بسم الله الرحمن الرحیم
القرائة-27|82|وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ
27|82|وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ
ابن عباس-تكلمهم-كل ذلك والله يفعل تكلم المؤمن وتكلم الكافر
کلا القرائتین حق در تفسیر الامام ع و مقبولیت آن نزد محدثین بعد از قرن دهم
مجمع البيان في تفسير القرآن، ج7، ص: 364
القراءة
قرأ و لا يسمع بالياء الصم بالرفع هاهنا و في الروم ابن كثير و ابن عباس و الباقون «لا تُسْمِعُ» بضم التاء الصُّمَّ «بالنصب» و قرأ و ما أنت تهدي العمي حمزة هاهنا و في الروم و قرأ الباقون «وَ ما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ» و في الشواذ قراءة ابن عباس و سعيد بن جبير و مجاهد و الجحدري و ابن ذرعة تكلمهم بفتح التاء و التخفيف و قرأ أهل العراق غير أبي عمرو و سهل «أَنَّ النَّاسَ» بفتح الهمزة و الباقون بكسرها.
الحجة
حجة من قال «تُسْمِعُ» إنه أشبه بما قبل من قوله «إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى» و يؤكد ذلك قوله وَ لَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ و من قرأ و لا يسمع الصم الدعاء فالمعنى لا ينقادون للحق لعنادهم كما لا يسمع الأصم ما يقال له و من قرأ تهدي العمي فالتقدير إنك لا تهديهم لشدة عنادهم و إعراضهم و أنت مرفوع بما على قول أهل الحجاز و «تهدي» في موضع نصب بأنه خبر و على قول تميم يرتفع بفعل مضمر يفسره الظاهر الذي هو تهدي تقديره إذا أظهرت ذلك المضمر ما تهدي تهدي لأنك إذا أظهرت أفعل المضمر اتصل به الضمير و لم ينفصل كما ينفصل إذا لم تظهر و من قرأ «بِهادِي الْعُمْيِ» مضافا في السورتين فاسم الفاعل للحال أو للآتي فإذا كان كذلك كانت الإضافة في نية الانفصال و قوله «أَنَّ النَّاسَ» بالفتح فالوجه فيه تكلمهم بأن الناس و زعموا أنه في قراءة أبي تنبئهم و عن قتادة أنه في بعض الحروف تحدثهم و هذا يدل على أن تكلمهم من الكلام الذي هو النطق و ليس هو من الكلم الذي هو الجراحة. و من كسر فقال إن الناس فالمعنى تكلمهم فتقول لهم أن الناس و إضمار القول في الكلام كثير و حسن ذلك لأن الكلام قول فكان القول أظهر و من قرأ تكلمهم فمعناه تجرحهم بأكلها إياهم.
أحاديث في الفتن والحوادث (مطبوع ضمن مؤلفات الشيخ محمد بن عبدالوهاب، الجزء الحادي عشر) (ص: 259)
قال ابن عبّاس، والحسن، وقتادة، ويروى عن عليّ ـ رضي الله عنهم ـ: "تكلّمهم كلاماً"، أي: تخاطبهم مخاطبة.
وفي تفسير الألوسي: ويؤيّد ذلك قراءة أبيّ: "تنبّئهم"، وقراءة يحيى بن سلام: "تحدّثهم".
وقيل: هو من الكلم بمعنى: الجرح، والتّفعيل للتّكثير.
وفي تفسير الألوسي: "ويؤيّد ذلك قراءة ابن عبّاس: "تَكْلمهم" بفتح التّاء وسكون الكاف، وقراءة بعضهم: "تجرهم" مكان "تكلمهم".
ولقد سئل ابن عبّاس ـ رضي الله عنهما ـ هل ما في الآية تُكَلِّم أو تَكْلَمُهم؟
فقال: كلّ ذلك تفعل، تُكَلِّم المؤمن، وتَكْلُم الكافر.
وهذا القول: قول حسن ينتظم الرّأيين ويجمع بينهما، والله أعلم".
الشيعة والقرآن (ص: 282)
(هـ) 675ـ وعن أبي بصير عن أبي جعفر (ع) قال قلت له إن من الناس من يقرأ دابة من الأرض تكلمهم فقال أبو جعفر (ع) كلم الله من قرأ تكلمهم ولكن يكلمهم.
