث عبد الله بن عمرو و أخرجه مسلم في صحيحة كتاب الامارة بطرق عديدة من حديث جابر.



كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 69
تباعدت منه حتى خرج من المدينة إلى ينبع‏ «1» و جرى عليه ما جرى فإن قلتم إن عليا ع لم يستخلفه رسول الله ص فلم أودعتم كتبكم ذلك و تكلمتم عليه فإن الناس قد يذهبون عن الحق و إن كان واضحا و عن البيان و إن كان مشروحا كما ذهبوا عن التوحيد إلى التلحيد و من قوله عز و جل‏ ليس كمثله شي‏ء إلى التشبيه.
[الشبهة الثانية حول نص الإمام الصادق ع لابنه إسماعيل و البداء فيه‏]
(اعتراض آخر للزيدية) قالت الزيدية و مما تكذب به دعوى الإمامية إنهم زعموا أن جعفر بن محمد ع نص لهم على إسماعيل و أشار إليه في حياته ثم إن إسماعيل مات في حياته-
فقال: ما بدا لله في شي‏ء كما بدا له في إسماعيل ابني ..
فإن كان الخبر الاثنا عشر صحيحا فكان لا أقل من أن يعرفه جعفر بن محمد ع و يعرف خواص شيعته لئلا يغلط هو و هم هذا الغلط العظيم.
فقلنا لهم بم قلتم إن جعفر بن محمد ع نص على إسماعيل بالإمامة و ما ذلك الخبر و من رواه و من تلقاه بالقبول فلم يجدوا إلى ذلك سبيلا و إنما هذه حكاية ولدها قوم قالوا بإمامة إسماعيل ليس لها أصل لأن الخبر بذكر الأئمة الاثني عشر ع قد رواه الخاص و العام عن النبي ص و الأئمة ع و قد أخرجت ما روي عنهم في ذلك في هذا الكتاب فأما
قوله ما بدا لله في شي‏ء كما بدا له في إسماعيل ابني ..
فإنه يقول ما ظهر لله أمر كما ظهر له في إسماعيل ابني إذ اخترمه في حياتي‏ «2» ليعلم بذلك أنه ليس بإمام بعدي و عندنا من زعم أن الله عز و جل يبدو له اليوم في شي‏ء لم يعلمه أمس فهو كافر و البراءة منه واجبة كما روي عن الصادق ع‏
حدثنا أبي رضي الله عنه عن محمد بن يحيى العطار عن محمد بن أحمد بن يحيى بن عمران الأشعري قال حدثنا أبو عبد الله الرازي عن الحسن بن الحسين‏
______________________________
(1). في بعض النسخ «البقيع».
(2). اخترمه: أهلكه و استأصله.




كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 70
اللؤلؤي عن محمد بن سنان عن عمار عن أبي بصير و سماعة عن أبي عبد الله الصادق ع قال: من زعم أن الله يبدو له في شي‏ء اليوم لم يعلمه أمس فابرءوا منه ..
و إنما البداء الذي ينسب إلى الإمامية القول به هو ظهور أمره يقول العرب بدا لي شخص أي ظهر لي لا بداء ندامة تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
و كيف ينص الصادق ع على إسماعيل بالإمامة مع‏
قوله فيه‏ إنه عاص لا يشبهني و لا يشبه أحدا من آبائي.
حدثنا محمد بن موسى بن المتوكل رضي الله عنه قال حدثنا محمد بن يحيى العطار عن محمد بن أحمد بن يحيى بن عمران الأشعري عن يعقوب بن يزيد عن محمد بن أبي عمير عن الحسن بن راشد قال: سألت أبا عبد الله ع عن إسماعيل فقال عاص لا يشبهني و لا يشبه أحدا من آبائي.
حدثنا الحسن بن أحمد بن إدريس رضي الله عنه قال حدثنا أبي عن محمد بن أحمد عن يعقوب بن يزيد و البرقي عن أحمد بن محمد بن أبي نصر عن حماد عن عبيد بن زرارة قال: ذكرت إسماعيل عند أبي عبد الله ع فقال و الله لا يشبهني و لا يشبه أحدا من آبائي.
حدثنا محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد رضي الله عنه قال حدثنا سعد بن عبد الله عن محمد بن عبد الجبار عن ابن أبي نجران عن الحسين بن المختار عن الوليد بن صبيح قال: جاءني رجل فقال لي تعال حتى أريك ابن الرجل قال فذهبت معه قال فجاء بي إلى قوم يشربون فيهم إسماعيل بن جعفر قال فخرجت مغموما فجئت إلى الحجر فإذا إسماعيل بن جعفر متعلق بالبيت يبكي قد بل أستار الكعبة بدموعه قال فخرجت أشتد فإذا إسماعيل جالس مع القوم فرجعت فإذا هو آخذ بأستار الكعبة قد بلها بدموعه قال فذكرت ذلك لأبي عبد الله ع فقال لقد ابتلي ابني بشيطان يتمثل في صورته.
و قد روي‏ أن الشيطان لا يتمثل في صورة نبي و لا في صورة وصي نبي ..
فكيف يجوز أن ينص عليه بالإمامة مع صحة هذا القول منه فيه.



كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 71
[الشبهة الثالثة حول دفع الإمامة في إسماعيل و بيان الأدلة]
(اعتراض آخر) قالت الزيدية بأي شي‏ء تدفعون إمامة إسماعيل و ما حجتكم على الإسماعيلية القائلين بإمامته قلنا لهم ندفع إمامته بما ذكرنا من الأخبار و بالأخبار الواردة بالنص على الأئمة الاثني عشر ع و بموته في حياة أبيه.
أما الأخبار الواردة بالنص على الأئمة الاثني عشر فقد ذكرناها في هذا الكتاب.
و أما الأخبار الواردة بموته في حياة الصادق ع‏
ما حدثنا به أبي رضي الله عنه قال حدثنا سعد بن عبد الله عن أحمد بن محمد بن عيسى عن الحسن بن سعيد عن فضالة بن أيوب و الحسن بن علي بن فضال عن يونس بن يعقوب عن سعيد بن عبد الله الأعرج قال قال أبو عبد الله ع‏ لما مات إسماعيل أمرت به و هو مسجى أن يكشف عن وجهه فقبلت جبهته و ذقنه و نحره ثم أمرت به فغطي ثم قلت اكشفوا عنه فقبلت أيضا جبهته و ذقنه و نحره ثم أمرتهم فغطوه ثم أمرت به فغسل ثم دخلت عليه و قد كفن فقلت اكشفوا عن وجهه فقبلت جبهته و ذقنه و نحره و عوذته ثم قلت درجوه فقلت بأي شي‏ء عوذته قال بالقرآن ..
قال مصنف هذا الكتاب في هذا الحديث فوائد أحدها الرخصة بتقبيل جبهة الميت و ذقنه و نحره قبل الغسل و بعده إلا أنه من مس ميتا قبل الغسل بحرارته فلا غسل عليه فإن مسه بعد ما يبرد فعليه الغسل و إن مسه بعد الغسل فلا غسل عليه فلو ورد في الخبر أن الصادق ع اغتسل بعد ذلك أو لم يغتسل لعلمنا بذلك أنه مسه قبل الغسل بحرارته أو بعد ما برد.
و للخبر فائدة أخرى و هي أنه قال أمرت به فغسل و لم يقل غسلته و في هذا الحديث أيضا ما يبطل إمامة إسماعيل لأن الإمام لا يغسله إلا إمام إذا حضره‏ «1».
______________________________
(1). فيه نظر لانه يمكن أن يقال الاخبار التي وردت بان الامام لا يغسله الا الامام مع ضعف سندها لا تدل على وجوب المباشرة انما دلالته على أن ولى الامام في التجهيز هو الامام الذي بعده-



كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 72
حدثنا محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد رحمه الله قال حدثنا محمد بن الحسن الصفار عن أيوب بن نوح و يعقوب بن يزيد عن ابن أبي عمير عن محمد بن شعيب عن أبي كهمس قال: حضرت موت إسماعيل و أبو عبد الله ع جالس عنده فلما حضره الموت شد لحييه و غطاه بالملحفة ثم أمر بتهيئته فلما فرغ من أمره دعا بكفنه و كتب في حاشية الكفن إسماعيل يشهد أن لا إله إلا الله.
حدثنا أبي رضي الله عنه قال حدثنا عبد الله بن جعفر الحميري عن إبراهيم بن مهزيار عن أخيه علي بن مهزيار عن محمد بن أبي حمزة عن مرة مولى محمد بن خالد قال: لما مات إسماعيل فانتهى أبو عبد الله ع إلى القبر أرسل نفسه فقعد على جانب القبر لم ينزل في القبر ثم قال هكذا صنع رسول الله ص بإبراهيم ولده.
حدثنا محمد بن الحسن رضي الله عنه قال حدثنا الحسين بن الحسن بن أبان عن الحسين بن سعيد عن القاسم بن محمد عن الحسين بن عمر عن رجل من بني هاشم قال: لما مات إسماعيل خرج إلينا أبو عبد الله ع فتقدم السرير بلا حذاء و لا رداء.
حدثنا أبي رحمه الله قال حدثنا سعد بن عبد الله عن إبراهيم بن مهزيار عن أخيه علي بن مهزيار عن حماد بن عيسى عن جرير عن إسماعيل بن جابر و الأرقط ابن عم أبي عبد الله قال: كان أبو عبد الله ع عند إسماعيل حين قبض فلما رأى الأرقط جزعه قال يا أبا عبد الله قد مات رسول الله ص قال فارتدع ثم قال صدقت أنا لك اليوم أشكر.
حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى العطار رحمه الله قال حدثنا سعد بن عبد الله عن إبراهيم بن هاشم و محمد بن الحسين بن أبي الخطاب عن عمرو بن عثمان الثقفي‏
______________________________
- سواء باشر ذلك بنفسه أو أمر من يفعل باذنه أو برضاه ان غاب، و في التهذيب ج 1 ص 86 و الاستبصار ج 1 ص 207. باب كيفية غسل الميت بطريق صحيح أعلائى عن معاوية بن عمار قال: «أمرنى أبو عبد الله عليه السلام أن أغمز بطنه، ثم أوضيه بالاشنان، ثم اغسل رأسه بالسدر و لحييه، ثم أفيض على جسده منه، ثم أدلك به جسده، ثم أفيض عليه ثلاثا، ثم أغسله بالماء القراح، ثم أفيض عليه الماء بالكافور و بالماء القراح و أطرح فيه سبع ورقات سدر».




كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 73
عن أبي كهمس قال: حضرت موت إسماعيل بن أبي عبد الله ع فرأيت أبا عبد الله ع و قد سجد سجدة فأطال السجود ثم رفع رأسه فنظر إليه قليلا و نظر إلى وجهه قال ثم سجد سجدة أخرى أطول من الأولى ثم رفع رأسه و قد حضره الموت فغمضه و ربط لحييه و غطى عليه ملحفة ثم قام و قد رأيت وجهه و قد دخله منه شي‏ء الله أعلم به قال ثم قام فدخل منزله فمكث ساعة ثم خرج علينا مدهنا مكتحلا عليه ثياب غير الثياب التي كانت عليه و وجهه غير الذي دخل به فأمر و نهى في أمره‏ «1» حتى إذا فرغ منه دعا بكفنه فكتب في حاشية الكفن إسماعيل يشهد أن لا إله إلا الله.
حدثنا أبي رحمه الله قال حدثنا سعد بن عبد الله عن أحمد بن محمد بن عيسى عن محمد بن إسماعيل بن بزيع عن أبي الحسن ظريف بن ناصح عن الحسن بن زيد قال: ماتت ابنة لأبي عبد الله ع فناح عليها سنة ثم مات له ولد آخر فناح عليه سنة ثم مات إسماعيل فجزع عليه جزعا شديدا فقطع النوح قال فقيل لأبي عبد الله ع أصلحك الله أ يناح في دارك فقال إن رسول الله ص قال لما مات حمزة ليبكين [لكن‏] حمزة لا بواكي له‏ «2».
حدثنا محمد بن الحسن رحمه الله قال حدثنا الحسن بن متيل الدقاق قال حدثنا يعقوب بن يزيد عن الحسن بن علي بن فضال عن محمد بن عبد الله الكوفي قال: لما حضرت إسماعيل بن أبي عبد الله الوفاة جزع أبو عبد الله ع جزعا شديدا قال فلما غمضه دعا بقميص غسيل أو جديد فلبسه ثم تسرح و خرج يأمر و ينهى قال فقال له بعض أصحابه جعلت فداك لقد ظننا أن لا ينتفع بك زمانا لما رأينا من جزعك قال إنا أهل بيت نجزع ما لم تنزل المصيبة فإذا نزلت صبرنا.
حدثنا علي بن أحمد بن محمد الدقاق رحمه الله قال حدثنا محمد بن أبي عبد الله الكوفي قال حدثنا محمد بن إسماعيل البرمكي قال حدثنا الحسين بن الهيثم قال‏
______________________________
(1). يعني في تجهيز إسماعيل.
(2). في بعض النسخ «لكن حمزة لا بواكى له».




كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 74
حدثنا عباد بن يعقوب الأسدي قال حدثنا عنبسة بن بجاد العابد قال: لما مات إسماعيل بن جعفر بن محمد و فرغنا من جنازته جلس الصادق جعفر بن محمد ع و جلسنا حوله و هو مطرق ثم رفع رأسه فقال أيها الناس إن هذه الدنيا دار فراق و دار التواء «1» لا دار استواء على أن فراق المألوف حرقة لا تدفع و لوعة لا ترد «2» و إنما يتفاضل الناس بحسن العزاء و صحة الفكر فمن لم يثكل أخاه ثكله أخوه و من لم يقدم ولدا كان هو المقدم دون الولد ثم تمثل ع بقول أبي خراش الهذلي يرثي أخاه-
و لا تحسبي أني تناسيت عهده‏ و لكن صبري يا إمام جميل‏

«3» ..
[الشبهة الرابعة حول اختلاف الشيعة في الأئمة ع بعد الإمام الصادق ع‏]
(اعتراض آخر) قالت الزيدية لو كان خبر الأئمة الاثني عشر صحيحا لما كان الناس يشكون بعد الصادق جعفر بن محمد ع في الإمامة حتى يقول طائفة من الشيعة بعبد الله و طائفة بإسماعيل و طائفة تتحير حتى‏
أن الشيعة منهم من امتحن عبد الله بن الصادق ع فلما لم يجد عنده ما أراد خرج و هو يقول إلى أين إلى المرجئة أم إلى القدرية أم إلى الحرورية و إن موسى بن جعفر سمعه يقول هذا فقال له لا إلى المرجئة و لا إلى القدرية و لا إلى الحرورية و لكن إلي ..
فانظروا من كم وجه يبطل خبر الاثني عشر أحدها جلوس عبد الله للإمامة و الثاني إقبال الشيعة إليه و الثالث حيرتهم عند امتحانه و الرابع أنهم لم يعرفوا أن إمامهم موسى بن جعفر ع حتى دعاهم موسى إلى نفسه و في هذه المدة مات فقيههم‏
زرارة بن أعين و هو يقول و المصحف على صدره اللهم إني أئتم بمن أثبت إمامته هذا المصحف ..
فقلنا لهم إن هذا كله غرور من القول و زخرف و ذلك أنا لم ندع أن‏
______________________________
(1). التواء: الاعوجاج.
(2). اللوعة: حرقة الحزن.
(3). في بعض النسخ «يا أميم جميل» و الاميم هو المضروب على أم رأسه.



كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 75
جميع الشيعة عرف في ذلك العصر الأئمة الاثني عشر ع بأسمائهم و إنما قلنا إن رسول الله ص أخبر أن الأئمة بعده الاثنا عشر الذين هم أمناؤه و أن علماء الشيعة قد رووا هذا الحديث بأسمائهم و لا ينكر أن يكون فيهم واحد أو اثنان أو أكثر لم يسمعوا بالحديث فأما زرارة بن أعين فإنه مات قبل انصراف من كان وفده ليعرف الخبر و لم يكن سمع بالنص على موسى بن جعفر ع من حيث قطع الخبر عذره-
فوضع المصحف الذي هو القرآن على صدره و قال اللهم إني أئتم بمن يثبت هذا المصحف إمامته ..
و هل يفعل الفقيه المتدين عند اختلاف الأمر عليه إلا ما فعله زرارة على أنه قد قيل إن زرارة قد كان علم بأمر موسى بن جعفر ع و بإمامته و إنما بعث ابنه عبيدا ليتعرف من موسى بن جعفر ع هل يجوز له إظهار ما يعلم من إمامته أو يستعمل التقية في كتمانه و هذا أشبه بفضل زرارة بن أعين و أليق بمعرفته.
حدثنا أحمد بن زياد بن جعفر الهمداني رضي الله عنه قال حدثنا علي بن إبراهيم بن هاشم قال حدثني محمد بن عيسى بن عبيد عن إبراهيم بن محمد الهمداني رضي الله عنه قال: قلت للرضا ع يا ابن رسول الله أخبرني عن زرارة هل كان يعرف حق أبيك ع فقال نعم فقلت له فلم بعث ابنه عبيدا ليتعرف الخبر إلى من أوصى الصادق جعفر بن محمد ع فقال إن زرارة كان يعرف أمر أبي ع و نص أبيه عليه و إنما بعث ابنه ليتعرف من أبي ع هل يجوز له أن يرفع التقية في إظهار أمره و نص أبيه عليه و أنه لما أبطأ عنه ابنه طولب بإظهار قوله في أبي ع فلم يحب أن يقدم على ذلك دون أمره فرفع المصحف و قال اللهم إن إمامي من أثبت هذا المصحف إمامته من ولد جعفر بن محمد ع ..
و الخبر الذي احتجت به الزيدية ليس فيه أن زرارة لم يعرف إمامة موسى بن جعفر ع و إنما فيه أنه بعث ابنه عبيدا ليسأل عن الخبر.
حدثنا أبي رحمه الله قال حدثنا محمد بن يحيى العطار عن محمد بن أحمد بن يحيى بن عمران الأشعري عن أحمد بن هلال عن محمد بن عبد الله بن زرارة عن أبيه قال: لما بعث زرارة عبيدا ابنه إلى المدينة ليسأل عن الخبر بعد مضي أبي عبد الله‏



كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 76
ع فلما اشتد به الأمر أخذ المصحف و قال من أثبت إمامته هذا المصحف فهو إمامي ..
و هذا الخبر لا يوجب أنه لم يعرف على أن راوي هذا الخبر أحمد بن هلال‏ «1» و هو مجروح عند مشايخنا رضي الله عنهم.
حدثنا شيخنا محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد رضي الله عنه قال سمعت سعد بن عبد الله يقول‏ ما رأينا و لا سمعنا بمتشيع رجع عن التشيع إلى النصب إلا أحمد بن هلال و كانوا يقولون إن ما تفرد بروايته أحمد بن هلال فلا يجوز استعماله و قد علمنا أن النبي و الأئمة ص‏ لا يشفعون إلا لمن ارتضى‏ الله دينه و الشاك في الإمام على غير دين الله و قد ذكر موسى بن جعفر ع أنه سيستوهبه من ربه يوم القيامة.
حدثنا محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد رضي الله عنه قال حدثنا محمد بن الحسن الصفار عن محمد بن أبي الصهبان عن منصور بن العباس عن مروك بن عبيد عن درست بن أبي منصور الواسطي عن أبي الحسن موسى بن جعفر ع قال: ذكر بين يديه زرارة بن أعين فقال و الله إني سأستوهبه من ربي يوم القيامة فيهبه لي ويحك إن زرارة بن أعين أبغض عدونا في الله و أحب ولينا في الله.
حدثنا أبي و محمد بن الحسن رضي الله عنهما قالا حدثنا أحمد بن إدريس و محمد بن يحيى العطار جميعا عن محمد بن أحمد عن يعقوب بن يزيد عن ابن أبي عمير عن أبي العباس الفضل بن عبد الملك عن أبي عبد الله ع أنه قال: أربعة أحب الناس إلي أحياء و أمواتا بريد العجلي و زرارة بن أعين و محمد بن مسلم و الأحول‏ «2» أحب الناس إلي أحياء و أمواتا ..
فالصادق ع لا يجوز أن يقول لزرارة إنه من أحب الناس إليه و هو لا يعرف إمامه موسى بن جعفر ع.
______________________________
(1). هو أحمد بن هلال العبرتائى وردت فيه ذموم عن الامام العسكري عليه السلام كما في (كش).
(2). يعني محمد بن النعمان البجلي مؤمن الطاق.



كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 77
[الشبهة الخامسة في عدم جواز كون الأئمة اثنا عشر على مقالة الأنبياء]
(اعتراض آخر) قالت الزيدية لا يجوز أن يكون من قول الأنبياء إن الأئمة اثنا عشر لأن الحجة باقية على هذه الأمة إلى يوم القيامة و الاثنا عشر بعد محمد ص قد مضى منهم أحد عشر و قد زعمت الإمامية أن الأرض لا تخلو من حجة.
فيقال لهم إن عدد الأئمة ع اثنا عشر و الثاني عشر هو الذي يملأ الأرض قسطا و عدلا ثم يكون بعده ما يذكره من كون إمام بعده أو قيام القيامة و لسنا مستعبدين في ذلك إلا بالإقرار باثني عشر إماما و اعتقاد كون ما يذكره الثاني عشر ع بعده.
حدثنا محمد بن إبراهيم بن إسحاق رضي الله عنه قال حدثنا عبد العزيز بن يحيى قال حدثنا إبراهيم بن فهد عن محمد بن عقبة عن حسين بن الحسن عن إسماعيل بن عمر عن عمر بن موسى الوجيهي‏ «1» عن المنهال بن عمرو عن عبد الله بن الحارث قال: قلت لعلي ع يا أمير المؤمنين أخبرني بما يكون من الأحداث بعد قائمكم قال يا ابن الحارث ذلك شي‏ء ذكره موكول إليه و إن رسول الله ص عهد إلي أن لا أخبر به إلا الحسن و الحسين ع.
حدثنا محمد بن إبراهيم بن إسحاق رحمة الله عليه قال حدثنا عبد العزيز بن يحيى الجلودي عن الحسين بن معاذ عن قيس بن حفص عن يونس بن أرقم عن أبي سنان الشيباني‏ «2» عن الضحاك بن مزاحم عن النزال بن سبرة عن أمير المؤمنين ع‏ في‏
______________________________
(1). عمر بن موسى الوجيهى زيدى له كتاب قراءة زيد بن علي عليه السلام و قال: سمعت زيد ابن على يقول: هذا قراءة أمير المؤمنين عليه السلام.
(2). اما الحسين بن معاذ فالظاهر هو الحسين بن معاذ بن خليف البصرى الذي ذكره ابن حبان في الثقات، و أما قيس بن حفص فالظاهر هو قيس بن حفص بن القعقاع التميمى الدارمي مولاهم أبو محمد البصرى المتوفى 227 الذي ذكره ابن حبان في الثقات أيضا.
و أما يونس بن أرقم فلم أجد من ذكره، و أما أبو سنان الشيباني المصحف في نسخ الكتاب بابى سيار فهو سعيد بن سنان البرجمى الشيباني الكوفي الذي ذكره ابن حبان في الثقات و قال كان عابدا فاضلا انتهى، يروى عن ضحاك بن مزاحم الهلالى أبى القاسم و يقال أبو محمد-




كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 78
حديث يذكر فيه أمر الدجال و يقول في آخره لا تسألوني عما يكون بعد هذا فإنه عهد إلي حبيبي ع أن لا أخبر به غير عترتي قال النزال بن سبرة فقلت لصعصعة بن صوحان ما عنى أمير المؤمنين بهذا القول فقال صعصعة يا ابن سبرة إن الذي يصلي عيسى ابن مريم خلفه هو الثاني عشر من العترة التاسع من ولد الحسين بن علي ع و هو الشمس الطالعة من مغربها يظهر عند الركن و المقام فيطهر الأرض و يضع الميزان بالقسط فلا يظلم أحد أحدا فأخبر أمير المؤمنين ع أن حبيبه رسول الله ص عهد إليه أن لا يخبر بما يكون بعد ذلك غير عترته الأئمة ..
و يقال للزيدية أ فيكذب رسول الله ص في قوله إن الأئمة اثنا عشر فإن قالوا إن رسول الله ص لم يقل هذا القول قيل لهم إن جاز لكم دفع هذا الخبر مع شهرته و استفاضته و تلقي طبقات الإمامية إياه بالقبول فما أنكرتم ممن يقول إن‏
قول رسول الله ص‏ من كنت مولاه.
ليس من قول الرسول ع.
________________________________________
ابن بابويه، محمد بن على،


كمال الدين و تمام النعمة، 2جلد، اسلاميه - تهران، چاپ: دوم، 1395ق.




كمال الدين و تمام النعمة ؛ ج‏1 ؛ ص78
[الشبهة السادسة في اختلاف الإمامية حول الإمام بعد الحسن العسكري ع‏]
(اعتراض آخر) قالت الزيدية اختلفت الإمامية في الوقت الذي مضى فيه الحسن بن علي ع فمنهم من زعم أن ابنه كان ابن سبع سنين و منهم من قال أنه كان صبيا «1» أو رضيعا و كيف كان فإنه في هذه الحال لا يصلح للإمامة و رئاسة الأمة و أن يكون خليفة الله في بلاده و قيمه في عباده و فئة المسلمين إذا عضتهم الحروب و مدبر جيوشهم و المقاتل عنهم و الذاب عن حوزتهم و الدافع عن حريمهم لأن الصبي الرضيع و الطفل لا يصلحان لمثل هذه الأمور و لم تجر العادة فيما سلف قديما و حديثا أن تلقى الأعداء بالصبيان و من لا يحسن الركوب و لا يثبت على السرج و لا يعرف كيف يصرف العنان و لا ينهض‏
______________________________
- قال عبد الله بن أحمد: ثقة مأمون و قال ابن معين و كذا أبو زرعة: ثقة. و هو يروى عن النزال ابن سبرة- بفتح المهملة و سكون الموحدة- الهلالى و هو كوفي تابعي من كبار التابعين ذكره ابن حبان في الثقات كما في التهذيب.
(1). في بعض النسخ «جنينا».



كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 79
بحمل الحمائل و لا بتصريف القناة و لا يمكنه الحمل على الأعداء في حومة الوغى فإن أحد أوصاف الإمام أن يكون أشجع الناس الجواب يقال لمن خطب بهذه الخطبة إنكم نسيتم كتاب الله عز و جل و لو لا ذلك لم ترموا الإمامية بأنهم لا يحفظون كتاب الله و قد نسيتم قصة عيسى ع و هو في المهد حين يقول‏ إني عبد الله آتاني الكتاب و جعلني نبيا و جعلني مباركا أين ما كنت‏ الآية «1» أخبرونا لو آمن به بنو إسرائيل ثم حزبهم أمر من العدو «2» كيف كان يفعل المسيح ع و كذلك القول في يحيى ع و قد أعطاه الله الحكم صبيا فإن جحدوا ذلك فقد جحدوا كتاب الله و من لم يقدر على دفع خصمه إلا بعد أن يجحد كتاب الله فقد وضح بطلان قوله.
و نقول في جواب هذا الفصل إن الأمر لو أفضى بأهل هذا العصر إلى ما وصفوا لنقض الله العادة فيه و جعله رجلا بالغا كاملا فارسا شجاعا بطلا قادرا على مبارزة الأعداء و الحفظ لبيضة الإسلام و الدفع عن حوزتهم و هذا جواب لبعض الإمامية على أبي القاسم البلخي.
[الشبهة السابعة في التشكيك حول صحة نسب الإمام المهدي ع‏]
(اعتراض آخر) قالت الزيدية قد شك الناس في صحة نسب هذا المولود إذ أكثر الناس يدفعون أن يكون للحسن بن علي ع ولد.
فيقال لهم قد شك بنو إسرائيل في المسيح و رموا مريم بما قالوا لقد جئت شيئا فريا «3» فتكلم المسيح ببراءة أمه ع فقال‏ إني عبد الله آتاني الكتاب‏
______________________________
(1). مريم: 32.
(2). حزبه أمر أي أصابه.
(3). مريم: 28. و قوله «فريا» أي عظيما بديعا أو قبيحا منكرا، من الافتراء و هو الكذب.




كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 80
و جعلني نبيا فعلم أهل العقول أن الله عز و جل لا يختار لأداء الرسالة مغمور النسب و لا غير كريم المنصب كذلك الإمام ع إذا ظهر كان معه من الآيات الباهرات و الدلائل الظاهرات ما يعلم به أنه بعينه دون الناس هو خلف الحسن بن علي ع.
قال بعضهم ما الدليل على أن الحسن بن علي ع توفي قيل له الأخبار التي وردت في موته هي أوضح و أشهر و أكثر من الأخبار التي وردت في موت أبي الحسن موسى بن جعفر ع لأن أبا الحسن ع مات في يد الأعداء و مات أبو محمد الحسن بن علي ع في داره على فراشه و جرى في أمره ما قد أوردت الخبر به مسندا في هذا الكتاب.
فقال قائل منهم فهلا دلكم تنازع أم الحسن و جعفر في ميراثه أنه لم يكن له ولد لأنا بمثل هذا نعرف من يموت و لا عقب له أن لا يظهر ولده و يقسم ميراثه بين ورثته فقيل له هذه العادة مستفيضة و ذلك أن تدبير الله في أنبيائه و رسله و خلفائه ربما جرى على المعهود المعتاد و ربما جرى بخلاف ذلك فلا يحمل أمرهم في كل الأحوال على العادات كما لا يحمل أمر المسيح ع على العادات.
قال فإن جاز له أن يشك‏ «1» في هذا لم لا يجوز أن نشك في كل من يموت و لا عقب له ظاهر.
قيل له لا نشك في أن الحسن ع كان له خلف من عقبه بشهادة من أثبت له ولدا من فضلاء ولد الحسن و الحسين ع و الشيعة الأخيار لأن الشهادة التي يجب قبولها هي شهادة المثبت لا شهادة النافي و إن كان عدد النافين أكثر من عدد المثبتين و وجدنا لهذا الباب فيما مضى مثالا و هو قصة موسى ع لأن الله سبحانه لما أراد أن ينجي بني إسرائيل من العبودية و يصير دينه على يديه غضا طريا أوحى إلى أمه‏ فإذا خفت عليه فألقيه في اليم و لا تخافي و لا تحزني إنا رادوه إليك و جاعلوه من المرسلين‏ «2» فلو أن أباه عمران مات في ذلك الوقت لما كان الحكم في ميراثه إلا كالحكم في ميراث‏
______________________________
(1). في بعض النسخ «فان جاز لنا أن نشك».
(2). القصص: 7.



كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 81
الحسن ع و لم يكن في ذلك دلالة على نفي الولد.
و خفي على مخالفينا فقالوا إن موسى في ذلك الوقت لم يكن بحجة و الإمام عندكم حجة و نحن إنما شبهنا الولادة و الغيبة بالولادة و الغيبة و غيبة يوسف ع أعجب من كل عجب لم يقف على خبره أبوه و كان بينهما من المسافة ما يجب أن لا ينقطع لو لا تدبير الله عز و جل في خلقه أن ينقطع خبره عن أبيه و هؤلاء إخوته دخلوا عليه‏ فعرفهم و هم له منكرون‏ و شبهنا أمر حياته بقصة أصحاب الكهف فإنهم‏ لبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين و ازدادوا تسعا و هم أحياء.
فإن قال قائل إن هذه أمور قد كانت و لا دليل معنا على صحة ما تقولون قيل له أخرجنا بهذه الأمثلة أقوالنا من حد الإحالة إلى حد الجواز و أقمنا الأدلة على صحة قولنا بأن الكتاب لا يزال معه من عترة الرسول ص من يعرف حلاله و حرامه و محكمه و متشابهه و بما أسندناه في هذا الكتاب من الأخبار عن النبي و الأئمة ص.
فإن قال فكيف التمسك به و لا نهتدي إلى مكانه و لا يقدر أحد على إتيانه قيل له نتمسك بالإقرار بكونه و بإمامته و بالنجباء الأخيار و الفضلاء الأبرار القائلين بإمامته المثبتين لولادته و ولايته المصدقين للنبي و الأئمة ع في النص عليه باسمه و نسبه من أبرار شيعته العالمين بالكتاب و السنة العارفين بوحدانية الله تعالى ذكره النافين عنه شبه المحدثين المحرمين للقياس المسلمين لما يصح وروده عن النبي و الأئمة ع.
فإن قال قائل فإن جاز أن يكون نتمسك بهؤلاء الذين وصفتهم و يكون تمسكنا بهم تمسكا بالإمام الغائب فلم لا يجوز أن يموت رسول الله ص و لا يخلف أحدا فيقتصر أمته على حجج العقول و الكتاب و السنة قيل له ليس الاقتراح على الله عز و جل علينا و إنما علينا فعل ما نؤمر به و قد دلت الدلائل على فرض طاعة هؤلاء الأئمة الأحد عشر ع الذين مضوا و وجب القعود معهم إذا قعدوا و النهوض معهم إذا نهضوا و



كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 82
الإسماع منهم إذا نطقوا فعلينا أن نفعل في كل وقت ما دلت الدلائل على أن علينا أن نفعله.
[الشبهة الثامنة في صحة اعتراض الواقفة على الإمامية في قولهم موت الإمام الكاظم ع بالعرف و العادة]
(اعتراض آخر لبعضهم) قال بعض الزيدية فإن للواقفة و لغيرهم أن يعارضوكم في ادعائكم أن موسى بن جعفر ع مات و أنكم وقفتم على ذلك بالعرف و العادة و المشاهدة و ذلك أن الله عز و جل قد أخبر في شأن المسيح ع فقال‏ و ما قتلوه و ما صلبوه و لكن شبه لهم‏ و كان عند القوم في حكم المشاهدة و العادة الجارية أنهم قد رأوه مصلوبا مقتولا فليس بمنكر مثل ذلك في سائر الأئمة الذين قال بغيبتهم طائفة من الناس.
الجواب يقال لهم ليس سبيل الأئمة ع في ذلك سبيل عيسى ابن مريم ع و ذلك أن عيسى ابن مريم ادعت اليهود قتله فكذبهم الله تعالى ذكره بقوله‏ و ما قتلوه و ما صلبوه و لكن شبه لهم‏ «1» و أئمتنا ع لم يرد في شأنهم الخبر عن الله أنهم شبهوا و إنما قال ذلك قوم من طوائف الغلاة
و قد أخبر النبي ص بقتل أمير المؤمنين ع بقوله‏ إنه ستخضب هذه من هذا ..
يعني لحيته من دم رأسه و أخبر من بعده من الأئمة ع بقتله و كذلك الحسن و الحسين ع قد أخبر النبي ص عن جبرئيل بأنهما سيقتلان و أخبرا عن أنفسهما بأن ذلك سيجري عليهما و أخبر من بعدهما من الأئمة ع بقتلهما و كذلك سبيل كل إمام بعدهما من علي بن الحسين إلى الحسن بن علي العسكري ع قد أخبر الأول بما يجري على من بعده و أخبر من بعده بما جرى على من قبله فالمخبرون بموت الأئمة ع هم النبي و الأئمة ع واحد بعد واحد و المخبرون بقتل عيسى ع كانت اليهود فلذلك قلنا إن ذلك جرى عليهم على الحقيقة و الصحة لا على الحسبان و الحيلولة و لا على الشك و الشبهة لأن الكذب على المخبرين بموتهم غير جائز لأنهم معصومون و هو على اليهود جائز.
______________________________
(1). النساء: 156.



كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 83
شبهات من المخالفين و دفعها-
قال مخالفونا إن العادات و المشاهدات تدفع قولكم بالغيبة فقلنا إن البراهمة «1» تقدر أن تقول مثل ذلك في آيات النبي ص و تقول للمسلمين إنكم بأجمعكم لم تشاهدوها فلعلكم قلدتم من لم يجب تقليده أو قبلتم خبرا لم يقطع العذر و من أجل هذه المعارضة قالت عامة المعتزلة على ما يحكى عنهم أنه لم تكن للرسول ص معجزة غير القرآن فأما من اعترف بصحة الآيات التي هي غير القرآن احتاج إلى أن يطلق الكلام في جواز كونها بوصف الله تعالى ذكره بالقدرة عليها ثم في صحة وجود كونها على أمور قد وقفنا عليها و هي غير كثيرة الرواة.
فقالت الإمامية فارضوا منا بمثل ذلك و هو أن نصحح هذه الأخبار التي تفردنا بنقلها عن أئمتنا ع بأن تدل على جواز كونها بوصف الله تعالى ذكره بالقدرة عليها و صحة كونها بالأدلة العقلية و الكتابية و الأخبار المروية المقبولة عند نقلة العامة.
قال الجدلي فنقول إنه ليس بإزائنا جماعة تروي عن نبينا ص ضد ما نروي مما يبطله و يناقضه أو يدعون أن أولنا ليس كآخرنا فيقال له ما أنكرت من برهمي قال لك إن العادات و المشاهدات و الطبيعيات تمنع أن يتكلم ذراع مسموم مشوي و تمنع من انشقاق القمر و أنه لو انشق القمر و انفلق لبطل نظام العالم.
و أما قوله ليس بإزائهم من يدفع أن أولنا ليس كآخرنا فإنه يقال له إنكم تدفعون عن ذلك أشد الدفع و لو شهد هذه الآيات الخلق الكثير لكان حكمه حكم القرآن فقد بان أن الجدلي مستعمل للمغالطة مستفرق فيما لم يستفرق.
قال الجدلي أ و تدفعونا عن قولنا إنه كان لنبينا ص من الأتباع في حياته و بعد وفاته جماعة لا يحصرهم العدد يروون آياته و يصححونها فيقال له إن جماعة لم يحصرهم العدد قد عاينوا آيات رسول الله ص التي هي تظليل الغمامة و كلام الذراع‏
______________________________
(1). البراهمة قوم لا يجوزون على الله تعالى بعثة الرسل.



كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 84
المسمومة و حنين الجذع و ما في بابه و لكن هذه عامة الأمة تقول إن هذه آيات رواها نفر يسير في الأصل فلم ادعيت أن أحدا لا يدفعك عن هذه الدعوى.
قال الجدلي و لما كان هذا هكذا كانت أخبارنا عن آيات نبينا ص كالأخبار عن آيات موسى و الأخبار عن آيات المسيح التي ادعتها النصارى لها و من أجلها ما ادعوا و كأخبار المجوس و البراهمة عن أيام آبائهم و أسلافهم.
قلنا قد عرفنا أن البراهمة تزعم أن لآبائهم و أسلافهم أمثالا موجودة و نظائر مشاهدة فلذلك قبلوه على طريق الإقناع و ليس هذا مما تنكره و إنما عرفناه للوجه الذي من أجله عورض بما عورض به فليكن من وراء الفصل من حيث طولب‏ «1».
قال الجدلي و بإزاء هذه الفرقة من القطعية جماعات تفضلها و جماعات في مثل حالها تروي عمن يسندون إليه الخبر خبرهم في النص ضد ما يروون.
فيقال له و من هذه الجماعات التي تفضلها و أين هم في ديار الله و أين يسكنون من بلاد الله أ و ما وجب عليك أن تعلم أن كتابك يقرأ و من ليس من أهل الصناعة يعلم استعمالك للمغالطة.
قال الجدلي و ما كنت أحسب أن امرءا مسلما تسمح نفسه بأن يجعل الأخبار عن آيات رسول الله ص عروضا «2» للأخبار في غيبة ابن الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر ع و يدعي تكافؤ التواتر فيهما و الله المستعان‏ فيقال له إنا قد بينا الوجه الذي من أجله ادعينا التساوي في هذا الباب و عرفناك أن الذي نسميه الخبر المتواتر هو الذي يرويه ثلاثة أنفس فما فوقهم و أن الأخبار عن آيات رسول الله ص في الأصل إنما يرويها العدد القليل و المحنة «3» بيننا و بينك أن نرجع إلى أصحاب الحديث فنطلب منهم من روى انشقاق القمر و كلام الذراع المسمومة و ما يجانس ذلك من آياته فإن أمكنه أن يروي كل آية من هذه الآيات عن عشرة أنفس من أصحاب رسول الله ص عاينوا أو شاهدوا فالقول قوله و إلا فإن الموافق‏
______________________________
(1). في بعض النسخ «فليكن من ذكر الفضل- الخ».
(2). العروض من الكلام فحواه. يقال: «هذه المسألة عروض هذه» أي نظيره.
(3). في بعض النسخ «و المجنة» و هي الترس.



كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 85
ادعى التكافؤ فيما هما مثلان و نظيران و مشبهان و الحمد لله.
و أقول و بالله التوفيق إنا قد استعبدنا بالإقرار بعصمة الإمام كما استعبدنا بالقول به و العصمة ليست في ظاهر الخليقة فترى و تشاهد و لو أقررنا بإمامة إمام و أنكرنا أن يكون معصوما لم نكن أقررنا به فإذا جاز أن نكون مستعبدين من كل إمام بالإقرار بشي‏ء غائب عن أبصارنا فيه جاز أن نستعبد بالإقرار بإمامة إمام غائب عن أبصارنا لضرب من ضروب الحكمة يعلمه الله تبارك و تعالى اهتدينا إلى وجهه أو لم نهتد و لا فرق.
و أقول أيضا إن حال إمامنا ع اليوم في غيبته حال النبي ص في ظهوره و ذلك أنه ع لما كان بمكة لم يكن بالمدينة و لما كان بالمدينة لم يكن بمكة و لما سافر لم يكن بالحضر و لما حضر لم يكن في السفر و كان ع في جميع أحواله حاضرا بمكان غائبا عن غيره من الأماكن و لم تسقط حجته ص عن أهل الأماكن التي غاب عنها فهكذا الإمام ع لا تسقط حجته و إن كان غائبا عنا كما لم تسقط حجة النبي ص عمن غاب عنه و أكثر ما استعبد به الناس من شرائط الإسلام و شرائعه فهو مثل ما استعبدوا به من الإقرار بغيبة الإمام و ذلك أن الله تبارك و تعالى مدح المؤمنين على إيمانهم بالغيب قبل مدحه لهم على إقامة الصلاة و إيتاء الزكاة و الإيمان بسائر ما أنزل الله عز و جل على نبيه و على من قبله من الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين و بالآخرة فقال‏ هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب و يقيمون الصلاة و مما رزقناهم ينفقون و الذين يؤمنون بما أنزل إليك و ما أنزل من قبلك و بالآخرة هم يوقنون أولئك على هدى من ربهم و أولئك هم المفلحون‏ «1» و إن النبي ص كان يكون بين أصحابه فيغمى عليه و هو يتصاب عرقا فإذا أفاق قال قال الله عز و جل كذا و كذا أمركم بكذا و نهاكم عن كذا و أكثر مخالفينا يقولون إن ذلك كان يكون عند نزول جبرئيل ع عليه-
فسئل الصادق ع عن الغشية التي كانت تأخذ النبي ص أ كانت تكون عند هبوط جبرئيل ع فقال لا إن جبرئيل كان إذا أتى النبي ص لم يدخل عليه حتى يستأذنه و إذا دخل عليه قعد بين يديه قعدة العبد و إنما ذلك عند
______________________________
(1). البقرة: 3 و 4 و 5.




كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 86
مخاطبة الله عز و جل إياه بغير ترجمان و واسطة.
حدثنا بذلك الحسن بن أحمد بن إدريس رضي الله عنه عن أبيه عن جعفر بن محمد بن مالك عن محمد بن الحسين بن زيد «1» عن الحسين بن علوان عن عمرو بن ثابت عن الصادق جعفر بن محمد ع‏ فالناس لم يشاهدوا الله تبارك و تعالى يناجي رسول الله ص و يخاطبه و لا شاهدوا الوحي و وجب عليهم الإقرار بالغيب الذي لم يشاهدوه و تصديق رسول الله ص في ذلك و قد أخبرنا الله عز و جل في محكم كتابه إنه ليس منا أحد يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد «2» و قال عز و جل‏ و إن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون‏ «3» و نحن لم نرهم و لم نشاهدهم و لو لم نوقع التصديق بذلك لكنا خارجين من الإسلام رادين على الله تعالى ذكره قوله و قد حذرنا الله تبارك و تعالى من فتنة الشيطان فقال‏ يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة «4» و نحن لا نراه و يجب علينا الإيمان بكونه و الحذر منه و قال النبي ص في ذكر المساءلة في القبر إنه إذا سئل الميت فلم يجب بالصواب ضربه منكر و نكير ضربة من عذاب الله ما خلق الله من دابة إلا تذعر «5» لها ما خلا الثقلين و نحن لا نرى شيئا من ذلك و لا نشاهده و لا نسمعه و أخبرنا عنه ع أنه عرج به إلى السماء و نحن لم نر شيئا من ذلك و لا نشاهده و لا نسمعه و أخبرنا ع من زار أخاه في الله عز و جل شيعه سبعون ألف ملك يقولون ألا طبت و طابت لك الجنة و نحن لا نراهم و لا نسمع كلامهم و لو لم نسلم الأخبار الواردة في مثل ذلك و فيما يشبهه من أمور الإسلام لكنا كافرين بها خارجين من الإسلام ..
______________________________
(1). هو أبو جعفر الزيات. و في بعض النسخ «محمد بن الحسين بن يزيد» و لم أجده.
(2). ق: 18. و الآية هكذا «ما يلفظ من قول‏- الآية».
(3). الانفطار: 11- 13.
(4). الأعراف: 27.
(5). أي تفزع. و ذعرته ذعرا: أفزعته، و قد ذعر فهو مذعور.



كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 87
مناظرة المؤلف مع ملحد عند ركن الدولة
و لقد كلمني بعض الملحدين في مجلس الأمير السعيد ركن الدولة رضي الله عنه فقال لي وجب على إمامكم أن يخرج فقد كاد أهل الروم يغلبون على المسلمين فقلت له إن أهل الكفر كانوا في أيام نبينا ص أكثر عددا منهم اليوم و قد أسر ع أمره و كتمه أربعين سنة بأمر الله جل ذكره و بعد ذلك أظهره لمن وثق به و كتمه ثلاث سنين عمن لم يثق به ثم آل الأمر إلى أن تعاقدوا على هجرانه و هجران جميع بني هاشم و المحامين عليه لأجله فخرجوا إلى الشعب و بقوا فيه ثلاث سنين فلو أن قائلا قال في تلك السنين لم لا يخرج محمد ص فإنه واجب عليه الخروج لغلبة المشركين على المسلمين ما كان يكون جوابنا له‏
إلا أنه ع بأمر الله تعالى ذكره خرج إلى الشعب حين خرج و بإذنه غاب‏ «1» و متى أمره بالظهور و الخروج خرج و ظهر لأن النبي ص بقي في الشعب هذه المدة حتى أوحى الله عز و جل إليه أنه قد بعث أرضة على الصحيفة المكتوبة بين قريش في هجران النبي ص و جميع بني هاشم المختومة بأربعين خاتما المعدلة «2» عند زمعة بن الأسود فأكلت ما كان فيها من قطيعة رحم و تركت ما كان فيها من اسم الله عز و جل فقام أبو طالب فدخل مكة فلما رأته قريش قدروا أنه قد جاء ليسلم إليهم النبي ص حتى يقتلوه أو يرجعوه عن نبوته فاستقبلوه و عظموه فلما جلس قال لهم يا معشر قريش إن ابن أخي محمد [محمدا] لم أجرب عليه كذبا قط و إنه قد أخبرني أن ربه أوحى إليه أنه قد بعث على الصحيفة المكتوبة بينكم الأرضة فأكلت ما كان فيها من قطيعة رحم و تركت ما كان فيها من أسماء الله عز و جل فأخرجوا الصحيفة و فكوها فوجدوها كما قال فآمن بعض و بقي بعض على كفره و رجع النبي ع و بنو هاشم إلى مكة ..
هكذا الإمام ع إذا أذن الله له في الخروج خرج و شي‏ء آخر و هو أن الله تعالى ذكره أقدر على أعدائه الكفار من الإمام فلو أن قائلا قال لم يمهل الله أعداءه و لا يبيدهم و هم يكفرون به و يشركون لكان جوابنا له‏
______________________________
(1). مثل قوله تعالى: «و اهجرهم هجرا جميلا»
(2). كذا، و لعل الصواب «المحفوظة» أو «المودعة».



كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 88
أن الله تعالى ذكره لا يخاف الفوت فيعاجلهم بالعقوبة و لا يسئل عما يفعل و هم يسئلون‏ و لا يقال له لم و لا كيف و هكذا إظهار الإمام إلى الله الذي غيبه فمتى أراده أذن فيه فظهر.
فقال الملحد لست أومن بإمام لا أراه و لا تلزمني حجته ما لم أره فقلت له يجب أن تقول إنه لا تلزمك حجة الله تعالى ذكره لأنك لا تراه و لا تلزمك حجة الرسول ع لأنك لم تره.
فقال للأمير السعيد ركن الدولة رضي الله عنه أيها الأمير راع ما يقول هذا الشيخ فإنه يقول إن الإمام إنما غاب و لا يرى لأن الله عز و جل لا يرى فقال له الأمير رحمه الله لقد وضعت كلامه غير موضعه و تقولت عليه و هذا انقطاع منك و إقرار بالعجز.
و هذا سبيل جميع المجادلين لنا في أمر صاحب زماننا ع ما يلفظون في دفع ذلك و جحوده إلا بالهذيان و الوساوس و الخرافات المموهة.
[إجوبة أبي سهل النوبختي عن شبهات المخالفين‏]
و ذكر أبو سهل إسماعيل بن علي النوبختي‏ «1» في آخر كتاب التنبيه و كثيرا ما يقول خصومنا لو كان ما تدعون من النص حقا لادعاه علي ع بعد مضي النبي ص.
فيقال لهم كيف يدعيه فيقيم نفسه مقام مدع يحتاج إلى شهود على صحة دعواه و هم لم يقبلوا قول النبي ع فكيف يقبلون دعواه لنفسه و تخلفه عن بيعة
______________________________
(1). هو إسماعيل بن علي بن إسحاق بن أبي سهل بن نوبخت، كان شيخ المتكلمين من أصحابنا الإمامية ببغداد و وجههم، متقدم النوبختيين في زمانه، له جلالة في الدين و الدنيا. يجرى مجرى الوزراء، صنف كتبا كثيرة جملة منها في الرد على أرباب المقالات الفاسدة، و له كتاب الأنوار في تواريخ الأئمة الاطهار (ع). رأى مولانا الحجة عليه السلام عند وفاة أبيه الحسن بن علي عليهما السلام، و له احتجاج على الحلاج صار ذلك سببا لفضيحة الحلاج و خذلانه. (الكنى و الألقاب للمحدث القمي ره).



كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 89
أبي بكر و دفنه فاطمة ع من غير أن يعرفهم جميعا خبرها حتى دفنها سرا أدل دليل على أنه لم يرض بما فعلوه.
فإن قالوا فلم قبلها بعد عثمان قيل لهم أعطوه بعض ما وجب له فقبله و كان في ذلك مثل النبي ص حين قبل المنافقين و المؤلفة قلوبهم.
و ربما قال خصومنا إذا عضهم الحجاج‏ «1» و لزمتهم الحجة في أنه لا بد من إمام منصوص عليه عالم بالكتاب و السنة مأمون عليهما لا ينساهما و لا يغلط فيهما و لا تجوز مخالفته واجب الطاعة بنص الأول عليه فمن هو هذا الإمام سموه لنا و دلونا عليه.
فيقال لهم هذا كلام في الأخبار و هو انتقال من الموضع الذي تكلمنا فيه لأنا إنما تكلمنا فيما توجبه العقول إذا مضى النبي ع و هل يجوز أن لا يستخلف و ينص على إمام بالصفة التي ذكرناها فإذا ثبت ذلك بالأدلة فعلينا و عليهم التفتيش عن عين الإمام في كل عصر من قبل الأخبار و نقل الشيعة النص على علي ع و هم الآن من الكثرة و اختلاف الأوطان و الهمم على ما هم عليه يوجب العلم و العمل لا سيما و ليس بإزائهم فرقة تدعي النص لرجل بعد النبي ص غير علي ع فإن عارضونا بما يدعيه أصحاب زرادشت‏ «2» و غيرهم من المبطلين قيل لهم هذه المعارضة تلزمكم في آيات النبي ص فإذا انفصلتم بشي‏ء فهو فصلنا لأن صورة الشيع في هذا الوقت كصورة المسلمين في الكثرة فإنهم لا يتعارفون و إن أسلافهم يجب أن يكونوا كذلك‏ «3» بل أخبار الشيعة أوكد لأنه ليس معهم دولة و لا سيف و لا رهبة و لا رغبة و إنما تنقل الأخبار الكاذبة لرغبة أو رهبة أو حمل عليها بالدول و ليس في أخبار الشيعة شي‏ء من ذلك و إذا صح بنقل الشيعة النص من النبي ص على علي ع صح بمثل ذلك نقلها النص من علي على الحسن و من الحسن على الحسين ثم على إمام إمام إلى الحسن بن علي ثم‏
______________________________
(1). عض الرجل بصاحبه يعض عضيضا أي لزمه (الصحاح).
(2). كناية عن المخالفين للحق. و زرادشت رئيس مذهب المجوس.
(3). في بعض النسخ «و ان اسلامهم يجب أن يكون كذلك».



كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 90
على الغائب الإمام بعده ع لأن رجال أبيه الحسن ع الثقات كلهم قد شهدوا له بالإمامة و غاب ع لأن السلطان طلبه طلبا ظاهرا و وكل بمنازله و حرمه سنتين.
فلو قلت إن غيبة الإمام ع في هذا العصر من أدل الأدلة على صحة الإمامة قلت صدقا لصدق الأخبار المتقدمة في ذلك و شهرتها.
و قد ذكر بعض الشيعة ممن كان في خدمة الحسن بن علي ع و أحد ثقاته أن السبب بينه و بين ابن الحسن بن علي ع متصل و كان يخرج من كتبه و أمره و نهيه على يده إلى شيعته إلى أن توفي و أوصى إلى رجل من الشيعة مستور فقام مقامه في هذا الأمر.
و قد سألونا في هذه الغيبة «1» و قالوا إذا جاز أن يغيب الإمام ثلاثين سنة و ما أشبهها فما تنكرون من رفع عينه عن العالم فيقال لهم في ارتفاع عينه ارتفاع الحجة من الأرض و سقوط الشرائع إذا لم يكن لها من يحفظها و أما إذا استتر الإمام للخوف على نفسه بأمر الله عز و جل و كان له سبب معروف متصل به و كانت الحجة قائمة إذ كانت عينه موجودة في العالم و بابه و سببه معروفان و إنما عدم إفتائه و أمره و نهيه ظاهرا و ليس في ذلك بطلان للحجة و لذلك نظائر قد أقام النبي ص في الشعب مدة طويلة و كان يدعو الناس في أول أمره سرا إلى أن أمن و صارت له فئة و هو في كل ذلك نبي مبعوث مرسل فلم يبطل توقيه و تستره من بعض الناس بدعوته نبوته و لا أدحض ذلك حجته ثم دخل ع الغار فأقام فيه فلا يعرف أحد موضعه و لم يبطل ذلك نبوته و لو ارتفعت عينه لبطلت نبوته و كذلك الإمام يجوز أن يحبسه السلطان المدة الطويلة و يمنع من لقائه حتى لا يفتي و لا يعلم و لا يبين و الحجة قائمة ثابتة واجبة و إن لم يفت و لم يبين لأنه موجود العين في العالم ثابت الذات و لو أن نبيا أو إماما لم يبين و يعلم و يفت‏ «2» لم تبطل نبوته و لا إمامته و لا حجته و لو ارتفعت ذاته لبطلت‏
______________________________
(1). في بعض النسخ «و قد سألونا في ذلك».
(2). في بعض النسخ «و يقل».



كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 91
الحجة و كذلك يجوز أن يستتر الإمام المدة الطويلة إذا خاف و لا تبطل حجة الله عز و جل.
فإن قالوا فكيف يصنع من احتاج إلى أن يسأل عن مسألة قيل له كما كان يصنع و النبي ص في الغار من جاء إليه ليسلم و ليتعلم منه فإن كان ذلك سائغا في الحكمة كان هذا مثله سائغا.
و من أوضح الأدلة على الإمامة أن الله عز و جل جعل آية النبي ص أنه أتى بقصص الأنبياء الماضين ع و بكل علم من توراة و إنجيل و زبور من غير أن يكون يعلم الكتابة ظاهرا أو لقي نصرانيا أو يهوديا فكان ذلك أعظم آياته و قتل الحسين بن علي ع و خلف علي بن الحسين ع متقارب السن كانت سنه أقل من عشرين سنة ثم انقبض عن الناس فلم يلق أحدا و لا كان يلقاه إلا خواص أصحابه و كان في نهاية العبادة و لم يخرج عنه من العلم إلا يسيرا لصعوبة الزمان و جور بني أمية ثم ظهر ابنه محمد بن علي المسمى بالباقر ع لفتقه العلم‏ «1» فأتى من علوم الدين و الكتاب و السنة و السير و المغازي بأمر عظيم و أتى جعفر بن محمد ع من بعده من ذلك بما كثر و ظهر و انتشر فلم يبق فن في فنون العلم إلا أتى فيه بأشياء كثيرة و فسر القرآن و السنن و رويت عنه المغازي و أخبار الأنبياء من غير أن يرى هو و أبوه محمد بن علي أو علي بن الحسين ع عند أحد من رواة العامة أو فقهائهم يتعلمون منهم شيئا و في ذلك أدل دليل على أنهم إنما أخذوا ذلك العلم عن النبي ص ثم عن علي ع ثم عن واحد واحد من الأئمة و كذلك جماعة الأئمة ع هذه سنتهم في العلم‏ «2» يسألون عن الحلال و الحرام فيجيبون جوابات متفقة من غير أن يتعلموا ذلك من أحد من الناس فأي دليل أدل من هذا على إمامتهم و أن النبي ص نصبهم و علمهم و أودعهم علمه و علوم الأنبياء ع قبله و هل رأينا في العادات‏
______________________________
(1). في بعض النسخ «لبقره العلم».
(2). في بعض النسخ «سبيلهم في العلم».



كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 92
من ظهر عنه مثل ما ظهر عن محمد بن علي و جعفر بن محمد ع من غير أن يتعلموا ذلك من أحد من الناس.
فإن قال قائل لعلهم كانوا يتعلمون ذلك سرا قيل لهم قد قال مثل ذلك الدهرية في النبي ص أنه كان يتعلم الكتابة و يقرأ الكتاب سرا و كيف يجوز أن يظن ذلك بمحمد بن علي و جعفر بن محمد بن علي ع و أكثر ما أتوا به لا يعرف إلا منهم و لا سمع من غيرهم.
و قد سألونا فقالوا ابن الحسن لم يظهر ظهورا تاما للخاصة و العامة فمن أين علمتم وجوده في العالم و هل رأيتموه أو أخبرتكم جماعة قد تواترت أخبارها أنها شاهدته و عاينته فيقال لهم إن أمر الدين كله بالاستدلال يعلم فنحن عرفنا الله عز و جل بالأدلة و لم نشاهده و لا أخبرنا عنه من شاهده و عرفنا النبي ص و كونه في العالم بالأخبار و عرفنا نبوته و صدقه بالاستدلال و عرفنا أنه استخلف علي بن أبي طالب ع بالاستدلال و عرفنا أن النبي ص و سائر الأئمة ع بعده عالمون بالكتاب و السنة و لا يجوز عليهم في شي‏ء من ذلك الغلط و لا النسيان و لا تعمد الكذب بالاستدلال و كذلك عرفنا أن الحسن بن علي ع إمام مفترض الطاعة و علمنا بالأخبار المتواترة عن الأئمة الصادقين ع أن الإمامة لا تكون بعد كونها في الحسن و الحسين ع إلا في ولد الإمام و لا يكون في أخ و لا قرابة فوجب من ذلك أن الإمام لا يمضي إلا أن يخلف من ولده إماما «1» فلما صحت إمامة الحسن ع و صحت وفاته ثبت أنه قد خلف من ولده إماما هذا وجه من الدلالة عليه.
و وجه آخر و هو أن الحسن ع خلف جماعة من ثقاته ممن يروي‏ «2» عنه الحلال و الحرام و يؤدي كتب شيعته و أموالهم و يخرجون الجوابات و كانوا بموضع من الستر «3» و العدالة بتعديله إياهم في حياته فلما مضى أجمعوا جميعا على أنه قد خلف‏
______________________________
(1). في بعض النسخ «من بعده اماما».
(2). في بعض النسخ «يؤدى عنه الحلال».
(3). في بعض النسخ «فى الستر».



كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 93
ولدا هو الإمام و أمروا الناس أن لا يسألوا عن اسمه و أن يستروا ذلك من أعدائه و طلبه السلطان أشد طلب و وكل بالدور و الحبالى من جواري الحسن ع ثم كانت كتب ابنه الخلف بعده تخرج إلى الشيعة بالأمر و النهي على أيدي رجال أبيه الثقات أكثر من عشرين سنة ثم انقطعت المكاتبة و مضى أكثر رجال الحسن ع الذين كانوا شهدوا بأمر الإمام بعده و بقي منهم رجل واحد قد أجمعوا على عدالته و ثقته فأمر الناس بالكتمان و أن لا يذيعوا شيئا من أمر الإمام و انقطعت المكاتبة فصح لنا ثبات عين الإمام بما ذكرت من الدليل و بما وصفت عن أصحاب الحسن ع و رجاله و نقلهم خبره و صحة غيبته بالأخبار المشهورة في غيبة الإمام ع و أن له غيبتين إحداهما أشد من الأخرى و مذهبنا في غيبة الإمام في هذا الوقت لا يشبه مذهب الممطورة «1» في موسى بن جعفر لأن موسى مات ظاهرا و رآه الناس ميتا و دفن دفنا مكشوفا و مضى لموته أكثر من مائة سنة و خمسين سنة لا يدعي أحد أنه يراه و لا يكاتبه و لا يراسله و دعواهم أنه حي فيه إكذاب الحواس التي شاهدته ميتا و قد قام بعده عدة أئمة فأتوا من العلوم بمثل ما أتى به موسى ع و ليس في دعوانا هذه غيبة الإمام إكذاب للحس و لا محال و لا دعوى تنكرها العقول و لا تخرج من العادات و له إلى هذا الوقت من يدعي من شيعته الثقات المستورين أنه باب إليه و سبب يؤدي عنه إلى شيعته أمره و نهيه و لم تطل‏
______________________________
(1). المراد بالممطورة: الواقفية. كما في المجمع قال فيه: و الممطر- كمنبر- ما يلبس في المطر يتوقى به. و الممطورة: الكلاب المبتلة بالمطر. و قال أبو محمد الحسن ابن موسى النوبختى في كتابه «فرق الشيعة» و قد لقب الواقفة بعض مخالفيها ممن قال بامامة على بن موسى «الممطورة» و غلب عليها هذا الاسم و شاع لها. و كان سبب ذلك أن على ابن إسماعيل الميثمى و يونس بن عبد الرحمن ناظرا بعضهم فقال له علي بن إسماعيل- و قد اشتد الكلام بينهم-: ما أنتم الا كلاب ممطورة. أراد أنكم أنتن من جيف لان الكلاب إذا أصابها المطر فهي أنتن من الجيف. فلزمهم هذا اللقب فهم يعرفون به اليوم، لانه إذا قيل للرجل أنه ممطور فقد عرف أنه من الواقفة على موسى بن جعفر عليهما السلام خاصة لان كل من مضى منهم فله واقفة قد وقفت عليه و هذا اللقب لاصحاب موسى خاصة. انتهى.



كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 94
المدة في الغيبة طولا يخرج من عادات من غاب فالتصديق بالأخبار يوجب اعتقاد إمامة ابن الحسن ع على ما شرحت و أنه قد غاب كما جاءت الأخبار في الغيبة فإنها جاءت مشهورة متواترة و كانت الشيعة تتوقعها و تترجاها «1» كما ترجون بعد هذا من قيام القائم ع بالحق و إظهار العدل و نسأل الله عز و جل توفيقا و صبرا جميلا برحمته.
[أجوبة ابن قبة عن شبهات أبي زيد العلوي‏]
و قال أبو جعفر محمد بن عبد الرحمن بن قبة الرازي في نقض كتاب الإشهاد لأبي زيد العلوي قال صاحب الكتاب بعد أشياء كثيرة ذكرها لا منازعة فيها و قالت الزيدية و المؤتمة «2» الحجة من ولد فاطمة
بقول الرسول المجمع عليه في حجة الوداع و يوم خرج إلى الصلاة في مرضه الذي توفي فيه‏ أيها الناس قد خلفت فيكم كتاب الله و عترتي ألا إنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض ألا و إنكم لن تضلوا ما استمسكتم بهما ..
ثم أكد صاحب الكتاب هذا الخبر و قال فيه قولا لا مخالفة فيه ثم قال بعد ذلك إن المؤتمة خالفت الإجماع و ادعت الإمامة في بطن من العترة و لم توجبها لسائر العترة «3» ثم لرجل من ذلك البطن في كل عصر.
فأقول و بالله الثقة إن في قول النبي ص على ما يقول الإمامية دلالة واضحة و ذلك
أن النبي ص قال: إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله و عترتي أهل بيتي ..
دل على أن الحجة من بعده ليس من العجم و لا من سائر قبائل العرب بل من عترته أهل بيته ثم قرن قوله بما دل به على مراده فقال ألا و إنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض فأعلمنا أن الحجة من عترته لا تفارق الكتاب و أنا متى تمسكنا بمن لا يفارق الكتاب لن نضل و من لا يفارق الكتاب ممن فرض على الأمة أن يتمسكوا به و يجب في العقول أن يكون عالما بالكتاب مأمونا عليه يعلم ناسخه من منسوخه و خاصه من عامه و حتمه من ندبه و محكمه من متشابهه-
______________________________
(1). في بعض النسخ «تنوخاها».
(2). يعني الإمامية- الاثنى عشرية-
(3). يريد أن لفظ العترة عام يشملهم جميعا فجميع العترة داخل.



كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 95
ليضع كل شي‏ء من ذلك موضعه الذي وضعه الله عز و جل لا يقدم مؤخرا و لا يؤخر مقدما و يجب أن يكون جامعا لعلم الدين كله ليمكن التمسك به و الأخذ بقوله فيما اختلفت فيه الأمة و تنازعته من تأويل الكتاب و السنة و لأنه إن بقي منه شي‏ء لا يعلمه لم يمكن التمسك به ثم متى كان بهذا المحل أيضا لم يكن مأمونا على الكتاب و لم يؤمن أن يغلط فيضع الناسخ منه مكان المنسوخ و المحكم مكان المتشابه و الندب مكان الحتم إلى غير ذلك مما يكثر تعداده و إذا كان هذا هكذا صار الحجة و المحجوج سواء و إذا فسد هذا القول صح ما قالت الإمامية من أن الحجة من العترة لا يكون إلا جامعا لعلم الدين معصوما مؤتمنا على الكتاب فإن وجدت الزيدية في أئمتها من هذه صفته فنحن أول من ينقاد له و إن تكن الأخرى فالحق أولى ما اتبع.
و قال شيخ من الإمامية إنا لم نقل إن الحجة من ولد فاطمة ع قولا مطلقا و قلناه بتقييد و شرائط و لم نحتج لذلك بهذا الخبر فقط بل احتججنا به و بغيره فأول ذلك أنا وجدنا النبي ص قد خص من عترته أهل بيته أمير المؤمنين و الحسن و الحسين ع بما خص به و دل على جلالة خطرهم و عظم شأنهم و علو حالهم عند الله عز و جل بما فعله بهم في الموطن بعد الموطن و الموقف بعد الموقف مما شهرته تغني عن ذكره بيننا و بين الزيدية و دل الله تبارك و تعالى على ما وصفناه من علو شأنهم بقوله‏ إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت و يطهركم تطهيرا «1» و بسورة هل أتى و ما يشاكل ذلك فلما قدم ع هذه الأمور و قرر عند أمته أنه ليس في عترته من يتقدمهم في المنزلة و الرفعة و لم يكن ع ممن ينسب إلى المحاباة و لا ممن يولي و يقدم إلا على الدين علمنا أنهم ع نالوا ذلك منه استحقاقا بما خصهم به فلما قال بعد ذلك كله-
قد خلفت فيكم كتاب الله و عترتي ..
علمنا أنه عنى هؤلاء دون غيرهم لأنه لو كان هناك من عترته من له هذه المنزلة لخصه ع و
______________________________
(1). الأحزاب: 33.



كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 96
نبه على مكانه و دل على موضعه لئلا يكون فعله بأمير المؤمنين و الحسن و الحسين ع محاباة و هذا واضح و الحمد لله ثم دلنا على أن الإمام بعد أمير المؤمنين الحسن باستخلاف أمير المؤمنين ع إياه و اتباع أخيه له طوعا.
و أما قوله إن المؤتمة خالفت الإجماع و ادعت الإمامة في بطن من العترة فيقال له ما هذا الإجماع السابق الذي خالفناه فإنا لا نعرفه اللهم إلا أن تجعل مخالفة الإمامية للزيدية خروجا من الإجماع فإن كنت إلى هذا تومي فليس يتعذر على الإمامية أن تنسبك إلى مثل ما نسبتها إليه و تدعي عليك من الإجماع مثل الذي ادعيته عليها و بعد فأنت تقول إن الإمامة لا تجوز «1» إلا لولد الحسن و الحسين ع فبين لنا لم خصصت ولدهما دون سائر العترة لنبين لك بأحسن من حجتك ما قلناه و سيأتي البرهان في موضعه إن شاء الله.
ثم قال صاحب الكتاب و قالت الزيدية الإمامة جائزة للعترة و فيهم لدلالة رسول الله ص عليهم عاما لم يخصص بها بعضا دون بعض و لقول الله عز و جل لهم دون غيرهم بإجماعهم‏ ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا «2» الآية.
فأقول و بالله التوفيق قد غلط صاحب الكتاب فيما حكى لأن الزيدية إنما تجيز الإمامة لولد الحسن و الحسين ع‏ «3» خاصة و العترة في اللغة العم و بنو العم الأقرب فالأقرب و ما عرف أهل اللغة قط و لا حكى عنهم أحد أنهم قالوا العترة لا تكون إلا ولد الابنة من ابن العم هذا شي‏ء تمنته الزيدية و خدعت به أنفسها و تفردت بادعائه بلا بيان و لا برهان لأن الذي تدعيه ليس في العقل و لا في الكتاب و لا في الخبر و لا في شي‏ء من اللغات و هذه اللغة و هؤلاء أهلها فاسألوهم-
______________________________
(1). في بعض النسخ «لا تكون».
(2). فاطر: 32، و تمام الآية «فمنهم ظالم لنفسه و منهم مقتصد و منهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير»
(3). في منقوله المترجم في كتاب المسمى بنامه دانشوران ج 4 ص 278 «الزيدية انما تجيز الإمامة لولد الحسين عليه السلام».



كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 97
يبين لكم أن العترة في اللغة الأقرب فالأقرب من العم و بني العم.
فإن قال صاحب الكتاب فلم زعمت أن الإمامة لا تكون‏ «1» لفلان و ولده و هم من العترة عندك قلنا له نحن لم نقل هذا قياسا و إنما قلناه اتباعا لما فعله ص بهؤلاء الثلاثة «2» دون غيرهم من العترة و لو فعل بفلان‏ «3» ما فعله بهم لم يكن عندنا إلا السمع و الطاعة.
و أما قوله إن الله تبارك و تعالى قال‏ ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا الآية.
فيقال له قد خالفك خصومك من المعتزلة و غيرهم في تأويل هذه الآية و خالفتك الإمامية و أنت تعلم من السابق بالخيرات عند الإمامية و أقل ما كان يجب عليك و قد ألفت كتابك هذا لتبين الحق و تدعو إليه أن تؤيد الدعوى بحجة فإن لم تكن فإقناع فإن لم يكن فترك الاحتجاج‏ «4» بما لم يمكنك أن تبين أنه حجة لك دون خصومك- فإن تلاوة القرآن و ادعاء تأويله بلا برهان أمر لا يعجز عنه أحد و قد ادعى خصومنا و خصومك أن قول الله عز و جل‏ كنتم خير أمة أخرجت للناس‏ «5» الآية هم جميع علماء الأمة و أن سبيل علماء العترة و سبيل علماء المرجئة سبيل واحد و أن الإجماع لا يتم و الحجة لا تثبت بعلم العترة فهل بينك و بينها فصل و هل تقنع منها بما ادعت أو تسألها البرهان فإن قال بل أسألها البرهان قيل له فهات برهانك أولا على أن المعنى بهذه الآية التي تلوتها هم العترة و أن العترة هم الذرية و أن الذرية هم ولد الحسن و الحسين ع دون غيرهم من ولد جعفر و غيره ممن‏
______________________________
(1). في بعض النسخ «لا تجوز».
(2). يعني أمير المؤمنين و السبطين عليهم السلام.
(3). أي لو فعل رسول الله صلى الله عليه و آله مثلا بعباس و ولديه عبد الله و الفضل ما فعل بهؤلاء الثلاثة لم يكن- الخ.
(4). يعني ان لم تكن حجة فبدليل اقناعى و ان لم يكن دليل اقناعى فترك الاحتجاج بما ليس لك حجة بل يمكن أن يكون حجة لخصومك.
(5). آل عمران: 110.



كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 98
أمهاتهم فاطميات.
ثم قال و يقال للمؤتمة ما دليلكم على إيجاب الإمامة لواحد دون الجميع و حظرها على الجميع فإن اعتلوا بالوارثة و الوصية قيل لهم هذه المغيرية «1» تدعي الإمامة لولد الحسن ثم في بطن من ولد الحسن بن الحسن في كل عصر و زمان بالوارثة و الوصية من أبيه و خالفوكم بعد فيما تدعون كما خالفتم غيركم فيما يدعي فأقول و بالله الثقة الدليل على أن الإمامة لا تكون إلا لواحد أن الإمام لا يكون إلا الأفضل و الأفضل يكون على وجهين إما أن يكون أفضل من الجميع أو أفضل من كل واحد من الجميع فكيف كانت القصة فليس يكون الأفضل إلا واحدا لأنه من المحال أن يكون أفضل من جميع الأمة أو من كل واحد من الأمة و في الأمة من هو أفضل منه فلما لم يجز هذا و صح بدليل تعترف الزيدية بصحته أن الإمام لا يكون إلا الأفضل صح أنها لا تكون إلا لواحد في كل عصر و الفصل فيما بيننا و بين المغيرية سهل واضح قريب و المنة لله و هو أن النبي ص دل على الحسن و الحسين ع دلالة بينة و بان بهما من سائر العترة بما خصهما به مما ذكرناه و وصفناه فلما
______________________________
(1). المغيرية هم أصحاب المغيرة بن سعيد العجلي مولى بجيلة الذي خرج بظاهر الكوفة في امارة خالد بن عبد الله القسرى فظفر به و أحرقه و أحرق أصحابه سنة 119 كما في تاريخ الطبري و قد تظافرت الروايات بكونه كذابا و روى الكشي روايات كثيرة في ذمه.
و هو و أصحابه أنكروا امامة أبي عبد الله جعفر بن محمد عليهما السلام و قالوا بامامة محمد ابن عبد الله بن الحسن فلما قتل صاروا لا امام لهم و لا وصى و لا يثبتون لاحد امامة بعد و في بعض النسخ المصححة «المفترية» و في هامشه «اعلم أن الفرق بين المفترية و الزيدية أن المفترية لا يقولون بامامة الحسين بعد أخيه الحسن عليهما السلام بل يقولون: ان الامام بعد الحسن عليه السلام ابنه الحسن المثنى و الزيدية قائلون بامامة علي بن الحسين من بعد أبيه لكن لم يقولوا بامامة محمد بن علي بن الحسين عليهم السلام بن قائلون بامامة زيد بن علي بن- الحسين عليهما السلام بعد أبيه و أيضا قائلون بامامة ولد الحسن من كان منهم ادعى الإمامة، انتهى. و في بعض النسخ «المعترية».



كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 99
مضى الحسن كان الحسين أحق و أولى بدلالة الحسن لدلالة الرسول ص عليه و اختصاصه إياه و إشارته إليه فلو كان الحسن أوصى بالإمامة إلى ابنه لكان مخالفا للرسول ص و حاشا له من ذلك و بعد فلسنا نشك و لا نرتاب في أن الحسين ع أفضل من الحسن بن الحسن بن علي و الأفضل هو الإمام على الحقيقة عندنا و عند الزيدية فقد تبين لنا بما وصفنا كذب المغيرية و انتقض الأصل الذي بنوا عليه مقالتهم و نحن لم نخص علي بن الحسين بن علي ع بما خصصناه به محاباة و لا قلدنا في ذلك أحدا و لكن الأخبار قرعت سمعنا فيه بما لم تقرع في الحسن بن الحسن.
و دلنا على أنه أعلم منه ما نقل‏ «1» من علم الحلال و الحرام عنه و عن الخلف من بعده و عن أبي عبد الله ع و لم نسمع للحسن بن الحسن بشي‏ء يمكننا أن نقابل بينه و بين من سمعناه من علم علي بن الحسين ع و العالم بالدين أحق بالإمامة ممن لا علم له فإن كنتم يا معشر الزيدية عرفتم للحسن بن الحسن علما بالحلال و الحرام فأظهروه و إن لم تعرفوا له ذلك فتفكروا في قول الله عز و جل‏ أ فمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون‏ «2» فلسنا ندفع الحسن بن الحسن عن فضل و تقدم و طهارة و زكاة و عدالة و الإمامة لا يتم أمرها إلا بالعلم بالدين و المعرفة بأحكام رب العالمين و بتأويل كتابه و ما رأينا إلى يومنا هذا و لا سمعنا بأحد قالت الزيدية بإمامته إلا و هو يقول في التأويل أعني تأويل القرآن على الاستخراج و في الأحكام على الاجتهاد و القياس و ليس يمكن معرفة تأويل القرآن بالاستنباط «3» لأن ذلك كان ممكنا لو كان القرآن إنما أنزل بلغة واحدة و كان علماء أهل تلك اللغة يعرفون المراد فأما القرآن قد نزل بلغات كثيرة و فيه أشياء لا يعرف المراد منها إلا بتوقيف مثل الصلاة و الزكاة و الحج‏ «4» و ما في هذا الباب منه-
______________________________
(1). في بعض النسخ «ما فضل».
(2). يونس: 35.
(3). في بعض النسخ «بالاستخراج».
(4). يعني لفظ «الصلاة» و «الزكاة»، و «الحج».



كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 100
و فيه أشياء لا يعرف المراد منها إلا بتوقيف مما نعلم و تعلمون أن المراد منه إنما عرف بالتوقيف دون غيره فليس يجوز حمله على اللغة لأنك تحتاج أولا أن تعلم أن الكلام الذي تريد أن تتأوله ليس فيه توقيف أصلا لا في جمله و لا في تفصيله.
فإن قال منهم قائل لم ينكر أن يكون ما كان سبيله أن يعرف بالتوقيف فقد وقف الله رسوله ص عليه و ما كان سبيله أن يستخرج فقد وكل إلى العلماء و جعل بعض القرآن دليلا على بعض فاستغنينا بذلك عما تدعون من التوقيف و الموقف.
قيل له لا يجوز أن يكون ذلك على ما وصفتم لأنا نجد للآية الواحدة تأويلين متضادين كل واحد منهما يجوز في اللغة و يحسن أن يتعبد الله به و ليس يجوز أن يكون للمتكلم الحكيم كلام يحتمل مرادين متضادين.
فإن قال ما ينكر أن يكون في القرآن دلالة على أحد المرادين و أن يكون العلماء بالقرآن متى تدبروه علموا المراد بعينه دون غيره.
فيقال للمعترض بذلك أنكرنا هذا الذي وصفته لأمر نخبرك به ليس تخلو تلك الدلالة التي في القرآن على أحد المرادين من أن تكون محتملة للتأويل أو غير محتملة فإن كانت محتملة للتأويل فالقول فيها كالقول في هذه الآية و إن كانت لا تحتمل التأويل فهي إذا توقيف و نص على المراد بعينه و يجب أن لا يشكل على أحد علم اللغة معرفة المراد و هذا ما لا تنكره العقول و هو من فعل الحكيم جائز حسن و لكنا إذا تدبرنا آي القرآن لم نجد هكذا و وجدنا الاختلاف في تأويلها قائما بين أهل العلم بالدين و اللغة و لو كان هناك آيات تفسر آيات تفسيرا لا يحتمل التأويل لكان فريق من المختلفين في تأويله من العلماء باللغة معاندين و لأمكن كشف أمرهم بأهون السعي و لكان من تأول الآية خارجا من اللغة و من لسان أهلها لأن الكلام إذا لم يحتمل التأويل فحملته على ما لا يحتمله خرجت عن اللغة التي وقع الخطاب بها فدلونا يا معشر الزيدية على آية واحدة اختلف أهل العلم في تأويلها في القرآن ما يدل نصا و توقيفا على تأويلها و هذا أمر متعذر و في تعذره دليل على أنه لا بد للقرآن من مترجم يعلم مراد الله تعالى فيخبر به و هذا عندي واضح.



كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 101
ثم قال صاحب الكتاب و هذه الخطابية تدعي الإمامة لجعفر بن محمد من أبيه ع بالوراثة و الوصية و يقفون على رجعته و يخالفون كل من قال بالإمامة و يزعمون أنكم وافقتموهم في إمامة جعفر ع و خالفوكم فيمن سواه.
فأقول و بالله الثقة ليس تصح الإمامة بموافقة موافق و لا مخالفة مخالف و إنما تصح بأدلة الحق و براهينه و أحسب أن صاحب الكتاب غلط و الخطابية قوم غلاة و ليس بين الغلو و الإمامة «1» نسبة فإن قال فإني أردت الفرقة التي وقفت عليه‏ «2» قيل له فيقال لتلك الفرقة نعلم أن الإمام بعد جعفر موسى بمثل ما علمتم أنتم به أن الإمام بعد محمد بن علي جعفر و نعلم أن جعفرا مات كما نعلم أن أباه مات و الفصل بيننا و بينكم هو الفصل بينكم و بين السبائية و الواقفة على أمير المؤمنين ص فقولوا كيف شئتم‏ «3».
و يقال لصاحب الكتاب و أنت فما الفصل بينك و بين من اختار الإمامة لولد العباس و جعفر و عقيل أعني لأهل العلم و الفضل منهم و احتج باللغة في أنهم من عترة الرسول و قال إن الرسول ص عم جميع العترة و لم يخص إلا ثلاثة «4» هم أمير المؤمنين و الحسن و الحسين ص عرفناه و بين لنا.
ثم قال صاحب الكتاب و هذه الشمطية تدعي إمامة عبد الله بن جعفر بن محمد من أبيه‏ «5» بالوراثة و الوصية و هذه الفطحية تدعي إمامة إسماعيل بن جعفر «6» عن‏
______________________________
(1). في بعض النسخ «و الإمامية».
(2). يعني على جعفر بن محمد عليهما السلام.
(3). يعني كل ما قلتم في رد السبائية فنحن عارضنا كم بمثله.
(4). كذا. و في هامش بعض النسخ: الظاهر «و لم يخص بالثلاثة». أقول: و يمكن أن يكون «الا» فى قوله «الا ثلاثة» زائدا من سهو النساخ.
(5). كذا. و في فرق الشيعة للنوبختى «السمطية هم الذين جعلوا الإمامة في محمد ابن جعفر و ولده من بعده و هذه الفرقة تسمى «السمطية» نسبة الى رئيس لهم يقال له يحيى ابن أبي السميط» انتهى. و في المحكى عن المقريزى يحيى بن شميط الاحمسى و يذكر انه كان قائدا من قواد مختار بن أبي عبيدة الثقفى» و الظاهر التعدد لتقدم المختار عن محمد بتسعين سنة.
(6). كذا. و في كتاب النوبختى الفطحية فرقة يقولون بامامة عبد الله بن جعفر و سموا-



كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 102
أبيه بالوراثة و الوصية و قبل ذلك إنما قالوا بإمامة عبد الله بن جعفر و يسمون اليوم إسماعيلية لأنه لم يبق للقائلين بإمامة عبد الله بن جعفر خلف و لا بقية و فرقة من الفطحية يقال لهم القرامطة «1» قالوا بإمامة محمد بن إسماعيل بن جعفر بالوراثة و الوصية و هذه الواقفة على موسى بن جعفر تدعي الإمامة لموسى و ترتقب لرجعته.
و أقول الفرق بيننا و بين هؤلاء سهل واضح قريب أما الفطحية فالحجة عليها أوضح من أن تخفى لأن إسماعيل مات قبل أبي عبد الله ع و الميت لا يكون خليفة الحي و إنما يكون الحي خليفة الميت و لكن القوم عملوا على تقليد الرؤساء و أعرضوا عن الحجة و ما في بابها و هذا أمر لا يحتاج فيه على إكثار لأنه ظاهر الفساد بين الانتقاد.
و أما القرامطة فقد نقضت الإسلام حرفا حرفا لأنها أبطلت أعمال الشريعة و جاءت بكل سوفسطائية و إن الإمام إنما يحتاج إليه للدين و إقامة حكم الشريعة فإذا جاءت القرامطة تدعي أن جعفر بن محمد أو وصيه استخلف رجلا دعا إلى نقض الإسلام و الشريعة و الخروج عما عليه طبائع الأمة لم نحتج في معرفة كذبهم إلى أكثر من دعواهم المتناقض الفاسد الركيك.
______________________________
- بذلك لان عبد الله كان أفطح الرأس. و قال بعضهم: كان أفطح الرجلين، و قال بعض الرواة:
نسبوا الى رئيس لهم من أهل الكوفة يقال له: عبد الله بن فطيح.
(1). هم فرقة من المباركية و انما سموا بهذا برئيس لهم من أهل السواد من الانباط كان يلقب «قرمطويه» كانوا في الأصل على مقالة المباركية ثم خالفوهم فقالوا: لا يكون بعد محمد (ص) إلا سبعة أئمة علي بن أبي طالب الى جعفر بن محمد ثم محمد بن إسماعيل و هو الامام القائم المهدى و هو رسول. و زعموا أن النبي انقطعت عنه الرسالة في حياته في اليوم الذي امر فيه بنصب علي بن أبي طالب عليه السلام للناس في غدير خم، فصارت الرسالة في ذلك اليوم في علي بن أبي طالب، و اعتلوا في ذلك بقول رسول الله صلى الله عليه و آله «من كنت مولاه فهذا على مولاه» و أن هذا القول منه خروج من الرسالة و النبوة و التسليم منه في ذلك لعلى عليه السلام بامر الله عز و جل و أن النبي صلى الله عليه و آله بعد ذلك كان مأموما لعلى محجوجا به. (قاله النوبختى) و في تلبيس إبليس لابن الجوزى تحقيق لسبب تسمية القرامطة بهذا الاسم.



كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 103
و أما الفصل بيننا و بين سائر الفرق فهو أن لنا نقلة أخبار و حملة آثار قد طبقوا البلدان كثرة و نقلوا عن جعفر بن محمد ع من علم الحلال و الحرام ما يعلم بالعادة الجارية و التجربة الصحيحة أن ذلك كله لا يجوز أن يكون كذبا مولدا و حكوا مع نقل ذلك عن أسلافهم أن أبا عبد الله ع أوصى بالإمامة إلى موسى ع ثم نقل إلينا من فضل موسى ع و علمه ما هو معروف عند نقلة الأخبار و لم نسمع لهؤلاء بأكثر من الدعوى و ليس سبيل التواتر و أهله سبيل الشذوذ و أهله فتأملوا الأخبار الصادقة تعرفوا بها فصل ما بين موسى ع و محمد و عبد الله بني جعفر و تعالوا نمتحن هذا الأمر بخمس مسائل من الحلال و الحرام مما قد أجاب فيه موسى ع فإن وجدنا لهذين فيه جوابا عند أحد من القائلين بإمامتهما فالقول كما يقولون و قد روت الإمامية أن عبد الله بن جعفر سئل كم في مائتي درهم قال خمسة دراهم قيل له و كم في مائة درهم فقال درهمان و نصف. «1» و لو أن معترضا اعترض على الإسلام و أهله فادعى أن هاهنا من قد عارض‏ «2» القرآن و سألنا أن نفصل بين تلك المعارضة و القرآن لقلنا له أما القرآن فظاهر فأظهر تلك المعارضة حتى نفصل بينها و بين القرآن و هكذا نقول لهذه الفرق أما أخبارنا فهي مروية محفوظة عند أهل الأمصار من علماء الإمامية فأظهروا تلك الأخبار التي تدعونها حتى نفصل بينها و بين أخبارنا فأما أن تدعوا خبرا لم يسمعه سامع و لا عرفه أحد ثم تسألونا الفصل بين هذا الخبر فهذا ما لا يعجز عن دعوى مثله أحد و لو أبطل مثل هذه الدعوى أخبار أهل الحق من الإمامية لأبطل مثل هذه الدعوى من البراهمة أخبار المسلمين و هذا واضح و لله المنة.
و قد ادعت الثنوية أن ماني أقام المعجزات و أن لهم خبرا يدل على صدقهم-
______________________________
(1). يعني لم يعلم عبد الله أن نصاب الدرهم في الزكاة مائتان، و لا زكاة فيما دون ذلك فأجاب في المسألة بالقياس و أخطأ.
(2). يعني ادعى أنه جاء رجل و أتى بمثل هذا القرآن.



كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 104
فقال لهم الموحدون هذه دعوى لا يعجز عنها أحد فأظهروا الخبر لندلكم على أنه لا يقطع عذرا و لا يوجب حجة و هذا شبيه بجوابنا لصاحب الكتاب.
و يقال لصاحب الكتاب قد ادعت البكرية و الإباضية «1» أن النبي ص نص على أبي بكر و أنكرت أنت ذلك كما أنكرنا نحن أن أبا عبد الله ع أوصى إلى هذين فبين لنا حجتك و دلنا على الفصل بينك و بين البكرية و الإباضية لندلك بمثله على الفصل بيننا و بين من سميت.
و يقال لصاحب الكتاب أنت رجل تدعي أن جعفر بن محمد كان على مذهب الزيدية و أنه لم يدع الإمامة من الجهة التي تذكرها الإمامية و قد ادعى القائلون بإمامة محمد بن إسماعيل بن جعفر بن محمد خلاف ما تدعيه أنت و أصحابك و يذكرون أن أسلافهم رووا ذلك عنه فعرفنا الفصل بينكم و بينهم لنأتيك بأحسن منه و أنصف من نفسك فإنه أولى بك.
و فرق آخر و هو أن أصحاب محمد بن جعفر و عبد الله بن جعفر معترفون بأن الحسين نص على علي و أن عليا نص على محمد و أن محمدا نص على جعفر و دليلنا أن جعفرا نص على موسى ع هو بعينه دون غيره دليل هؤلاء على أن الحسين نص على علي و بعد فإن الإمام إذا كان ظاهرا و اختلفت إليه‏ «2» شيعته ظهر علمه و تبين معرفته بالدين و وجدنا رواة الأخبار و حملة الآثار قد نقلوا عن موسى من علم الحلال و الحرام ما هو مدون مشهور و ظهر من فضله في نفسه ما هو بين عند الخاصة و العامة و هذه هي أمارات الإمامة فلما وجدنا لموسى دون غيره علمنا أنه الإمام بعد أبيه دون أخيه.
و شي‏ء آخر و هو أن عبد الله بن جعفر مات و لم يعقب ذكرا و لا نص على أحد فرجع القائلون بإمامته عنها إلى القول بإمامة موسى ع و الفصل بعد ذلك بين أخبارنا و أخبارهم هو أن الأخبار لا توجب العلم حتى يكون في طرقه و واسطته قوم يقطعون‏
______________________________
(1). الاباضية: فرقة من الخوارج أصحاب عبد الله بن اباض التميمى.
(2). يعني بالاختلاف الاياب و الذهاب.



كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 105
العذر إذا أخبروا و لسنا نشاح‏ «1» هؤلاء في أسلافهم بل نقتصر على أن يوجدونا في دهرنا من حملة الأخبار و رواة الآثار ممن يذهب مذهبهم عددا يتواتر بهم الخبر كما نوجدهم نحن ذلك فإن قدروا على هذا فليظهروه و إن عجزوا فقد وضح الفرق بيننا و بينهم في الطرف الذي يلينا و يليهم‏ «2» و ما بعد ذلك موهوب لهم و هذا واضح و الحمد لله.
و أما الواقفة على موسى ع فسبيلهم سبيل الواقفة على أبي عبد الله ع و نحن فلم نشاهد موت أحد من السلف و إنما صح موتهم عندنا بالخبر فإن وقف واقف على بعضهم سألناه الفصل بينه و بين من وقف على سائرهم و هذا ما لا حيلة لهم فيه.
ثم قال صاحب الكتاب و منهم فرقة قطعت على موسى و ائتموا بعده بابنه علي بن موسى ع دون سائر ولد موسى ع و زعموا أنه استحقها بالوراثة و الوصية ثم في ولده حتى انتهوا إلى الحسن بن علي ع فادعوا له ولدا و سموه الخلف الصالح فمات قبل أبيه‏ «3» ثم إنهم رجعوا إلى أخيه الحسن و بطل في محمد ما كانوا توهموا و قالوا بدا لله من محمد إلى الحسن كما بدا له من إسماعيل بن جعفر إلى موسى و قد مات إسماعيل في حياة جعفر إلى أن مات الحسن بن علي في سنة ثلاث و ستين و مائتين فرجع بعض أصحابه إلى إمامة جعفر بن علي كما رجع أصحاب محمد بن علي بعد وفاة محمد إلى الحسن و زعم بعضهم أن جعفر بن علي استحق الإمامة من أبيه علي بن محمد بالوراثة و الوصية دون أخيه الحسن ثم نقلوها في ولد جعفر بالوراثة و الوصية- و كل هذه الفرق يتشاحون على الإمامة و يكفر بعضهم بعضا و يكذب بعضهم بعضا و يبرأ بعضهم من إمامة بعض و تدعي كل فرقة الإمامة لصاحبها بالوراثة و الوصية و أشياء من علوم الغيب الخرافات أحسن منها و لا دليل لكل فرقة فيما تدعي و تخالف الباقين غير الوراثة و الوصية دليلهم شهادتهم لأنفسهم‏
______________________________
(1). أي لا ننازع.
(2). في بعض النسخ «بيننا و بينهم».
(3). في بعض النسخ بعد قوله: «و سموه الخلف الصالح»، هكذا «و منهم فرقة قالت بامامة محمد بن على فمات قبل أبيه ثم انهم رجعوا الى أخيه الحسن- الخ».



كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 106
دون غيرهم قولا بلا حقيقة و دعوى بلا دليل فإن كان هاهنا دليل فيما يدعي كل طائفة غير الوراثة و الوصية وجب إقامته و إن لم يكن غير الدعوى للإمامة بالوراثة و الوصية فقد بطلت الإمامة لكثرة من يدعيها بالوراثة و الوصية و لا سبيل إلى قبول دعوى طائفة دون الأخرى إن كانت الدعوى واحدة و لا سيما و هم في إكذاب بعضهم بعضا مجتمعون و فيما يدعي كل فرقة منهم منفردون.
فأقول و الله الموفق للصواب لو كانت الإمامة تبطل لكثرة من يدعيها لكان سبيل النبوة سبيلها لأنا نعلم أن خلقا قد ادعاها و قد حكى صاحب الكتاب عن الإمامية حكايات مضطربة و أوهم أن تلك مقالة الكل و أنه ليس فيهم إلا من يقول بالبداء.
و من قال إن الله يبدو له من إحداث رأي و علم مستفاد فهو كافر بالله و ما كان غير هذا فهو قول المغيرية و من ينحل للأئمة علم الغيب فهذا كفر بالله و خروج عن الإسلام عندنا.
و أقل ما كان يجب عليه أن يذكر مقالة أهل الحق و أن لا يقتصر على أن القوم اختلفوا حتى يدل على أن القول بالإمامة فاسد.
و بعد فإن الإمام عندنا يعرف من وجوه سنذكرها ثم نعتبر ما يقول هؤلاء فإن لم نجد بيننا و بينهم فصلا حكمنا بفساد المذهب ثم عدنا نسأل صاحب الكتاب عن أن أي قول هو الحق من بين الأقاويل.
أما قوله إن منهم فرقة قطعت على موسى و ائتموا بعده بابنه علي بن موسى فهو قول رجل لا يعرف أخبار الإمامية «1» لأن كل الإمامية إلا شرذمة وقفت و شذوذ قالوا بإمامة إسماعيل و عبد الله بن جعفر قالوا بإمامة علي بن موسى و رووا فيه ما هو مدون في الكتب و ما يذكر من حملة الأخبار و نقلة الآثار خمسة مالوا إلى هذه المذاهب في أول حدوث الحادث و إنما كثر من كثر منهم بعد فكيف استحسن صاحب‏
______________________________
(1). في بعض النسخ «أخبار الناس».



كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 107
الكتاب أن يقول و منهم فرقة قطعت على موسى و أعجب من هذا قوله حتى انتهوا إلى الحسن فادعوا له ابنا و قد كانوا في حياة علي بن محمد و سموا للإمامة ابنه محمدا إلا طائفة من أصحاب فارس بن حاتم و ليس يحسن بالعاقل أن يشنع على خصمه بالباطل الذي لا أصل له.
و الذي يدل على فساد قول القائلين بإمامة محمد هو بعينه ما وصفناه في باب إسماعيل بن جعفر لأن القصة واحدة و كل واحد منهما مات قبل أبيه و من المحال أن يستخلف الحي الميت و يوصي إليه بالإمامة و هذا أبين فسادا من أن يحتاج في كسره إلى كثرة القول.
و الفصل بيننا و بين القائلين بإمامة جعفر أن حكاية القائلين بإمامته عنه اختلفت و تضادت لأن منهم و منا من حكى عنه أنه قال إني إمام بعد أخي محمد و منهم من حكى عنه أنه قال إني إمام بعد أخي الحسن و منهم من قال إنه قال إني إمام بعد أبي علي بن محمد.
و هذه أخبار كما ترى يكذب بعضها بعضا و خبرنا في أبي محمد الحسن بن علي خبر متواتر لا يتناقض و هذا فصل بين ثم ظهر لنا من جعفر ما دلنا على أنه جاهل بأحكام الله عز و جل و هو أنه جاء يطالب أم أبي محمد بالميراث و في حكم آبائه أن الأخ لا يرث مع الأم فإذا كان جعفر لا يحسن هذا المقدار من الفقه حتى تبين فيه نقصه و جهله كيف يكون إماما و إنما تعبدنا الله بالظاهر من هذه الأمور و لو شئنا أن نقول لقلنا و فيما ذكرناه كفاية و دلالة على أن جعفرا ليس بإمام.
و أما قوله إنهم ادعوا للحسن ولدا فالقوم لم يدعوا ذلك إلا بعد أن نقل إليهم أسلافهم حاله و غيبته و صورة أمره و اختلاف الناس فيه عند حدوث ما يحدث و هذه كتبهم فمن شاء أن ينظر فيها فلينظر.
و أما قوله إن كل هذه الفرق يتشاحون‏ «1» و يكفر بعضهم بعضا فقد صدق‏
______________________________
(1). أي يتنازعون. و تشاح القوم أو الخصمان في الجدل: أراد كل أن يكون هو الغالب.



كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 108
في حكايته و حال المسلمين في تكفير بعضهم بعضا هذه الحال فليقل كيف أحب و ليطعن كيف شاء فإن البراهمة تتعلق به فتطعن بمثله في الإسلام من سأل خصمه عن مسألة يريد بها نقض مذهبه إذا ردت عليه كان فيها من نقض مذهبه مثل الذي قدر أن يلزمه خصمه فإنما هو رجل يسأل نفسه و ينقض قوله و هذه قصة صاحب الكتاب و النبوة أصل و الإمامة فرع فإذا أقر صاحب الكتاب بالأصل لم يحسن به أن يطعن في الفرع بما رجع على الأصل‏ و الله المستعان‏ ثم قال و لو جازت الإمامة بالوراثة و الوصية لمن يدعى له بلا دليل متفق عليه لكانت المغيرية أحق بها لإجماع الكل معها على إمامة الحسن بن علي الذي هو أصلها المستحق للإمامة من أبيه بالوراثة و الوصية و امتناعها بعد إجماع الكل معها على إمامة الحسن من إجازتها لغيره.
هذا مع اختلاف المؤتمة في دينهم منهم من يقول بالجسم و منهم من يقول بالتناسخ و منهم من تجرد التوحيد و منهم من يقول بالعدل و يثبت الوعيد و منهم من يقول بالقدر و يبطل الوعيد و منهم من يقول بالرؤية و منهم من ينفيها مع القول بالبداء و أشياء يطول الكتاب بشرحها يكفر بها بعضهم بعضا و يتبرأ بعضهم من دين بعض و لكل فرقة من هذه الفرق بزعمها رجال ثقات عند أنفسهم أدوا إليهم عن أئمتهم ما هم متمسكون به.
ثم قال صاحب الكتاب و إذا جاز كذا جاز كذا شي‏ء لا يجوز عندنا و لم نأت بأكثر من الحكاية فلا معنى لتطويل الكتاب بذكر ما ليس فيه حجة و لا فائدة.
فأقول و بالله الثقة لو كان الحق لا يثبت إلا بدليل متفق عليه ما صح حق أبدا و لكان أول مذهب يبطل مذهب الزيدية لأن دليلها ليس بمتفق عليه و أما ما حكاه عن المغيرية فهو شي‏ء أخذته عن اليهود لأنها تحتج أبدا بإجماعنا و إياهم على نبوة موسى ع و مخالفتهم إيانا في نبوة محمد ص.
و أما تعييره إيانا بالاختلاف في المذاهب و بأنه كل فرقة منا تروي ما تدين به عن إمامها فهو مأخوذ من البراهمة لأنها تطعن به بعينه دون غيره على الإسلام-



كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 109
و لو لا الإشفاق من أن يتعلق بعض هؤلاء المجان‏ «1» بما أحكيه عنهم لقلت كما يقولون.
و الإمامة أسعدكم الله إنما تصح عندنا بالنص و ظهور الفضل و العلم بالدين مع الإعراض عن القياس و الاجتهاد في الفرائض السمعية و في فروعها و من هذا الوجه عرفنا إمامة الإمام و سنقول في اختلاف الشيعة قولا مقنعا.
قال صاحب الكتاب ثم لم يخل اختلافهم من أن يكون مولدا من أنفسهم أو من عند الناقلين إليهم أو من عند أئمتهم فإن كان اختلافهم من قبل أئمتهم فالإمام من جمع الكلمة لا من كان سببا للاختلاف بين الأمة لا سيما و هم أولياؤه دون أعدائه و من لا تقية بينهم و بينه و ما الفرق بين المؤتمة و الأمة إذ كانوا «2» مع أئمتهم و حجج الله عليهم في أكثر ما عابوا على الأمة التي لا إمام لها من المخالفة في الدين و إكفار بعضهم بعضا و إن يكن اختلافهم من قبل الناقلين إليهم دينهم فما يؤمنهم من أن يكون هذا سبيلهم معهم فيما ألقوا إليه من الإمامة لا سيما إذا كان المدعى له الإمامة معدوم العين غير مرئي الشخص و هو حجة عليهم فيما يدعون لإمامهم من علم الغيب إذا كان خيرته و التراجمة بينه و بين شيعته كذابين يكذبون عليه و لا علم له بهم و إن يكن اختلاف المؤتمة في دينها من قبل أنفسها دون أئمتها فما حاجة المؤتمة إلى الأئمة إذ كانوا بأنفسهم مستغنين و هو بين أظهرهم و لا ينهاهم و هو الترجمان لهم من الله و الحجة عليهم هذا أيضا من أدل الدليل على عدمه و ما يدعى من علم الغيب له لأنه لو كان موجودا لم يسعه ترك البيان لشيعته كما قال الله عز و جل‏ و ما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه‏ الآية «3» فكما بين الرسول ص لأمته وجب على الإمام مثله لشيعته.
فأقول و بالله الثقة إن اختلاف الإمامية إنما هو من قبل كذابين دلسوا
______________________________
(1). مجن الشي‏ء غلظ و صلب. مزح و قل حياء، كانه صلب وجهه فهو ماجن و الجمع مجان، و في بعض النسخ «الفجار» و في بعضها «المخالفين». و الاشفاق: الخوف.
(2). في بعض النسخ «بين المؤتمة و الأئمة إذا كانوا».
(3). النحل: 66.



كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 110
أنفسهم فيهم في الوقت بعد الوقت و الزمان بعد الزمان حتى عظم البلاء و كان أسلافهم قوم يرجعون إلى ورع و اجتهاد و سلامة ناحية و لم يكونوا أصحاب نظر و تميز فكانوا إذا رأوا رجلا مستورا يروي خبرا أحسنوا به الظن و قبلوه فلما كثر هذا و ظهر شكوا إلى أئمتهم فأمرهم الأئمة ع بأن يأخذوا بما يجمع عليه فلم يفعلوا و جروا على عادتهم فكانت الخيانة من قبلهم لا من قبل أئمتهم و الإمام أيضا لم يقف على كل هذه التخاليط التي رويت لأنه لا يعلم الغيب‏ «1» و إنما هو عبد صالح يعلم الكتاب و السنة و يعلم من أخبار شيعته ما ينهى إليه و أما قوله فما يؤمنهم أن يكون هذا سبيلهم فيما ألقوا إليهم من أمر الإمامة فإن الفصل بين ذلك أن الإمامة تنقل إليهم بالتواتر و التواتر لا ينكشف عن كذب و هذه الأخبار فكل واحد منها إنما خبر واحد لا يوجب خبره العلم و خبر الواحد قد يصدق و يكذب و ليس هذا سبيل التواتر هذا جوابنا و كل ما أتى به سوى هذا فهو ساقط.
ثم يقال له أخبرنا عن اختلاف الأمة هل تخلوا من الأقسام التي قسمتها فإذا قال لا قيل له أ فليس الرسول إنما بعث لجمع الكلمة فلا بد من نعم فيقال له أ و ليس قد قال الله عز و جل‏ و ما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه‏ فلا بد من نعم فيقال له فهل بين فلا بد من نعم فيقال له فما سبب الاختلاف عرفناه و اقنع منا بمثله.
و أما قوله فما حاجة المؤتمة إلى الأئمة إذ كانوا بأنفسهم مستغنين و هو بين أظهرهم لا ينهاهم إلى آخر الفصل فيقال له أولى الأشياء بأهل الدين الإنصاف أي قول قلناه و أومأنا به إلى أنا بأنفسنا مستغنين حتى يقرعنا به صاحب الكتاب و يحتج علينا أو أي حجة توجهت له علينا توجب ما أوجبه و من لم يبال بأي شي‏ء قابل خصومه كثرت مسائله و جواباته.
______________________________
(1). أي لا يعلمه بذاته و من عند نفسه بل يعلم الغيب من جانب الله تعالى متى أراد إذا أراد الله أن يعلمه.



كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 111
و أما قوله و هذا من أدل دليل على عدمه لأنه لو كان موجودا لم يسعه ترك البيان لشيعته كما قال الله عز و جل‏ و ما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه‏ فيقال لصاحب الكتاب أخبرنا عن العترة الهادية يسعهم أن لا يبينوا للإمة الحق كله فإن قال نعم حج نفسه و عاد كلامه وبالا عليه لأن الأمة قد اختلفت و تباينت و كفر بعضها بعضا فإن قال لا قيل هذا من أدل دليل على عدم العترة و فساد ما تدعيه الزيدية لأن العترة لو كانوا كما تصف الزيدية لبينوا للإمة و لم يسعهم السكوت و الإمساك كما قال الله عز و جل‏ و ما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه‏ فإن ادعى أن العترة قد بينوا الحق للإمة غير أن الأمة لم تقبل و مالت إلى الهوى قيل له هذا بعينه قول الإمامية في الإمام و شيعته و نسأل الله التوفيق.
ثم قال صاحب الكتاب و يقال لهم لم استتر إمامكم عن مسترشده فإن قالوا تقية على نفسه قيل لهم فالمسترشد أيضا يجوز له أن يكون في تقية من طلبه لا سيما إذا كان المسترشد يخاف و يرجو و لا يعلم ما يكون قبل كونه فهو في تقية و إذا جازت التقية للإمام فهي للمأموم أجوز و ما بال الإمام في تقية من إرشادهم و ليس هو في تقية من تناول أموالهم و الله يقول‏ اتبعوا من لا يسئلكم أجرا الآية «1» و قال‏ إن كثيرا من الأحبار و الرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل و يصدون عن سبيل الله‏ «2» فهذا مما يدل على أن أهل الباطل عرض الدنيا يطلبون و الذين يتمسكون بالكتاب لا يسألون الناس‏ أجرا و هم مهتدون‏ ثم قال و إن قالوا كذا قيل كذا فشي‏ء لا يقوله إلا جاهل منقوص.
و الجواب عما سأل أن الإمام لم يستتر عن مسترشده إنما استتر خوفا على نفسه من الظالمين فأما قوله فإذا جازت التقية للإمام فهي للمأموم أجوز فيقال له إن كنت تريد أن المأموم يجوز له أن يتقي من الظالم و يهرب عنه متى خاف على نفسه-
______________________________
(1). يس: 21.
(2). التوبة: 34.



كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 112
كما جاز للإمام فهذا لعمري جائز و إن كنت تريد أن المأموم يجوز له أن لا يعتقد إمامة الإمام للتقية فذلك لا يجوز إذا قرعت الأخبار سمعه و قطعت عذره لأن الخبر الصحيح يقوم مقام العيان و ليس على القلوب تقية و لا يعلم ما فيها إلا الله.
و أما قوله و ما بال الإمام في تقية من إرشادهم و ليس في تقية من تناول أموالهم و الله يقول‏ اتبعوا من لا يسئلكم أجرا فالجواب عن ذلك إلى آخر الفصل يقال له إن الإمام ليس في تقية من إرشاد من يريد الإرشاد و كيف يكون في تقية و قد بين لهم الحق و حثهم عليه و دعاهم إليه و علمهم الحلال و الحرام حتى شهروا بذلك و عرفوا به و ليس يتناول أموالهم و إنما يسألهم الخمس الذي فرضه الله عز و جل ليضعه حيث أمر أن يضعه و الذي جاء بالخمس هو الرسول و قد نطق القرآن بذلك قال الله عز و جل‏ و اعلموا أنما غنمتم من شي‏ء فأن لله خمسه‏ الآية «1» و قال‏ خذ من أموالهم صدقة الآية «2» فإن كان في أخذ المال عيب أو طعن فهو على من ابتدأ به‏ و الله المستعان‏ و يقال لصاحب الكتاب أخبرنا عن الإمام منكم إذا خرج و غلب هل يأخذ الخمس و هل يجبي الخراج‏ «3» و هل يأخذ الحق من الفي‏ء و المغنم و المعادن و ما أشبه ذلك فإن قال لا فقد خالف حكم الإسلام و إن قال نعم قيل له فإن احتج عليه رجل مثلك بقول الله عز و جل‏ اتبعوا من لا يسئلكم أجرا و بقوله‏ إن كثيرا من الأحبار و الرهبان‏ الآية بأي شي‏ء تجيبه حتى تجيبك الإمامية بمثله و هذا وفقكم الله شي‏ء كان الملحدون يطعنون به على المسلمين و ما أدري من دلسه لهؤلاء و اعلم علمك الله الخير و جعلك من أهله أنما يعمل بالكتاب و السنة و لا يخالفهما فإن أمكن خصومنا أن يدلونا على أنه خالف في أخذ ما أخذ الكتاب و السنة فلعمري أن الحجة واضحة لهم و إن لم يمكنهم ذلك فليعلموا أنه ليس في العمل-
______________________________
(1). الأنفال: 41.
(2). التوبة: 103.
(3). من الجباية و هي أخذ الخراج أو الزكاة و جمعها.



كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 113
بما يوافق الكتاب و السنة عيب و هذا بين.
ثم قال صاحب الكتاب و يقال لهم نحن لا نجيز الإمامة لمن لا يعرف فهل توجدونا سبيلا إلى معرفة صاحبكم الذي تدعون حتى نجيز له الإمامة كما نجوز للموجودين من سائر العترة و إلا فلا سبيل إلى تجويز الإمامة للمعدومين و كل من لم يكن موجودا فهو معدوم و قد بطل تجويز الإمامة لمن تدعون.
فأقول و بالله أستعين يقال لصاحب الكتاب هل تشك في وجود علي بن الحسين و ولده ع الذين نأتم بهم فإذا قال لا قيل له فهل يجوز أن يكونوا أئمة فإن قال نعم قيل له فأنت لا تدري لعلنا على صواب في اعتقاد إمامتهم و أنت على خطأ و كفى بهذا حجة عليك و إن قال لا قيل له فما ينفع من إقامة الدليل على وجود إمامنا و أنت لا تعترف بإمامة مثل علي بن الحسين ع مع محله من العلم و الفضل عند المخالف و الموافق ثم يقال له إنا إنما علمنا أن في العترة من يعلم التأويل و يعرف الأحكام بخبر النبي ص الذي قدمناه و بحاجتنا إلى من يعرفنا المراد من القرآن و من يفصل بين أحكام الله و أحكام الشيطان ثم علمنا أن الحق في هذه الطائفة من ولد الحسين ع لما رأينا كل من خالفهم من العترة يعتمد في الحكم و التأويل على ما يعتمد عليه علماء العامة من الرأي و الاجتهاد و القياس في الفرائض السمعية التي لا علة في التعبد بها إلا المصلحة فعلمنا بذلك أن المخالفين لهم مبطلون ثم ظهر لنا من علم هذه الطائفة بالحلال و الحرام و الأحكام ما لم يظهر من غيرهم ثم ما زالت الأخبار ترد بنص واحد على آخر حتى بلغ الحسن بن علي ع فلما مات و لم يظهر النص و الخلف بعده رجعنا إلى الكتب التي كان أسلافنا رووها قبل الغيبة فوجدنا فيها ما يدل على أمر الخلف من بعد الحسن ع و أنه يغيب عن الناس و يخفى شخصه و أن الشيعة تختلف و أن الناس يقعون في حيرة من أمره فعلمنا أن أسلافنا لم يعلموا الغيب و أن الأئمة أعلموهم ذلك بخبر الرسول فصح عندنا من هذا الوجه بهذه الدلالة كونه و وجوده و غيبته فإن كان هاهنا حجة تدفع ما قلناه فلتظهرها الزيدية فما بيننا و بين الحق معاندة و الشكر لله.



كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 114
ثم رجع صاحب الكتاب إلى أن يعارضنا بما تدعيه الواقفة على موسى بن جعفر و نحن‏ «1» فلم نقف على أحد و نسأل الفصل بين الواقفين و قد بينا أنا علمنا أن موسى ع قد مات بمثل ما علمنا أن جعفرا مات و أن الشك في موت أحدهما يدعو إلى الشك في موت الآخر و أنه قد وقف على جعفر ع قوم أنكرت الواقفة على موسى عليهم و كذلك أنكرت قول الواقفة على‏ «2» أمير المؤمنين ع.
فقلنا لهم يا هؤلاء حجتكم على أولئك هي حجتنا عليكم فقولوا كيف شئتم تحجوا أنفسكم.
ثم حكى‏ «3» عنا أنا كنا نقول للواقفة إن الإمام لا يكون إلا ظاهرا موجودا و هذه حكاية من لا يعرف أقاويل خصمه و ما زالت الإمامية تعتقد أن الإمام لا يكون إلا ظاهرا مكشوفا أو باطنا مغمورا و أخبارهم في ذلك أشهر و أظهر من أن تخفى و وضع الأصول الفاسدة للخصوم أمر لا يعجز عنه أحد و لكنه قبيح بذي الدين و الفضل و العلم و لو لم يكن في هذا المعنى إلا خبر كميل بن زياد «4» لكفى.
ثم قال فإن قالوا كذا قيل لهم كذا لشي‏ء لا نقوله و حجتنا ما سمعتم و فيها كفاية و الحمد لله ثم قال ليس الأمر كما تتوهمون في بني هاشم لأن النبي ص دل أمته على عترته بإجماعنا و إجماعكم التي هي خاصته التي لا يقرب أحد منه ع كقربهم فهي لهم دون الطلقاء و أبناء الطلقاء و يستحقها واحد منهم في كل زمان إذ كان الإمام لا يكون إلا واحدا بلزوم الكتاب و الدعاء إلى إقامته بدلالة الرسول ص عليهم-
أنهم لا يفارقون الكتاب حتى يردوا علي الحوض ..
و هذا إجماع و الذي اعتللتم به من بني هاشم ليس هم من ذرية الرسول ص و إن كانت لهم ولادة لأن كل بني‏
______________________________
(1). من كلام أبى جعفر ابن قبة في دفع المعارضة.
(2). في هامش بعض النسخ الظاهر أن الصواب «الواقفة على محمد بن أمير المؤمنين».
(3). يعني أبا زيد العلوى.
(4). سيجي‏ء الخبر في باب ما أخبر به أمير المؤمنين عليه السلام من وقوع الغيبة.



كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 115
ابنة ينتمون إلى عصبتهم‏ «1» ما خلا ولد فاطمة فإن رسول الله ص عصبتهم و أبوهم و الذرية هم الولد لقوا الله عز و جل‏ إني أعيذها بك و ذريتها من الشيطان الرجيم‏ «2» فأقول و بالله أعتصم إن هذا الأمر لا يصح بإجماعنا و إياكم عليه و إنما يصح بالدليل و البرهان فما دليلك على ما ادعيت و على أن الإجماع بيننا إنما هو في ثلاثة أمير المؤمنين و الحسن و الحسين ع و لم يذكر الرسول ص ذريته و إنما ذكر عترته فملتم أنتم إلى بعض العترة دون بعض بلا حجة و بيان أكثر من الدعوى و احتججنا نحن بما رواه أسلافنا عن جماعة حتى انتهى خبرهم إلى نص الحسين بن علي ع على علي ابنه و نص علي على محمد و نص محمد على جعفر ثم استدللنا على صحة إمامة هؤلاء دون غيرهم ممن كان في عصرهم من العترة بما ظهر من علمهم بالدين و فضلهم في أنفسهم و قد حمل العلم عنهم الأولياء و الأعداء و ذلك مبثوث في الأمصار معروف عند نقلة الأخبار و بالعلم تتبين الحجة من المحجوج و الإمام من المأموم و التابع من المتبوع و أين دليلكم يا معشر الزيدية على ما تدعون.
ثم قال صاحب الكتاب و لو جازت الإمامة لسائر بني هاشم مع الحسن و الحسين ع لجازت لبني عبد مناف مع بني هاشم و لو جازت لبني عبد مناف مع بني هاشم لجازت لسائر ولد قصي ثم مد في هذا القول.
فيقال له أيها المحتج عن الزيدية إن هذا لشي‏ء لا يستحق بالقرابة و إنما يستحق بالفضل و العلم و يصح بالنص و التوقيف فلو جازت الإمامة لأقرب رجل‏
______________________________
(1). أي ينتسبون. و عصبة الرجل- محركة-: بنوه و قرابته لابيه و انما سموا عصبة لانهم عصبوا به أي أحاطوا به، فالاب طرف و الابن طرف و العم جانب و الأخ جانب (الصحاح).
و العصبة اسم جنس يطلق على الواحد و الكثير. و قال الفيروزآبادي: العصبة: الذين يرثون الرجل عن كلالة من غير والد و لا ولد، فأما في الفرائض فكل من لم يكن له فريضة مسماة فهو عصبة.
(2). آل عمران: 36.



كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 116
من العترة لقرابته لجازت لأبعدهم فافصل بينك و بين من ادعى ذلك و أظهر حجتك و افصل الآن بينك و بين من قال و لو جازت لولد الحسن لجازت لولد جعفر و لو جازت لهم لجازت لولد العباس و هذا فصل لا تأتي به الزيدية أبدا إلا أن تفزع إلى فصلنا و حجتنا و هو النص من واحد على واحد و ظهور العلم بالحلال و الحرام.
ثم قال صاحب الكتاب و إن اعتلوا بعلي ع فقالوا ما تقولون فيه أ هو من العترة أم لا قيل لهم ليس هو من العترة و لكنه بان من العترة و من سائر القرابة بالنصوص عليه يوم الغدير بإجماع.
فأقول و بالله أستعين يقال لصاحب الكتاب أما النصوص يوم الغدير فصحيح و أما إنكارك أن يكون أمير المؤمنين من العترة فعظيم فدلنا على أي شي‏ء تعول فيما تدعي فإن أهل اللغة يشهدون أن العم و ابن العم من العترة ثم أقول إن صاحب الكتاب نقض بكلامه هذا مذهبه لأنه معتقد أن أمير المؤمنين ممن خلفه الرسول في أمته و يقول في ذلك إن النبي ص خلف في أمته الكتاب و العترة و إن أمير المؤمنين ص ليس من العترة و إذا لم يكن من العترة فليس ممن خلفه الرسول ص و هذا متناقض كما ترى اللهم إلا أن يقول إنه ص خلف العترة فينا بعد أن قتل أمير المؤمنين ص فنسأله أن يفصل بينه و بين من قال و خلف الكتاب فينا منذ ذلك الوقت لأن الكتاب و العترة خلفا معا و الخبر ناطق بذلك شاهد به و لله المنة.
ثم أقبل صاحب الكتاب بما هو حجة عليه فقال و نسأل من ادعى الإمامة لبعض دون بعض إقامة الحجة و نسي نفسه و تفرده بادعائها لولد الحسن و الحسين ع دون غيرهم ثم قال فإن أحالوا على الأباطيل من علم الغيب و أشباه ذلك من الخرافات و ما لا دليل لهم عليه دون الدعوى عورضوا بمثل ذلك لبعض فجاز أن العترة من الظالمين لأنفسهم إن كان الدعوى هو الدليل.
فيقال لصاحب الكتاب قد أكثرت في ذكر علم الغيب و الغيب لا يعلمه إلا الله و ما ادعاه لبشر إلا مشرك كافر و قد قلنا لك و لأصحابك دليلنا على ما ندعي الفهم‏



كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 117
و العلم فإن كان لكم مثله فأظهروه و إن لم يكن إلا التشنيع و التقول و تقريع الجميع بقول قوم غلاة فالأمر سهل و حسبنا الله و نعم الوكيل‏ ثم قال صاحب الكتاب ثم رجعنا إلى إيضاح حجة الزيدية بقول الله تبارك و تعالى‏ ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا الآية.
فيقال له نحن نسلم لك أن هذه الآية نزلت في العترة فما برهانك على أن السابق بالخيرات هم ولد الحسن و الحسين دون غيرهم من سائر العترة فإنك لست تريد إلا التشنيع على خصومك و تدعي لنفسك.
ثم قال قال الله عز و جل و ذكر الخاصة و العامة من أمة نبيه‏ و اعتصموا بحبل الله جميعا الآية ثم قال انقضت مخاطبة العامة ثم استأنف مخاطبة الخاصة فقال‏ و لتكن منكم أمة يدعون إلى الخير إلى قوله للخاصة كنتم خير أمة أخرجت للناس‏ فقال هم ذرية إبراهيم ع دون سائر الناس ثم المسلمون دون من أشرك من ذرية إبراهيم ع قبل إسلامه و جعلهم شهداء على الناس فقال‏ يا أيها الذين آمنوا اركعوا و اسجدوا و اعبدوا إلى قوله‏ و تكونوا شهداء على الناس‏ «1» و هذا سبيل الخاصة من ذرية إبراهيم ع ثم اعتل بآيات كثيرة تشبه هذه الآيات من القرآن.
فيقال له أيها المحتج أنت تعلم أن المعتزلة و سائر فرق الأمة تنازعك في تأويل هذه الآيات أشد منازعة و أنت فليس تأتي بأكثر من الدعوى و نحن نسلم لك ما ادعيت و نسألك الحجة فيما تفردت به من أن هؤلاء هم ولد الحسن و الحسين ع دون غيرهم فإلى متى تأتي بالدعوى و تعرض عن الحجة و تهول علينا بقراءة القرآن و توهم أن لك في قراءته حجة ليست لخصومك‏ و الله المستعان‏ ثم قال صاحب الكتاب فليس من دعا إلى الخير من العترة كمن أمر بالمعروف و نهى عن المنكر و جاهد في الله حق جهاده‏ سواء و سائر العترة ممن لم يدع إلى الخير و لم يجاهد في الله حق جهاده‏ كما لم يجعل الله من هذا سبيله من أهل الكتاب سواء و سائر أهل الكتاب و إن كان تارك ذلك فاضلا عابدا لأن العبادة نافلة و
______________________________
(1). الحج: 76.



كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 118
الجهاد فريضة لازمة كسائر الفرائض صاحبها يمشي بالسيف إلى السيف و يؤثر على الدعة الخوف ثم قرأ سورة الواقعة و ذكر الآيات التي ذكر الله عز و جل فيها الجهاد و أتبع الآيات بالدعاوي و لم يحتج لشي‏ء من ذلك بحجة فنطالبه بصحتها أو نقابله بما نسأله فيه الفصل.
فأقول و بالله أستعين إن كان كثرة الجهاد هو الدليل على الفضل و العلم و الإمامة فالحسين ع أحق بالإمامة من الحسن ع لأن الحسن وادع معاوية و الحسين ع جاهد حتى قتل و كيف يقول صاحب الكتاب و بأي شي‏ء يدفع هذا و بعد فلسنا ننكر فرض الجهاد و لا فضله و لكنا رأينا الرسول ص لم يحارب أحدا حتى وجد أعوانا و أنصارا و إخوانا فحينئذ حارب و رأينا أمير المؤمنين ع فعل مثل ذلك بعينه و رأينا الحسن ع قد هم بالجهاد فلما خذله أصحابه وادع و لزم منزله فعلمنا أن الجهاد فرض في حال وجود الأعوان و الأنصار و العالم بإجماع العقول أفضل من المجاهد الذي ليس بعالم و ليس كل من دعا إلى الجهاد يعلم كيف حكم الجهاد و متى يجب القتال و متى تحسن الموادعة و بما ذا يستقبل أمر هذه الرعية و كيف يصنع في الدماء و الأموال و الفروج و بعد فإنا نرضى من إخواننا بشي‏ء واحد و هو أن يدلونا على رجل من العترة ينفي التشبيه و الجبر عن الله و لا يستعمل الاجتهاد و القياس في الأحكام السمعية و يكون مستقلا كافيا حتى نخرج معه فإن الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر فريضة على قدر الطاقة و حسب الإمكان و العقول تشهد أن تكليف ما لا يطاق فاسد و التغرير بالنفس قبيح و من التغرير أن تخرج جماعة قليلة لم تشاهد حربا و لا تدربت بدربة أهله‏ «1» إلى قوم متدربين بالحروب تمكنوا في البلاد و قتلوا العباد و تدربوا بالحروب و لهم العدد و السلاح و الكراع‏ «2» و من نصرهم من العامة و يعتقدوا أن الخارج عليهم مباح الدم مثل جيشهم أضعافا
______________________________
(1). درب به- كفرح- دربا و دربة- بالضم-: ضرى، كتدرب. و الدربة:- بالضم- عادة و جرأة على الامر و الحرب.
(2). الكراع- بالضم-: اسم لجمع الخيل.



كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 119
مضاعفة فكيف يسومنا «1» صاحب الكتاب أن نلقى بالأغمار «2» المتدربين بالحروب و كم عسى أن يحصل في يد داع إن دعا من هذا العدد «3» هيهات هيهات هذا أمر لا يزيله إلا نصر الله العزيز العليم الحكيم.
قال صاحب الكتاب بعد آيات من القرآن تلاها ينازع في تأويلها أشد منازعة و لم يؤيد تأويله بحجة عقل و لا سمع فافهم رحمك الله من أحق أن يكون لله شهيدا من دعا إلى الخير كما أمر و نهى عن المنكر و أمر بالمعروف و جاهد في الله حق جهاده‏ حتى استشهد أم من لم ير وجهه و لا عرف شخصه أم كيف يتخذه الله شهيدا على من لم يرهم و لا نهاهم و لا أمرهم فإن أطاعوه أدوا ما عليهم و إن قتلوه مضى إلى الله عز و جل شهيدا و لو أن رجلا استشهد قوما على حق يطالب به لم يروه و لا شهدوه هل كان شهيدا و هل يستحق بهم حقا إلا أن يشهدوا على ما لم يروه فيكونوا كذابين و عند الله مبطلين و إذا لم يجز ذلك من العباد فهو غير جائز عند الحكم العدل الذي لا يجور و لو أنه استشهد قوما قد عاينوا و سمعوا فشهدوا له و المسألة على حالها أ ليس كان يكون محقا و هم صادقون و خصمه مبطل و تمضي الشهادة و يقع الحكم و كذلك قال الله تعالى‏ إلا من شهد بالحق و هم يعلمون‏ «4» أ و لا ترى أن الشهادة لا تقع بالغيب دون العيان و كذلك قول عيسى‏ و كنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم‏ الآية «5».
فأقول و بالله أعتصم يقال لصاحب الكتاب ليس هذا الكلام لك بل هو للمعتزلة و غيرهم علينا و عليك لأنا نقول إن العترة غير ظاهرة و إن من شاهدنا منها لا يصلح أن يكون إماما و ليس يجوز أن يأمرنا الله عز و جل بالتمسك بمن لا نعرف منهم و لا نشاهده و لا شاهده أسلافنا و ليس في عصرنا ممن شاهدناه منهم ممن‏
______________________________
(1). سامه الامر: كلفه إياه.
(2). الغمر- مثلثة الغين-: من لم يجرب الأمور و الجاهل، جمعه أغمار.
(3). يعني ان دعا الامام أو غيره مثلا المتدربين بالحروب كم يجتمع له منهم.
(4). الزخرف: 86.
(5). المائدة: 112.



كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 120
يصلح أن يكون إماما للمسلمين و الذين غابوا لا حجة لهم علينا و في هذا أدل دليل على أن معنى‏
قول النبي ص‏ إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله و عترتي ..
ليس ما يسبق إلى قلوب الإمامية و الزيدية و للنظام‏ «1» و أصحابه أن يقولوا وجدنا الذي لا يفارق الكتاب هو الخبر القاطع للعذر فإنه ظاهر كظهور الكتاب ينتفع به و يمكن اتباعه و التمسك به.
فأما العترة فلسنا نشاهد منهم عالما يمكن أن نقتدي به و إن بلغنا عن واحد منهم مذهب بلغنا عن آخر أنه يخالفه و الاقتداء بالمختلفين فاسد فكيف يقول صاحب الكتاب ثم اعلم أن النبي ص لما أمرنا بالتمسك بالعترة كان بالعقل و التعارف و السيرة ما يدل على أنه أراد علماءهم دون جهالهم و البررة الأتقياء دون غيرهم فالذي يجب علينا و يلزمنا أن ننظر إلى من يجتمع له العلم بالدين مع العقل و الفضل و الحلم و الزهد في الدنيا و الاستقلال بالأمر فنقتدي به و نتمسك بالكتاب و به.
و إن قال فإن اجتمع ذلك في رجلين و كان أحدهما ممن يذهب إلى مذهب الزيدية و الآخر إلى مذهب الإمامية بمن يقتدى منهما و لمن يتبع قلنا له هذا لا يتفق فإن اتفق فرق بينهما دلالة واضحة إما نص من إمام تقدمه و إما شي‏ء يظهر في علمه كما ظهر في‏
أمير المؤمنين يوم النهر حين قال: و الله ما عبروا النهر و لا يعبروا و الله ما يقتل منكم عشرة و لا ينجوا منهم عشرة ..
و إما أن يظهر من أحدهما مذهب يدل على أن الاقتداء به لا يجوز كما ظهر من علم الزيدية القول بالاجتهاد و القياس في الفرائض السمعية و الأحكام فيعلم بهذا أنهم غير أئمة و لست أريد بهذا القول زيد بن علي و أشباهه لأن أولئك لم يظهروا ما ينكر و لا ادعوا أنهم أئمة و إنما
______________________________
(1). هو أبو إسحاق إبراهيم بن سيار بن هانئ البصرى ابن اخت أبى هذيل العلاف شيخ المعتزلة. و كان النظام صاحب المعرفة بالكلام أحد رؤساء المعتزلة، أستاد الجاحظ.
و لقب بالنظام- كشداد- لانه كان ينظم الخرز في سوق البصرة و يبيعها. و قالت المعتزلة:
انما سمى ذلك لحسن كلامه نثرا و نظما (الكنى و الألقاب للمحدث القمي).



كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 121
دعوا إلى الكتاب و الرضا من آل محمد و هذه دعوة حق.
و أما قوله كيف يتخذه الله شهيدا على من لم يرهم و لا أمرهم و لا نهاهم فيقال له ليس معنى الشهيد عند خصومك ما تذهب إليه و لكن إن عبت الإمامية بأن من لم ير وجهه و لا عرف شخصه لا يكون بالمحل الذي يدعونه له فأخبرنا عنك من الإمام الشهيد من العترة في هذا الوقت فإن ذكر أنه لا يعرفه دخل فيما عاب و لزمه ما قدر أنه يلزم خصومه فإن قال هو فلان قلنا له فنحن لم نر وجهه و لا عرفنا شخصه فكيف يكون إماما لنا و شهيدا علينا فإن قال إنكم و إن لم تعرفوه فهو موجود الشخص معروف علمه من علمه و جهله من جهله قلنا سألناك بالله هل تظن أن المعتزلة و الخوارج و المرجئة و الإمامية تعرف هذا الرجل أو سمعت به أو خطر ذكره ببالها فإن قال هذا ما لا يضره و لا يضرنا لأن السبب في ذلك إنما هو غلبة الظالمين على الدار و قلة الأعوان و الأنصار قلت له لقد دخلت فيما عبت و حججت نفسك من حيث قدرت أنك تحاج خصومك و ما أقرب هذه الغيبة من غيبة الإمامية غير أنكم لا تنصفون.
ثم يقال قد أكثرت في ذكر الجهاد و وصف الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر حتى أوهمت أن من لم يخرج فليس بمحق فما بال أئمتك و العلماء من أهل مذهبك لا يخرجون و ما لهم قد لزموا منازلهم و اقتصروا على اعتقاد المذهب فقط فإن نطق بحرف فتقابله الإمامية بمثله ثم قيل له برفق و لين هذا الذي عبته على الإمامية و هتفت بهم من أجله و شنعت به على أئمتهم بسببه و توصلت بذكره إلى ما ضمنته كتابك قد دخلت فيه و ملت إلى صحته و عولت عند الاحتجاج عليه و الحمد لله الذي هدانا لدينه.
ثم يقال له أخبرنا هل في العترة اليوم من يصلح للإمامة فلا بد من أن يقول نعم فيقال له أ فليس إمامته لا تصح إلا بالنص على ما تقوله الإمامية و لا معه دليل معجز يعلم به أنه إمام و ليس سبيله عندكم سبيل من يجتمع أهل الحل و العقد من الأمة فيتشاورون في أمره ثم يختارونه و يبايعونه فإذا قال نعم قيل له فكيف السبيل إلى معرفته-



كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 122
فإن قالوا يعرف بإجماع العترة عليه قلنا لهم كيف تجتمع عليه- فإن كان إماميا لم ترض به الزيدية و إن كان زيديا لم ترض به الإمامية فإن قال لا يعتبر بالإمامية في مثل هذا قيل له فالزيديه على قسمين قسم معتزلة و قسم مثبتة فإن قال لا يعتبر بالمثبتة في مثل هذا قيل له فالمعتزلة قسمان قسم يجتهد في الأحكام بآرائها و قسم يعتقد أن الاجتهاد ضلال فإن قال لا يعتبر بمن نفى الاجتهاد قيل له فإن بقي ممن يرى الاجتهاد منهم أفضلهم و بقي ممن يبطل الاجتهاد منهم أفضلهم و يبرأ بعضهم من بعض بمن نتمسك و كيف نعلم المحق منهما هو من تومئ أنت و أصحابك إليه دون غيره فإن قال بالنظر في الأصول قلنا فإن طال الاختلاف و اشتبه الأمر كيف نصنع و بما نتفصى من‏
قول النبي ص‏ إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله و عترتي أهل بيتي ..
و الحجة من عترته لا يمكن أحدا «1» أن يعرفه إلا بعد النظر في الأصول و الوقوف على أن مذاهبه كلها صواب و على أن من خالفه فقد أخطأ و إذا كان هكذا فسبيله و سبيل كل قائل من أهل العلم سبيل واحد فما تلك الخاصة التي هي للعترة دلنا عليها و بين لنا جميعها لنعلم أن بين العالم من العترة و بين العالم من غير العترة فرقا و فصلا.
و أخرى يقال لهم أخبرونا عن إمامكم اليوم أ عنده الحلال و الحرام فإذا قالوا نعم قلنا لهم و أخبرونا عما عنده مما ليس في الخبر المتواتر هل هو مثل ما عند الشافعي و أبي حنيفة و من جنسه أو هو خلاف ذلك فإن قال بل عنده الذي عندهما و من جنسه قيل لهم و ما حاجة الناس إلى علم إمامكم الذي لم يسمع به و كتب الشافعي و أبي حنيفة ظاهرة مبثوثة موجودة و إن قال بل عنده خلاف ما عندهما قلنا فخلاف ما عندهما هو النص المستخرج الذي تدعيه جماعة من مشايخ المعتزلة و إن الأشياء كلها على إطلاق العقول إلا ما كان في الخبر القاطع للعذر على مذهب النظام و أتباعه أو مذهب الإمامية أن الأحكام منصوصة و اعلموا أنا لا نقول منصوصة على الوجه الذي يسبق إلى القلوب و لكن المنصوص عليه بالجمل التي من فهمها فهم الأحكام من غير
______________________________
(1). أي لاحد.



كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 123
قياس و لا اجتهاد فإن قالوا عنده ما يخالف هذا كله خرجوا من التعارف و إن تعلقوا بمذهب من المذاهب قيل لهم فأين ذلك العلم هل نقله عن إمامكم أحد يوثق بدينه و أمانته فإن قالوا نعم قيل لهم قد عاشرناكم الدهر الأطول فما سمعنا بحرف واحد من هذا العلم و أنتم قوم لا ترون التقية و لا يراها إمامكم فأين علمه و كيف لم يظهر و لم ينتشر و لكن أخبرونا ما يؤمنا أن تكذبوا فقد كذبتم على إمامكم كما تدعون أن الإمامية كذبت على جعفر بن محمد ع و هذا ما لا فصل فيه.
مسألة أخرى و يقال لهم أ ليس جعفر بن محمد عندكم كان لا يذهب إلى ما تدعيه الإمامية و كان على مذهبكم و دينكم فلا بد من أن يقولوا نعم اللهم إلا أن تبرءوا منه فيقال لهم و قد كذبت الإمامية فيما نقلته عنه و هذه الكتب المؤلفة التي في أيديهم إنما هي من تأليف الكذابين فإذا قالوا نعم قيل لهم فإذا جاز ذلك فلم لا يجوز أن يكون إمامكم يذهب مذهب الإمامية و يدين بدينها و أن يكون ما يحكي سلفكم و مشايخكم عنه مولدا موضوعا لا أصل له فإن قالوا ليس لنا في هذا الوقت إمام نعرفه بعينه نروي عنه علم الحلال و الحرام و لكنا نعلم أن في العترة من هو موضع هذا الأمر و أهله قلنا لهم دخلتم فيما عبتموه على الإمامية بما معها من الأخبار من أئمتها بالنص على صاحبهم و الإشارة إليه و البشارة به و بطل جميع ما قصصتم به من ذكر الجهاد و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر فصار إمامكم بحيث لا يرى و لا يعرف فقولوا كيف شئتم و نعوذ بالله من الخذلان.
ثم قال صاحب الكتاب و كما أمر الله العترة بالدعاء إلى الخير «1» وصف سبق السابقين منهم و جعلهم شهداء و أمرهم بالقسط فقال‏ يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ثم أتبع ذلك بضرب من التأويل و قراءة آيات من القرآن ادعى أنها في العترة و لم يحتج لشي‏ء منها بحجة أكثر من أن يكون الدعوى ثم قال و قد أوجب الله تعالى على نبيه ص ترك الأمر و النهي إلى أن هيأ له أنصارا فقال‏ و إذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا إلى قوله‏ لعلهم يتقون‏ فمن لم يكن من‏
______________________________
(1). في قوله عز و جل: «و لتكن منكم أمة يدعون إلى الخير»



كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 124
السابقين بالخيرات المجاهدين في الله و لا من المقتصدين الواعظين بالأمر و النهي عند إعواز الأعوان‏ «1» فهو من الظالمين لأنفسهم و هذا سبيل من كان قبلنا من ذراري الأنبياء ع ثم تلا آيات من القرآن.
فيقال له ليس علينا لمن‏ «2» أراد بهذا الكلام و لكن أخبرنا عن الإمام من العترة عندك من أي قسم هو فإن قال من المجاهدين قيل له فمن هو و من جاهد و يعلم من خرج و أين خيله و رجله فإن قال هو ممن يعظ بالأمر و النهي عند إعواز الأعوان قيل له فمن سمع أمره و نهيه فإن قال أولياؤه و خاصته قلنا فإن اتبع هذا و سقط فرض ما سوى ذلك عنه لإعواز الأعوان و جاز أن لا يسمع أمره و نهيه إلا أولياؤه فأي شي‏ء عبته على الإمامية و لم ألفت كتابك هذا و بمن عرضت و ليت شعري و بمن قرعت بآي القرآن و ألزمته فرض الجهاد ثم يقال له و للزيدية جميعا أخبرونا لو خرج رسول الله ص من الدنيا و لم ينص على أمير المؤمنين ع و لا دل عليه و لا أشار إليه أ كان يكون ذلك من فعله صوابا و تدبيرا حسنا جائزا فإن قالوا نعم فقلنا لهم و لو لم يدل على العترة أ كان يكون ذلك جائزا فإن قالوا نعم قلنا و لو لم يدل فأي شي‏ء أنكرتم على المعتزلة و المرجئة و الخوارج و قد كان يجوز أن لا يقع النص فيكون الأمر شورى بين أهل الحل و العقد و هذا ما لا حيلة فيه فإن قالوا لا و لا بد من النص على أمير المؤمنين ص و من الأدلة على العترة قيل لهم لم حتى إذا ذكروا الحجة الصحيحة فننقلها إلى الإمام في كل زمان لأن النص إن وجب في زمن وجب في كل زمان لأن العلل الموجبة له موجودة أبدا و نعوذ بالله من الخذلان.
______________________________
(1). اعوز اعوزازا الرجل. افتقر و ساءت حاله فهو معوز، و اعوزه المطلوب: أعجزه و صعب عليه نيله. اعوز في الشي‏ء: احتجت إليه، لم أقدر عليه. و في بعض النسخ «اعوزاز الاعوان» و اعوز اعوزازا احتال. اختلت حاله.
(2). لعل اللام في قوله «لمن» مفتوحة و الجملة تتضمن معنى الاستفهام، و قوله «ليس علينا» جملة مستقلة، أي ليس ما قلت علينا. و في بعض النسخ «لمن المراد».



كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 125
مسألة أخرى يقال لهم إذا كان الخبر المتواتر حجة رواه العترة و الأمة و كان الخبر الواحد من العترة كخبر الواحد من الأمة يجوز على الواحد منهم من تعمد الباطل و من السهو و الزلل ما يجوز على الواحد من الأمة و ما ليس في الخبر المتواتر و لا خبر الواحد فسبيله عندكم الاستخراج و كان يجوز على المتأول منكم ما يجوز على المتأول من الأمة فمن أي وجه صارت العترة حجة فإن قال صاحب الكتاب إذا أجمعوا فإجماعهم حجة قيل له فإذا أجمعت الأمة فإجماعها حجة و هذا يوجب أنه لا فرق بين العترة و الأمة و إن كان هكذا فليس في‏
قوله‏ خلفت فيكم كتاب الله و عترتي.
فائدة إلا أن يكون فيها من هو حجة في الدين و هذا قول الإمامية.
و اعلموا أسعدكم الله أن صاحب الكتاب أشغل نفسه بعد ذلك بقراءة القرآن و تأويله على من أحب و لم يقل في شي‏ء من ذلك الدليل على صحة تأويلي كيت كيت و هذا شي‏ء لا يعجز عنه الصبيان و إنما أراد أن يعيب الإمامية بأنها لا ترى الجهاد و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و قد غلط فإنها ترى ذلك على قدر الطاقة و لا ترى أن تلقي بأيديها إلى التهلكة و لا أن تخرج مع من لا يعرف الكتاب و السنة و لا يحسن أن يسير في الرعية بسيرة العدل و الحق و أعجب من هذا أن أصحابنا من الزيدية في منازلهم لا يأمرون بمعروف و لا ينهون عن منكر و لا يجاهدون و هم يعيبوننا بذلك و هذا نهاية من نهايات التحامل و دليل من أدلة العصبية نعوذ بالله من اتباع الهوى و هو حسبنا و نعم الوكيل‏ (مسألة أخرى) و يقال لصاحب الكتاب هل تعرف في أئمة الحق أفضل من أمير المؤمنين ص فمن قوله لا فيقال له فهل تعرف من المنكر بعد الشرك و الكفر شيئا أقبح و أعظم مما كان من أصحاب السقيفة فمن قوله لا فيقال له فأنت أعلم بالأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و الجهاد أو أمير المؤمنين ع فلا بد من أن يقول أمير المؤمنين فيقال له فما باله لم يجاهد القوم فإن اعتذر بشي‏ء قيل له فاقبل مثل هذا العذر من الإمامية فإن الناس جميعا يعلمون أن الباطل اليوم أقوى منه يومئذ و أعوان الشيطان أكثر و لا تهول علينا بالجهاد و ذكره فإن الله تعالى إنما



كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 126
فرضه لشرائط لو عرفتها لقل كلامك و قصر كتابك و نسأل الله التوفيق.
(مسألة أخرى) يقال لصاحب الكتاب أ تصوبون الحسن بن علي ع في موادعته معاوية أم تخطئونه فإذا قالوا نصوبه قيل لهم أ تصوبونه و قد ترك الجهاد و أعرض عن الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر على الوجه الذي تؤمون إليه فإن قالوا نصوبه لأن الناس خذلوه و لم يأمنهم على نفسه و لم يكن معه من أهل البصائر من يمكنه أن يقاوم بهم معاوية و أصحابه فإذا عرفوا صحة ذلك قيل لهم فإذا كان الحسن ع مبسوط العذر و معه جيش أبيه و قد خطب له الناس على المنابر و سل سيفه و سار إلى عدو الله و عدوه للجهاد لما وصفتم و ذكرتم فلم لا تعذرون جعفر بن محمد ع في تركه الجهاد و قد كان أعداؤه في عصره أضعاف من كان مع معاوية و لم يكن معه من شيعته مائة نفر قد تدربوا بالحروب و إنما كان قوم من أهل السر لم يشاهدوا حربا و لا عاينوا وقعة فإن بسطوا عذره فقد أنصفوا و إن امتنع منهم ممتنع فسئل الفصل و لا فصل.
و بعد فإن كان قياس الزيدية صحيحا فزيد بن علي أفضل من الحسن بن علي لأن الحسن وادع و زيد حارب حتى قتل و كفى بمذهب يؤدي إلى تفضيل زيد بن علي على الحسن بن علي ع قبحا و الله المستعان‏ و حسبنا الله و نعم الوكيل‏ «1»
[كلام المؤلف في خاتمة هذه الأبحاث‏]
و إنما ذكرنا هذه الفصول في أول كتابنا هذا لأنها غاية ما يتعلق بها الزيدية و ما رد عليهم و هي أشد الفرق علينا و قد ذكرنا الأنبياء و الحجج الذين وقعت بهم الغيبة ص و ذكرنا في آخر الكتاب المعمرين ليخرج بذلك ما نقوله في الغيبة و طول العمر من حد الإحالة إلى حد الجواز ثم صححنا النصوص على القائم الثاني عشر من الأئمة ع من الله تعالى ذكره و من رسوله و الأئمة الأحد عشر ص مع إخبارهم بوقوع الغيبة ثم ذكرنا مولده ع و من شاهده و ما صح من دلالاته و أعلامه و ما ورد من توقيعاته لتأكيد الحجة على المنكرين لولي الله و المغيب في ستر الله و الله الموفق للصواب و هو خير مستعان‏
______________________________
(1). هذا آخر ما نقله عن كتاب ابن قبة.



كمال الدين و تمام النعمة، ج‏1، ص: 127
[ذكر غيبات الأنبياء و الحجج تمهيدا لغيبة الإمام المهدي ع‏]
1 باب‏ «1» في غيبة إدريس النبي ع‏
فأول الغيبات غيبة إدريس النبي ع المشهورة حتى آل الأمر بشيعته إلى أن تعذر عليهم القوت و قتل الجبار من قتل منهم و أفقر و أخاف باقيتهم ثم ظهر ع فوعد شيعته بالفرج و بقيام القائم من ولده و هو نوح ع ثم رفع الله عز و جل إدريس ع إليه فلم تزل الشيعة يتوقعون قيام نوح ع قرنا بعد قرن و خلفا عن سلف صابرين من الطواغيت على العذاب المهين حتى ظهرت نبوة نوح ع‏
1- حدثنا أبي و محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد و محمد بن موسى بن المتوكل رضي الله عنهم قالوا حدثنا سعد بن عبد الله و عبد الله بن جعفر الحميري و محمد بن يحيى العطار قالوا حدثنا أحمد بن محمد بن عيسى و إبراهيم بن هاشم جميعا عن الحسن بن محبوب عن إبراهيم بن أبي البلاد عن أبيه عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر ع قال: كان بدء نبوة إدريس ع أنه كان في زمانه ملك جبار و أنه ركب ذات يوم في بعض نزهه فمر بأرض خضرة نضرة لعبد مؤمن من الرافضة «2» فأعجبته فسأل وزراءه لمن هذه الأرض قالوا لعبد مؤمن من عبيد الملك فلان الرافضي فدعا به فقال له أمتعني بأرضك‏ «3» هذه فقال عيالي أحوج إليها
______________________________
(1). النسخ مختلفة في عنوان الأبواب و هنا في بعضها «الباب الأول» و في بعضها «الباب الثاني» و في بعضها «باب» فقط، و في بعضها، «باب» مع الرقم الهندسى.
(2). الرافضة هم الذين تركوا مذهب سلطانهم. و الرفض في اللغة، الترك. و الروافض جنود تركوا قائدهم و انصرفوا و ذهبوا عنه. أو المراد الذين رفضوا الشرك و المعاصى او مذهب الملك أو الدنيا و نعيمها، و في اثبات الوصية «فقيل انها لرحل من الرافضة كان لا يتبعه على كفره و يرفضه يسمى رافضيا فدعى به- الخ».
(3). أي اجعلها لي انتفع بها و ألتذ بها.







اعتقادات الإماميه (للصدوق) ؛ ؛ ص40
[10] باب الاعتقاد في البداء
قال الشيخ أبو جعفر- رحمة الله- عليه-: إن اليهود قالوا ان الله قد فرغ من الأمر.
قلنا: بل هو تعالى‏ كل يوم هو في شأن‏، لا يشغله شأن عن شأن، يحيي و يميت* «1»، و يخلق و يرزق، و يفعل ما يشاء*.
و قلنا: يمحوا الله ما يشاء و يثبت و عنده أم الكتاب‏، و انه لا يمحوا إلا ما كان، و لا يثبت إلا ما لم يكن.
و هذا ليس ببداء، كما قالت اليهود و اتباعهم‏ «2» فنسبتنا اليهود في ذلك إلى القول بالبداء، و تابعهم على ذلك من خالفنا من أهل الأهواء المختلفة «3».
و قال الصادق- عليه السلام-: «ما بعث الله نبيا قط حتى يأخذ- عليه الإقرار بالعبودية، و خلع الأنداد، و إن الله تعالى يؤخر ما يشاء و يقدم ما يشاء» «4»
.______________________________
(1) العبارة: لا يشغله شأن ... و يميت، ليست في ق، س. و في ر: يحيي و يميت.
(2) السطر بأكمله ليس في ق، س.
(3) في م زيادة: من المخالفين.
(4) رواه مسندا المصنف في التوحيد: 333 باب البداء ح 3، و الكليني في الكافي 1: 114 باب البداء ح 3. و في كلا المصدرين: «يقدم ما يشاء و يؤخر ما يشاء».


اعتقادات الإماميه (للصدوق)، ص: 41
و نسخ الشرايع و الأحكام بشريعة نبينا محمد صلى الله- عليه و آله و سلم من ذلك، و نسخ الكتب بالقرآن من ذلك.
و قال الصادق- عليه السلام-: «من زعم أن الله بدا [له‏] في شي‏ء اليوم لم يعلمه أمس فابرءوا منه» «1».
و قال- عليه السلام-: «من زعم أن الله تعالى بدا له في شي‏ء بداء ندامة، فهو عندنا كافر بالله العظيم».
و أما
قول الصادق- عليه السلام-: «ما بدا لله في شي‏ء كما بدا له في ابني إسماعيل»
فإنه يقول: ما ظهر لله سبحانه أمر في شي‏ء كما ظهر له في ابني إسماعيل، «إذ اخترمه قبلي، ليعلم أنه ليس بإمام بعدي» «2».
______________________________
(1) رواه مسندا المصنف في كمال الدين: 69 باب اعتراض الزيدية على الإمامية. و في ق، س، ر: «من زعم انه يريد الله عز و جل في شي‏ء» و ما اثبتناه في المتن من م و هامش ر. و في م: «أنا برئ» بدلا عن «فابرؤا».
(2) رواه مسندا المصنف في التوحيد: 336 باب البداء ح 10.









































مقدمه کتاب کمال الدین در جواب از شبهات زیدیة