بسم الله الرحمن الرحیم
استعمالات مختلف شاذ در قراءات
فهرست مباحث علوم قرآنی
شواذ السبعة و العشرة
هل القراءة الشاذة بمنزلة الخبر-الشواذ-ابو حنیفة-أحمد-الحدیث
قول أبيعمرو در قرائت متواتر سبعة-لو سمعت الرجل الذي قال سمعت النبي ص ما أخذته عنه-لأني أتهم الواحد الشاذ إذا كان على خلاف ما جاءت به العامة
الشواذ فی القراءات لابن مجاهد
شاذ قبل ابن مجاهد یعنی شاذ عن المصحف العثمانی-شاذ قبل ابن مجاهد یعنی شاذ از قرائت عامة عشر و فوق عشر-شاذ بعد ابن مجاهد یعنی شاذ از قراءات سبع
تفسير الطبري = جامع البيان ت شاكر (2/ 478)
وقد قرأ بعضهم: (ما ننسخ من آية) ، بضم النون وكسر السين، بمعنى: ما ننسخك يا محمد نحن من آية - من"أنسختك فأنا أنسخك". وذلك خطأ من القراءة عندنا، لخروجه عما جاءت به الحجة من القرأة بالنقل المستفيض. وكذلك قراءة من قرأ (تنسها) أو (تنسها) لشذوذها وخروجها عن القراءة التي جاءت بها الحجة من قراء الأمة.
وأولى القراءات في قوله: (أو ننسها) بالصواب، من قرأ: (أو ننسها) بمعنى: نتركها. لأن الله جل ثناؤه أخبر نبيه صلى الله عليه وسلم أنه مهما بدل حكما أو غيره، أو لم يبدله ولم يغيره، فهو آتيه بخير منه أو بمثله. فالذي هو أولى بالآية، إذ كان ذلك معناها، أن يكون - إذ قدم الخبر عما هو صانع إذا هو غير وبدل حكم آية أن يعقب ذلك بالخبر عما هو صانع، إذا هو لم يبدل ذلك ولم يغير. فالخبر الذي يجب أن يكون عقيب قوله: (ما ننسخ من آية) . قوله: أو نترك نسخها، إذ كان ذلك المعروف الجاري في كلام الناس.
المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها (1/ 32)
المؤلف: أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي (المتوفى: 392هـ)
وارِدَ القراءات من متوجهاتها، فأتى ذلك على طهارة جميعه، وغزارة ينبوعه ضربين:
ضربًا اجتمع عليه أكثر قراء الأمصار، وهو ما أودعه أبو بكر أحمد بن موسى بن مجاهد4 -رحمه الله- كتابه الموسوم بقراءات السبعة، وهو بشهرته غانٍ عن تحديده.
وضربًا تعدى ذلك، فسماه أهل زماننا شاذًّا؛ أي: خارجًا عن قراءة القراء السبعة المقدم ذكرها، إلا أنه مع خروجه عنها نازع بالثقة إلى قرائه، محفوف بالروايات من أمامه وورائه، ولعله -أو كثيرًا منه- مساوٍ في الفصاحة للمجتمع عليه. نعم، وربما كان فيه ما تلطف صنعته، وتعنُف5 بغيره فصاحته، وتمطوه6 قوى أسبابه، وترسو به قَدَمُ إعرابه؛ ولذلك قرأ بكثير منه مَن جاذب ابن مجاهد عِنَان القول فيه، وما كَنَه عليه، وراده إليه؛ كأبي الحسن [2ظ] أحمد بن محمد بن شَنَبوذ7، وأبي بكر محمد بن الحسن بن مِقْسم8، وغيرهما ممن أدى إلى رواية استقواها، وأنحى على صناعة من الإعراب رضيها واستعلاها.
ولسنا نقول ذلك فسحًا بخلاف القراء المجتمع في أهل الأمصار على قراءاتهم، أو تسويغًا للعدول عما أقرته الثقات عنهم؛ لكن غرضنا منه أن نُرِي وجه قوة ما يسمى الآن شاذًّا، وأنه ضارب في صحة الرواية بِجِرانه، آخذ من سمت العربية مهلة ميدانه؛ لئلا يُرَى مرى1 أن العدول عنه إنما هو غض منه، أو تهمة له.