(و) 676ـ الطبرسي في جوامعه عن الباقر عليه السلام قال كلم الله من قرأ تكلمهم ولكن يكلمهم وقال في (المجمع) قرأ ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد والجحدري وابن زرعة تكلمهم بالتاء والتخفيف قال ومن قرأ تكلمهم فمعناه تجرحهم بأكلها إياه.
إتحاف الجماعة بما جاء في الفتن والملاحم وأشراط الساعة (3/ 175)
قال ابن كثير في "تفسيره" ما ملخصه: "هذه الدابة تخرج في آخر الزمان؛ عند فساد الناس، وتركهم أوامر الله، وتبديلهم الدين الحق، يخرج الله لهم دابة من الأرض؛ قيل: من مكة، وقيل: من غيرها، فتكلم الناس. قال ابن عباس رضي الله عنهما والحسن وقتادة ويروى عن علي رضي الله عنه: "تكلمهم كلاما"؛ أي: تخاطبهم مخاطبة. وقال ابن عباس رضي الله عنهما في رواية: "تجرحهم". وعنه رواية: "كُلا تفعل"؛ يعني: هذا وهذا، وهو قول حسن، ولا منافاة".
وقال ابن كثير أيضا في "النهاية": "قال ابن عباس والحسن وقتادة: تكلمهم؛ أي: تخاطبهم مخاطبة. وعن ابن عباس: تكلمهم: تجرحهم؛ بمعنى: تكتب على جبين الكافر كافر، وعلى جبين المؤمن مؤمن.
وعنه: تخاطبهم وتجرحهم. وهذا القول ينتظم المذهبين، وهو قوي حسن جامع لهما، والله أعلم" انتهى باختصار.
إتحاف الجماعة بما جاء في الفتن والملاحم وأشراط الساعة (3/ 176)
وقال البغوي في "تفسيره": "اختلفوا في كلامها، فقال السدي: تكلمهم ببطلان الأديان سوى دين الإسلام. وقال بعضهم: كلامها أن تقول لواحد: هذا مؤمن، وتقول لآخر: هذا كافر. وقال مقاتل: تكلمهم بالعربية. وقرأ سعيد بن جبير وعاصم الجحدري وأبو رجاء العطاردي: تكلم بفتح التاء وتخفيف اللام من الكلم، وهو الجرح. قال أبو الجوزاء: سألت ابن عباس رضي الله عنهما عن هذه الآية: تُكَلِّمهم أو تَكْلِمهم؟ قال: كل ذلك تفعل؛ تُكَلِّم المؤمن، وتَكْلِم الكافر". انتهى باختصار.
إتحاف الجماعة بما جاء في الفتن والملاحم وأشراط الساعة (3/ 183)
والجواب أن يقال: قد تقدم عن ابن عباس رضي الله عنهما والحسن وقتادة: أنهم قالوا في الدابة: إنها تكلم الناس كلاما؛ أي: تخاطبهم مخاطبة.
وقال مقاتل: تكلمهم بالعربية. وهذا يرد قول أبي عبية أن تكليم الدابة للإنسان يكون بلسان الحال لا بلسان المقال.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما في رواية: "تكلمهم: تجرحهم؛ بمعنى: تكتب على جبين الكافر كافر، وعلى جبين المؤمن مؤمن". وعنه: "تخاطبهم وتجرحهم". قال ابن كثير: "وهذا القول ينتظم المذهبين، وهو قوي حسن جامع لهما". انتهى.
الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد والرد على أهل الشرك والإلحاد (ص: 239)
خروج الدابة:
ذكر الله خروج الدابة في قوله تعالى: {وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآياتِنَا لا يُوقِنُونَ} 1.
قال الإمام ابن كثير - رحمه الله - في "النهاية": "قال ابن عباس والحسن وقتادة: تكلمهم؛ أي: تخاطبهم مخاطبة. ورجح ابن جرير: تخاطبهم؛ تقول لهم: {أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآياتِنَا لا يُوقِنُونَ} ، وحكاه عن علي وعطاء".
قال ابن كثير: "في هذا نظر".
ثم قال: "وعن ابن عباس: "تكلمهم": تجرحهم؛ بمعنى: تكتب على جبين الكافر: كافر، وعلى جبين المؤمن: مؤمن. وعنه. تخاطبهم وتجرحهم. وهذا القول ينتظم المذهبين، وهو قوي حسن جامع لهما، والله أعلم".