ومعاذ الله! وكيف يكون هذا والرواية تنميه إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والله تعالى يقول: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} ؟ 2 وهذا حكم عام في المعاني والألفاظ، وأَخذه هو الأخذ به، فكيف يسوغ مع ذلك أن ترفضه وتجتنبه.
فإن قَصُر شيء منه عن بلوغه إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فلن يقصر عن وجه من الإعراب داعٍ إلى الفسحة والإسهاب، إلا أننا وإن لم نقرأ في التلاوة به مخافة الانتشار فيه، ونتابع مَن يتبع في القراءة كل جائز رواية ودراية، فإنا نعتقد قوة هذا المسمى شاذًّا، وأنه مما أمر الله تعالى بتقبله، وأراد منا العمل بموجبه، وأنه حبيب إليه، ومرضيٌّ من القول لديه.
نعم، وأكثر ما فيه أن يكون غيره من المجتمع عندهم عليه أقوى منه إعرابًا وأنهض قياسًا؛ إذ هما جميعًا مرويان مسندان إلى السلف -رضي الله عنهم- فإن كان هذا قادحًا فيه، ومانعًا من الأخذ به؛ فليكونن ما ضعف إعرابه مما قرأ بعض السبعة به هذه حاله، ونحن نعلم مع ذلك ضعف قراءة ابن كثير3 "ضئاء"4 بهمزتين مكتنفتي الألف، وقراءة ابن عامر5: "وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلُ أَوْلادَهُمْ شُرَكَائهم"6، وسنذكر هذا ونحوه في مواضعه متصلًا بغيره، وهو أيضًا مع ذلك مأخوذ به.
ولعمري، إن القارئ به من شاعت قراءته، واعتيد الأخذ عنه، فأما أن نتوقف عن الأخذ به؛ لأن غيره أقوى إعرابًا منه فلا؛ لما قدمنا، فإذا كانت هذه حالَه عند الله -جل وعلا- وعند رسوله المصطفى، وأولي العلم بقراءة القراء، وكان مَن مضى من أصحابنا لم يضعوا للحِجَاج كتابًا فيه، ولا أَوْلَوه طرفًا من القول عليه؛ وإنما ذكروه مرويًّا مسلَّمًا مجموعًا أو متفرقًا، وربما اعتزموا الحرف منه فقالوا القول المقنع فيه، فأما أن يفردوا له كتابًا مقصورًا عليه، أو يتجردوا للانتصار له، ويوضحوا أسراره وعلله فلا نعلمه -حَسُن1؛ بل وجب التوجه إليه، والتشاغل بعمله وبسط القول على غامضه ومشكله، وما أكثر ما يخرج فيه بإذن الله، وأذهبه في طريق الصنعة الصريحة، لا سيما إذا كان مشوبًا بالألفاظ السمحة السريحة2، إلا أننا مع ذلك لا ننسى تقريبه على أهل القراءات؛ ليحظوا به، ولا ينأَوْا عن فَهْمِه.
فإن أبا علي3 -رحمه الله- عمل كتاب الحجة في القراءات، فتجاوز فيه قدر حاجة القراء إلى ما يجفو عنه كثير من العلماء "3و"، ونحن بالله وله وإليه، وهو حسبنا.
على أن أبا علي -رحمه الله- قد كان وقتًا حدَّث نفسه بعمله، وهَمَّ أن يضع يده فيه، ويبدأ به، فاعترضت خوالج4 هذا الدهر دونه، وحالت كبواته بينه وبينه، هذا على ما كان عليه من خلو سربه، وسروح فكره، وفروده 5 بنفسه، وإنبتات علائق الهموم عن قبله، يبيت وقواصي نظره محوطة عليه، وأحناء تصوره محوزة إليه، مضجعه مقر جسمه ومجال همته، ومغداه ومراحه مقصوران على حفظ بنيته. ولعل الخطرة الواحدة تخرق بفكري أقصى الحُجُب المتراخية عني في جمع الشتات من أمري، ودَمْل العوارض الجائحة لأحوالي، وأشكر الله ولا أشكوه، وأسأله توفيقًا لما يرضيه.
وأنا بإذن الله بادئ بكتاب أذكر فيه أحوال ما شذَّ عن السبعة، وقائل معناه مما يمن به الله -عز اسمه- وإياه نستعين وهو كافِيَّ ونعم الوكيل.
اعلم أن جميع ما شذَّ عن قراءة القراء السبعة1 -وشهرتهم مغنية عن تسميتهم- ضربان:
ضرب شذ عن القراءة عاريًا من الصنعة، ليس فيه إلا ما يتناوله الظاهر مما هذه سبيله، فلا وجه للتشاغل به؛ وذلك لأن كتابنا هذا ليس موضوعًا على جميع كافة القراءات الشاذة عن قراءة السبعة؛ وإنما الغرض منه إبانة ما لطفت صفته، وأُغْرِبَتْ2 طريقته.
وضرب ثانٍ وهو هذا الذي نحن على سمته؛ أعني: ما شذ عن السبعة، وغمُض عن ظاهر الصنعة، وهو المعتمد المعوَّل عليه، المولَى3 جهة الاشتغال به. ونحن نورد ذلك على ما رويناه، ثم على ما صح عندنا من طريق رواية غيرنا له، لا نألو فيه ما تقتضيه حال مثله من تأدية أمانته، وتحرِّي الصحة في روايته، وعلى أننا نُنْحي4 فيه على كتاب أبي بكر أحمد بن موسى بن مجاهد -رحمه الله- الذي وضعه لذكر الشواذ من القراءة؛ إذ كان مرسومًا به مَحْنُوَّ الأرجاء عليه، وإذ هو أثبت في النفس من كثير من الشواذ المحكية عمن ليست له روايته، ولا توفيقه ولا هدايته.
الاختلاف بين القراءات، ص: 109
الفصل الرابع القراءات الشاذة
مقدمة:
كانت القراءات المتواترة- قبل حدوث الرسم العثماني- كثيرة بدون حصر، فقد كان للقراءة الصحيحة قبل توحيد الرسم شرطان أحدهما: أن تكون القراءة وفق إحدى اللهجات العربية.
و الآخر: أن يتلقاها الجم الغفير من النبي صلّى اللّه عليه و سلم مباشرة، أو من صحابي تلقاها منه فلما توحد رسم المصحف في صدر خلافة عثمان رضي اللّه عنه جدّ شرط ثالث:
هو أن تكون القراءة متفقة في الرسم مع أحد المصاحف العثمانية. فان لم توافق واحدا منها عدّت قراءة شاذة «1». و قد استقر الأمر منذ قرون على اعتبار ما وراء القراءات العشر من الشواذ التي لا يتلى القرآن بها في الصلاة أو في خارجها، على الخلاف الذي سيأتي تفصيله في الفقرتين: الرابعة و الخامسة من هذا الفصل.
1- الشذوذ بين اللغة و الاصطلاح.
(الشذوذ) في لسان العرب: مصدر الفعل «شذّ، يشذ» بكسر الشين و ضمها في المضارع و معناه: الانفراد عن الجمهور. و (شذّاذ الناس) من كانوا
__________________________________________________
(1) عبد الفتاح القاضي: القراءات الشاذة ص 6.
الاختلاف بين القراءات، ص: 110
في القوم و ليسوا من قبائلهم «2» و قد استعار هذه الكلمة علماء الدراسات اللغوية، فأطلقوا كلمة (الشاذ) على ما خالف القاعدة العامة في الباب الواحد.
و قد استعارها علماء القراءات أيضا، و وصفوا بها كل ماوراء القراءات العشر من قراءات «3» سواء أ كانت القراءة مسندة لصحابي أم لغيره. و بالغ بعضهم فقال: (الشاذ) ماوراء القراءات السبع. و القول الأول هو المشهور الصحيح، و عليه جمهور علماء القراءات و الفقه.