وقال - أيضا - في "تفسيره": "هذه الدابة تخرج في آخر الزمان عند فساد الناس وتركهم أوامر الله وتبديلهم الدين الحق، يخرج الله لهم دابة من الأرض؛ قيل: من مكة، وقيل: من غيرها، فتكلم الناس".
وقال القرطبي في "تفسير قوله تعالى: {وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ} : اختلف في معنى {وَقَعَ الْقَوْلُ} وفي الدابة؛ فقيل: معنى {وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ} : وجب الغضب عليهم. قاله قتادة. وقال مجاهد: أي حق القول عليهم بأنهم لا يؤمنون. وقال ابن عمر وأبو سعيد الخدري - رضي الله عنهما -: إذا لم يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر وجب السخط عليهم. وقال عبد الله بن مسعود: وَقْعُ القول يكون بموت العلماء وذهاب العلم ورفع القرآن. قال عبد الله: أكثروا تلاوة القرآن قبل أن يرفع. قالوا: هذه المصاحف ترفع، فكيف بما في صدور الرجال؟ قال: يسرى عليه ليلاً، فيصبحون منه قفرًا، وينسون لا إله إلا الله،
__________
1 النمل: 82.
الإشاعة لأشراط الساعة (ص: 320)
وسأل أبو الحواري ابن عباس رضي الله عنهما: تُكَلِّمُهم أو تَكْلَمُ؟ فقال: كِلا ذلك تفعل؛ تُكَلِّمُ المؤمن وتَكْلُمُ الكافر، وقد مر أنه قيل: إنها الجساسة، وجزم به البيضاوي وغيره.
وقرأ الكوفيون ويعقوب: {أَنَّ النَّاسَ} بفتح الهمزة، والباقون بكسرها علي أنه حكاية معني قولها وحكايتها لقول الله.
ويؤيدهما ما يأتي أنها تُنادي بأعلي صوتها: (إن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون)، أو استئناف علة لخروجها، أو علة لتكلمها علي قراءة الكسرة، أو علة فحذف الجار علي قراءة الفتح؛ أي: إنما أخرجناها؛ لأن الناس كانوا، أو إنما تكلمهم؛ لأن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون.
الإشاعة لأشراط الساعة (ص: 321)
وعن ابن عباس رضي الله عنهما: أنها مؤلفة ذات زغب وريش، فيها من ألوان الدواب كلها، وفيها من كل أمة سيما، وسيماها من هذه الأمة أنها تكلم الناس بلسان عربي مبين، تكلمهم بكلامهم.
تفسير يحيى بن سلام (2/ 565)
{أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ} [النمل: 82] وَفِي بَعْضِ الْقِرَاءَةِ: تُحَدِّثُهُمْ.
{أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ} [النمل: 82]
- عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَقُولُ: إِنَّهَا دَابَّةٌ ذَاتُ زَغَبٍ وَرِيشٍ، لَهَا أَرْبَعُ قَوَائِمَ، تَخْرُجُ مِنْ بَعْضِ أَوْدِيَةِ تِهَامَةَ.
وَعَنْ عَاصِمِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ يَزِيدَ الأَوْدِيِّ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: دَابَّةُ الأَرْضِ زَبَّاءُ ذَاتُ وَبَرٍ، رَبَّاءُ تُنَاغِي السَّمَاءَ.
يحيى بن سلام بن أبي ثعلبة، التيمي بالولاء، من تيم ربيعة، البصري ثم الإفريقي القيرواني (المتوفى: 200هـ)
تفسير الطبري = جامع البيان ت شاكر (19/ 499)
واختلفت القرّاء في قراءة قوله: (تُكَلِّمُهُمْ) فقرأ ذلك عامة قرّاء الأمصار: (تُكَلِّمُهُمْ) بضم التاء وتشديد اللام، بمعنى تخبرهم وتحدثهم، وقرأه أبو زرعة بن عمرو: "تَكْلِمُهُمْ" بفتح التاء وتخفيف اللام بمعنى: تسمهم.
والقراءة التي لا أستجيز غيرها في ذلك ما عليه قرّاء الأمصار.