2- القراءات الشاذة و أنواعها:
و بعد تتبعي لشواذ القراءات حول الأسماء من سورتي الفاتحة و البقرة، في المصادر التي عثرت عليها. و مقارنتها بما تواتر من القراءات، تبين لي أن القراءات الشاذة ثلاثة أنواع:
النوع الأول: القراءة الشاذة المشهورة، و هي القراءة التي وافقت العربية و الرسم و صح سندها، و لكنه لم يبلغ درجة التواتر. فمن هذا ما رواه الحاكم في (مستدركه) عن ابن عباس رضي اللّه عنهما، أن النبي صلّى اللّه عليه و سلم قرأ قوله تعالى:
لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ (بفتح الفاء) (التوبة/ 128) «4» و كقراءة غلبت الروم (بالبناء للفاعل) .. سيغلبون (بالبناء للمفعول) «5» النوع الثاني: قراءة الآحاد، و تحتها قسمان: القسم الأول كل قراءة وافقت العربية و الرسم و لم يصح سندها. القسم الثاني كل قراءة وافقت العربية و خالفت الرسم سواء صح سندها أو لم يصح «6».
__________________________________________________
(2) الصحاح، اللسان، تاج العروس (شذ).
(3) عبد الفتاح القاضي: القراءات الشاذة ص 6.
(4) البحر المحيط 5/ 118 و إتحاف فضلاء البشر ص 246.
(5) انظر الفصل الثالث: القراءات المتواترة. المبحث التاسع ص 91.
(6) فتح الباري 9/ 29 و لطائف الإشارات 1/ 74 و الإتقان للسيوطي 1/ 264.
الاختلاف بين القراءات، ص: 111
هذا- و أما القراءة التي تخالف العربية بكل لهجاتها، فلا توصف بأنها قراءة، بل تعتبر ضربا من ضروب الوضع و الاختلاق.
النوع الثالث: القراءة المدرجة، و هذا النوع من شواذ القراءات هو الذي زيد في الآية على وجه التفسير. كقراءة سعد بن أبي وقاص «و له أخ او أخت من أم» (النساء/ 12) و كقراءة ابن الزبير: «و لتكن منكم أمة يدعون إلى الخير و يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر. و يستعينون باللّه على ما أصابهم» (آل عمران/ 104) «7» و الحق أن وصف هذا النوع بأنه قراءة غير صحيح، و ما هو إلا ضرب من التفسير.
3- أصحاب القراءات الشاذة
بعد أن توحد رسم المصاحف في عهد عثمان رضي اللّه عنه التزم شيوخ الإقراء من الصحابة و التابعين، القراءة التي توافق الرسم، و تواتر سندها من حيث الضبط.
و مع هذا ظل العلماء و المتعلمون بعلوم القرآن يتناقلون فيما بينهم المواضع التي كان فيها تعدد قراءات قبل الرسم الموحد. و لما جاء عصر تأليف الكتب في نواحي العلوم الإسلامية المختلفة، ألف علماء القراءات كتبا في القراءات المتواترة، و أخرى في القراءات الشاذة، و مرجعهم في الأخيرة ما ظلت تتناقله ذواكر الحفظة، و انتقلت الفكرة إلى المفسرين أيضا فرأى كثير منهم أن يشير إلى القراءة الشاذة حيثما وجدت، تكملة لفائدة القارئ و لأنها تعين على توضيح معنى في القراءة المتواترة، و قد تدل على معنى صحيح لا تؤديه القراءة المتواترة. و قد كثرت الإشارة في هذه المصادر إلى قراء الشواذ من الصحابة و التابعين. فتردد من أسماء الصحابة ذكر: عبد اللّه بن مسعود، و أبيّ بن كعب، و عبد اللّه بن عباس، و سعد بن أبي وقاص، و عبد اللّه بن الزبير و غيرهم.
__________________________________________________
(7) الإتقان 1/ 364 و فتح القدير 1/ 369.
الاختلاف بين القراءات، ص: 112
و عند ما ظهر أئمة القراءات العشر و تحددت أشخاصهم، ظهر أيضا إلى جانبهم عدد كبير من قراء الشواذ و هم درجات في الشهرة و أكثرهم شهرة أربعة و هم:
1- ابن محيصن، و اسمه: محمد بن عبد الرحمن المكي. توفي بمكة سنة 123 ه و له راويان: البزي. و ابن شنبوذ.
1- اليزيدي: و اسمه يحيى بن المبارك. توفي بمرو 202 ه و له راويان:
سليمان بن الحكيم، و أحمد بن فرح (بالحاء المهملة).
3- الحسن البصري: (110 ه). و له راويان: شجاع بن أبي نصر البلخي، و الدوري.
4- الأعمش: و اسمه سليمان بن مهران (ت 148 ه) و له راويان:
الحسن بن سعيد المطوعي، و أبو الفرج الشنبوذي الشطوي. و قراءات هؤلاء الأربعة شاذة باتفاق «8» و قد حدد علماء القراءات المواضع التي خالف فيها هؤلاء الأئمة العشرة، و قد تناولتها بالتفصيل الكتب الخاصة بشواذ القراءات، كما أشارت إلى كثير منها بعض كتب التفسير.
أما غير هؤلاء من قراء الشواذ، ممن رويت عن أحدهم قراءة شاذة هنا أو هناك، فسيرد اسم كل واحد منهم عند التعرض للآية التي قرأ إحدى كلماتها قراءة شاذة، كما سترد لهم تراجم موجزة في الملحق الخاص بتراجم قراء الشواذ في آخر هذه الرسالة.
4- الاحتجاج بشواذ القراءات
اتفق جمهور العلماء على جواز تدوين القراءة الشاذة و تعلمها و تعليمها و الاحتجاج بها في ميادين الدراسات اللغوية، و الاستعانة بها- متى صح سندها- في بيان المراد من القراءة المتواترة. و لم يتفق أئمة الفقه على اتخاذها دليلا
__________________________________________________
(8) إتحاف فضلاء البشر ص 7.
الاختلاف بين القراءات، ص: 113
في مجال الأحكام الفقهية، فقد ذهب أبو حنيفة رحمه اللّه و أصحاب المذهب الإباضي إلى جواز الاستدلال بالقراءة الشاذة في مباحث الأحكام الفقهية، و رأوا أنها بمنزلة خبر الواحد العدل قالوا: فابن مسعود و أبيّ- مثلا- صادقان عند ما يخبراننا بأنهما سمعا النبي صلّى اللّه عليه و سلم يقرأ فصيام ثلاثة أيّام متتابعات (المائدة/ 89) «9» و وافق أبا حنيفة فيما ذهب إليه الروياني و الرافعي «10»، و لذا أوجبوا تتابع الصوم في كفارة اليمين.
و ظاهر مذهب الإمام الشافعي رحمه اللّه عدم الاستدلال بالقراءة الشاذة في الأحكام الشرعية، فليست عنده بمنزلة خبر الواحد العدل، لأن إجماع الصحابة على عدم كتابتها في المصاحف العثمانية دليل على أنها ليست قرآنا «11». و لذا لم يوجب تتابع الصوم في كفارة اليمين، و ذهب إلى عدم الاحتجاج بها أيضا ابن الحاجب من المالكية «12».
و إني أذهب إلى ما ذهب إليه القائلون بعدم الاحتجاج بالقراءة الشاذة في مجال الأحكام الفقهية لأمرين:
الأمر الأول: لأنها ليست قرآنا كما قالوا. إلّا على الظن، إذ رفعها من المصاحف دليل على أنها ليست قرآنا فمن الجائز أن تتابع الصوم في كفارة اليمين كان واجبا أول الأمر، ثم خفف اللّه عن الأمة و استبدل به غيره.
الأمر الثاني: أنها ليست بمنزلة خبر الواحد العدل. فإن إيجاب العمل بخبر الواحد العدل يتوقف على كونه ثابتا لم ينسخ بأثر آخر أو بإجماع. و لم يوجد دليل آخر يعارضه «13». و القراءة الشاذة تخالف خبر الواحد العدل من هذين الوجهين:
__________________________________________________
(9) الإتقان 1/ 82 و فتح القدير 2/ 72 و البحر الزخار (في الفقه الإباضي) 1/ 160.
(10) الإتقان و الصفحة نفسها.
(11) إمام الحرمين: البرهان في أصول الفقه 1/ 666.
(12) الإتقان 1/ 82.
(13) ابن عبد البر: التمهيد 1/ 2 و الشوكاني: إرشاد الفحول ص 46.
الاختلاف بين القراءات، ص: 114
فإن إزالتها من المصاحف دليل على نسخها كما تقدم. و القراءة المتواترة الثابتة في المصحف دليل معارض، و قوي لتواتره. و القراءة الشاذة دليل معارض (بفتح الراء) ضعيف لشذوذه.
و لم أر في المصادر التي تيسر لي الاطلاع عليها رأيا للمتقدمين حول جواز الاحتجاج بالقراءة الشاذة على الأحداث التاريخية. و قد ذهبت إلى صحة ذلك بشرط ألّا يتناقض مدلول القراءة الشاذة مع مدلول القراءة المتواترة. و قد استندت على القراءة الشاذة في الاستدلال على وقائع تاريخية و ذلك عند مناقشة قوله تعالى: وَ وَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَ يَعْقُوبُ بنصب يعقوب «14» و قوله تعالى:
الم غُلِبَتِ الرُّومُ ... وَ هُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ... «15».
5- القراءة بالشاذ في الصلاة
لقد اختلفت أقوال أئمة الفقه الإسلامي، في حكم الصلاة بالشاذ اختلافا كثيرا و فيما يلي بسط الكلام حول تلك الأقوال:
أولا: المذهب المالكي
اكتفى مالك رحمه اللّه عن الحكم على الصلاة التي يقرأ فيها بالشاذ بقوله:
«من قرأ في صلاته بقراءة ابن مسعود أو غيره من الصحابة، مما يخالف المصحف لم يصلّ وراءه» «16» و جاء في قول آخر رواه عنه ابن القاسم قال: سئل مالك عن رجل صلى خلف رجل يقرأ بقراءة ابن مسعود؟ قال: يخرج و يدعه و لا يأتم به. و سئل ابن القاسم: هل على من صلى خلف من يقرأ بقراءة ابن مسعود أن يعيد صلاته فأجاب ابن القاسم: أرى أن يعيد في الوقت و بعده «17».
__________________________________________________
(14) انظر فصل: الاختلاف النحوي ص 301.
(15) انظر فصل: القراءات المتواترة ص 75.
(16) المدونة 1/ 84 و غيث النفع ص 19 و التمهيد 8/ 293.
(17) المدونة 1/ 84.
الاختلاف بين القراءات، ص: 115
هذا- و لم يتعرض الإمام مالك رحمه اللّه في قوله ذلك لصلاة الإمام بالصحة أو البطلان، و إنما حكم على صلاة المأموم بقطعها و عدم التمادي فيها و كذلك فعل تلميذه ابن القاسم رحمه اللّه، فلم يتطرق لحكم صلاة الإمام، و إنما حكم على صلاة المأموم بالبطلان و وجوب الإعادة أبدا.
فالمسألة شائكة كما ترى إذ لا بدّ لمن يحكم ببطلان عبادة ما شرعا، أن يكون تحت يده دليل البطلان. و هل الدليل هنا هو مخالفة الإجماع بالقراءة في الصلاة بما أجمع الصحابة في عهد عثمان على خلو المصاحف منه. هذا ما يفهم من قول بعض فقهاء المذهب الشافعي كما سيأتي ذكره في فقرة «ثالثا».
ثانيا: المذهب الحنفي
و لعلماء الأحناف ثلاثة أقوال في المسألة.
أحدها: صحة الصلاة بقراءة بعض الكلمات قراءة شاذة، لأنهم يعتبرون اللفظ الشاذ في القراءات قرآنا طرأ الشك على قرآنيته لعدم تواتر سنده.
الثاني: تفسد صلاة من اقتصر في صلاته على الشاذ، و تصح أن قرأ معه متواترا «18».
الثالث: التفصيل بين الشاذ الذي يغير المعنى و الذي لا يغيره. فقد نقل القسطلاني تفصيلا لبعض فقهاء المذهب الحنفي في قوله: «و الذي أفتى به علماء الحنفية بطلان الصلاة التي يقرأ فيها بالشاذ إذا غير المعنى، و صحتها إن لم يغير المعنى» «19».
ثالثا: المذهب الشافعي:
و لا خلاف بين علماء المذهب الشافعي في حرمة القراءة بالشاذ في الصلاة
__________________________________________________
(18) رد المختار 1/ 326.
(19) القسطلاني: لطائف الإشارات 1/ 74.
الاختلاف بين القراءات، ص: 116
و بطلانها. و نصوا على أن الشاذ من القراءات ما وراء القراءات العشر. أفتى بهذا من علماء المذهب النووي و ابن الصلاح رحمهما اللّه «20».
رابعا: المذهب الحنبلي
و في المذهب الحنبلي ثلاثة أقوال أيضا كما في المذهب الحنفي.
أحدها: عدم صحة الصلاة بما خرج عن مصحف عثمان كقراءة ابن مسعود و غيره.
الثاني: صحة الصلاة إذا قرئ فيها بشاذ صح سنده. و قالوا في الاحتجاج لهذا: إن الصحابة رضوان اللّه عليهم، كانوا يصلون بقراءاتهم تلك التي اعتبرت شاذة بعد توحيد الرسم في المصاحف العثمانية و لم يقل أحد ببطلان صلاتهم. و إذا صح هذا- و هو صحيح- فلن يكون أمر من الأمور مبطلا للصلاة في عصر دون عصر. و قد صح أن النبي صلّى اللّه عليه و سلم قال عن قراءة ابن مسعود: «من أحب أن يقرأ القرآن غضا كما أنزل فليقرأ على قراءة أم عبد» «21».
الثالث: روي عن الإمام أحمد بن حنبل قوله: يكره للمصلي أن يقرأ في الصلاة بالشاذ، و تصح صلاته إذا صح سند الشاذ الذي قرأ به «22». و بقول الإمام أحمد هذا أقول: و لكن لا ينبغي لمن صلى بالناس إماما أن يقرأ بالشاذ مراعاة لهذا الخلاف بين الأئمة. و السلامة للدين أن يؤدي المسلمون عباداتهم على المتفق عليه، لا على المختلف فيه. ففي الحديث النبوي الصحيح «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» «23».
__________________________________________________
(20) محيى الدين النووي: المجموع شرح المهذب 3/ 333 و غيث النفع ص 18.
(21) ابن قدامة: المغني 1/ 535.
(22) شرف الدين الحجاوي: الإقناع 1/ 119 و الشرح الكبير على المغني 1/ 535.
(23) حديث صحيح رواه الإمام أحمد و الترمذي و النسائي. قاله المناوي: فيض القدير 3/ 529.
الاختلاف بين القراءات، ص: 117
و لم أر لعلمائنا المتقدمين أو المعاصرين- في المصادر التي أتيح لي الوقوف عليها- قولا حول من يصلي بالناس إماما في بلد ما و هو غريب عنها. و ممن يحسنون عددا من القراءات المتواترة، فيقرأ في الصلاة بقراءة متواترة غير معروفة للمأمومين. و لعلي لا أكون مجانبا للصواب بأن قلت بكراهة ذلك، لأن القراءة في الصلاة برواية غريبة عن المأمومين تشوش عليهم في صلاتهم و تجعلهم- لطول ما ألفوا القراءة المعروفة في بلدهم- يظنون بذا الإمام الغريب الخطأ و هو من القراءات بمكان.
6- القراءة بالشاذ خارج الصلاة.
أما تلاوة القرآن بشواذ القراءات خارج الصلاة، فقد اختلف الفقهاء في حكمها أيضا، حرمها الجمهور و قالوا: يؤدب الذي يقرأ القرآن بالشواذ، و إذا لم يرتدع يحبس حتى يتوب. هذا إذا كان عارفا بالحكم، أما إذا كان جاهلا بالحكم فيكتفى بتعريفه إياه «24». و نقل ابن عبد البر الإجماع على التحريم «25». و نقل السيوطي رحمه اللّه فتوى لبعض الفقهاء يجيز فيها التلاوة بالشاذ خارج الصلاة.
قال: قياسا على رواية الحديث بالمعنى «26».
و يرى مكي بن أبي طالب و ابن الجزري جواز التلاوة بالشاذ خارج الصلاة بشروط خمسة: أن يكون الشاذ المقروء به موافقا للرسم، و العربية، و أن يصح سنده، و أن يظفر بالشهرة، و يتلقّى بالقبول «27».
و خلاصة ما تتجه إليه أنظار أكثر الفقهاء، أن الشاذ من القراءات لا يتلى به القرآن في الصلاة أو في خارجها. لقد أجمع المسلمون على أن القرآن هو ما بين
__________________________________________________
(24) القسطلاني: لطائف الإشارات 1/ 73.
(25) الزركشي: البرهان 1/ 467.
(26) السيوطي: الإتقان 1/ 109.
(27) عبد الفتاح القاضي: القراءات الشاذة ص 8.
الاختلاف بين القراءات، ص: 118
دفتي المصحف، و قد اطّرح الصحابة ما سواه عند توحيد رسم المصاحف، فالقراءة بعد ذلك بما خالف رسم المصحف الإمام، أو وافقه في الرسم و خالفه في الضبط المتواتر، فيها تشويش و تخليط على جمهور المسلمين، يفرق كلمتهم و يثير بينهم الخلاف الذي حسم أمره الخليفة الثالث عثمان بن عفان رضي اللّه عنه.
فالقراءة بالشواذ بعد هذا أراها مكروهة كراهة شديدة لما يترتب عليها من آثار الفرقة و الاختلاف.
الاختلاف بين القراءات، ص: 119
الفصل الخامس الاختلاف اللغوي
يحتوي على ثلاثة مباحث:
الأول: الاختلاف في الأسماء المرفوعة.
الثاني: الاختلاف في الأسماء المنصوبة.
الثالث: الاخلاف في الأسماء المجرورة.
الاختلاف بين القراءات، ص: 121
المبحث الأول في الأسماء المرفوعة
في هذا المبحث سبعة و عشرون (27) اسما مرفوعا، و قد اختلفت أسباب رفعها فمنها الفاعل و نائب الفاعل و المبتدأ و الخبر و اسم «كان» و خبر «إن».
و قد رويت فيها قراءات شاذة بجانب القراءات المتواترة. و دار اختلاف الشواذ فيها مع المتواتر بين وجوه الاختلاف الثلاثة، الرسم، و الضبط بالشكل و نقط الإعجام.
و قد جعلتها خمسة أقسام:
القسم الأول: للشواذ التي خالفت في الرسم، و رويت في سبعة مواضع.
القسم الثاني: للشواذ التي خالفت في الضبط بالشكل و رويت في أربعة عشر موضعا.
القسم الثالث: للشواذ التي دار خلافها بين الرسم و الضبط بالشكل و رويت في أربعة مواضع.
القسم الرابع: للشواذ التي دار خلافها بين الرسم و نقط الإعجام و رويت في موضع واحد.
الاختلاف بين القراءات، ص: 122
القسم الخامس: للشواذ التي دار خلافها بين الرسم و الضبط بالشكل و نقط الإعجام. و رويت في موضع واحد.
و هذه الشواذ- على اختلاف وجوه شذوذها- تشترك جميعا في فقدان السند المتواتر.
و في الفقرات التالية تفصيل هذا الإجمال .. بعون اللّه تعالى.
الاختلاف بين القراءات، ص: 123
القسم الأول: الشواذ المختلفة في الرسم
وجدت في النطاق المحدد للدراسة من بين الأسماء المرفوعة غير الضمائر- سبعة أسماء فقط يختلف فيها رسم الكلمة في القراءة الشاذة عنه في القراءة المتواترة.
و هي:
استعمالات مختلف شاذ در قراءات
/