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.
*ذكر من قال ذلك:
حدثنا عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: (أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأرْضِ تُكَلِّمُهُمْ) قال: تحدثهم.
تفسير الطبري = جامع البيان ت شاكر (19/ 500)
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله: (أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأرْضِ تُكَلِّمُهُمْ) وهي في بعض القراءة "تحدثهم"تقول لهم: (أن الناس كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ) .
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس، في قوله: (تُكَلِّمُهُمْ) قال: كلامها تنبئهم (أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ َ) .
وقوله: (أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ) اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الحجاز والبصرة والشام: "إنَّ النَّاسَ"بكسر الألف من "إن"على وجه الابتداء بالخبر عن الناس أنهم كانوا بآيات الله لا يوقنون; وهي وإن كسرت في قراءة هؤلاء فإن الكلام لها متناول. وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة وبعض أهل البصرة: (أَنَّ النَّاسَ كَانُوا) بفتح أن بمعنى: تكلمهم بأن الناس، فيكون حينئذ نصب بوقوع الكلام عليها.
والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان متقاربتا المعنى مستفيضتان في قراءة الأمصار، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب.
معاني القرآن وإعرابه للزجاج (4/ 129)
وجاء في التفسير تنكت في وَجْهِ الكَافِر نكتة سوداء وفي وجه المؤمن نكتة بيضاء، فتفشو نكتة الكافر حتى يسودَّ منها وجهه أجمع وتفشو نكتة المؤمن حتى يَبْيَضَّ منها وَجْهَهُ فتجتمع الجماعة على المائِدَةِ، فَيُعْرَفُ المؤمِنُ مِن الكافِرِ.
فمن قرأ (تُكَلِّمُهُمْ) فهو من الكلام، ومن قرأ (تَكْلُمُهُمْ) فهو من
الكلْمَ، وهو الأثر والجرح (2).
تفسير ابن أبي حاتم - محققا (9/ 2926)
قَوْلُهُ تَعَالَى: تُكَلِّمُهُمْ
16604 - حَدَّثَنَا أَبِي، ثنا أَبُو صَالِحٍ كَاتِبُ اللَّيْثِ حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ: دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ يَقُولُ: تُحَدِّثُهُمْ- وَرُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ مِثْلُ ذَلِكَ.
16605 - حَدَّثَنَا أَبِي، ثنا مُسَدَّدٌ، ثنا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: تَخْرُجُ دَابَّةُ الْأَرْضِ إِذَا فَسَدَ النَّاسُ، وَلَهُمْ دَابَّةٌ تُكَلِّمُهُمْ كَلامًا.
16606 - حَدَّثَنَا أَبِي، ثنا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، ثنا زُهَيْرٌ، ثنا أَبُو دَاوُدَ قَالَ: أَبُو مُحَمَّدٍ يَعْنِي نُفَيْعَ الأَعْمَى قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، عَنْ قَوْلِهِ: أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَوْ تَكْلِمُهُمْ؟ قَالَ: كُلُّ ذَلِكَ وَاللَّهِ تَفْعَلُ تُكَلِّمُ الْمُؤْمِنَ وَتُكَلِّمُ الْكَافِرَ أَوْ تَجْرَحُهُ.
تفسير الماتريدي = تأويلات أهل السنة (8/ 136)
وقوله: (تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ): قراءة العامة بالتشديد: (تُكَلِّمُهُمْ) من التكليم والتحديث؛ وكذلك في بعض الحروف: تحدثهم وتنبئهم، وقد قرئ: (تَكْلِمُهُم) بالتخفيف وهو من الجراحة، وهو ما ذكر في الأخبار والقصص أن الدابة إذا خرجت تجرح الكافر، وتسمه بسمة وعلامة، حتى يعرف الكافر من المؤمن فيقال: يا مؤمن ويا كافر.
وسئل ابن عَبَّاسٍ عن ذلك؟ فقال: " تكلم المؤمن وتحدثه، وتجرح الكافر "، والله
تفسير السمرقندي = بحر العلوم (2/ 593)
عباس، قرءاها تُكَلِّمُهُمْ بنصب التاء، وكسر اللام، وبسكون الكاف، والتخفيف يعني:
تسمهم، فيتبين الكافر من المسلم.
تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن (7/ 222)
[سورة النمل (27) : آية 82]
وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ (82)
وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ وجب العذاب والسخط عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ قراءة العامة بالتشديد من التكلم وتصديقهم، وقرأ أبيّ: تنبئهم.
قال السدي: تكلّمهم ببطلان الأديان سوى دين الإسلام، وقرأ أبو رجاء العطاردي:
تَكلِمهم بفتح التاء وتخفيف اللام من الكلم وهو الحرج أي تسمهم.
قال أبو الجوزاء: سألت ابن عباس عن هذه الآية يكلّمهم أو تُكَلِّمُهُمْ فقال: كل ذلك يفعل تكلم المؤمن ويكلم الكافر. أَنَّ النَّاسَ قرأ ابن أبي إسحاق وأهل الكوفة بالنصب وقرأ الباقون بالكسر.
كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ قبل خروجها.
الهداية الى بلوغ النهاية (8/ 5470)
قال ابن عباس: هي والله تكلمهم وتكلمهم، تكلم المؤمن وتكلم الكافر.
تفسير الماوردي = النكت والعيون (4/ 226)
وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ (82)
{وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون} قوله {وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ} فيه أربعة أوجه: أحدها: وجب الغضب عليهم , قاله قتادة. الثاني: إذا حق القول عليهم بأنهم لا يؤمنون , قاله مجاهد. الثالث: إذا لم يؤمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر وجب السخط عليهم , قاله ابن عمر وأبو سعيد الخدري. الرابع: إذا نزل العذاب , حكاه الكلبي. {أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ} فيها قولان: أحدهما: ما حكاه محمد بن كعب عن علي بن أبي طالب أنه سئل عن الدابة فقال: أما والله لها ذنب وإن لها للحية , وفي هذا القول إشارة إلى أنها من الإنس وإن لم يصرح. الثاني: وهو قول الجمهور أنها دابة من دواب الأرض، واختلف من قال بهذا في صفتهاعلى ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها دابة ذات زغب وريش لها أربع قوائم، قاله ابن عباس: الثاني: أنها دابة ذات وبر تناغي السماء , قاله الشعبي. القول الثالث: أنها دابة رأسها رأس ثور وعينها عين خنزير وأذنها أذن فيل وقرنها قرن آيِّل وعنقها عنق نعامة وصدرها صدر أسد ولونها لون نمر وخاصرتها خاصرة هر وذنبها ذنب كبش وقوائمها قوائم بعير بين كل مفصلين اثنا عشر ذراعاً تخرج معها عصا موسى وخاتم سليمان فتنكت في وجه المسلم بعصا موسى نكتة بيضاء وتنكت في وجه الكافر بخاتم سليمان فيسود وجهه، قاله ابن الزبير.
تفسير الماوردي = النكت والعيون (4/ 227)
وفي قوله {مِّنَ الأَرْضِ} أربعة أقاويل: أحدها: أنها تخرج من بعض أودية تهامة , قاله ابن عباس. الثاني: من صخرة من شعب أجياد , قاله ابن عمر. الثالث: من الصفا , قاله ابن مسعود. الرابع: من بحر سدوم , قاله ابن منبه. وفي {تُكَلِّمُهُمْ} قراءتان: الشاذة منهما: {تَسِمهُم} بفتح التاء , وفي تأويلها وجهان: أحدهما: تسمهم في وجوههم بالبياض في وجه المؤمن , وبالسواد في وجه الكافر حتى يتنادى الناس في أسواقهم يا مؤمن يا كافر , وقد روى أبو أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (تَخْرُجُ الدَّابَّهُ فَتَسِم الناسَ عَلَى خَرَاطِيمِهِم). الثاني: معناه تجرحهم وهذا مختص بالكافر والمنافق , وجرحه إظهار كفره ونفاقه ومنه جرح الشهود بالتفسيق , ويشبه أن يكون قول ابن عباس. والقراءة الثانية: وعليها الجمهور {تُكَلِّمُهُمْ} بضم التاء وكسر اللام من الكلام , وحكى قتادة أنها في بعض القراءة: {تُنَبِّئُهُمْ} وحكى يحيى بن سلام أنها في بعض القراءة: {تُحَدِّثُهُمْ}. وفي كلامها على هذا التأويل قولان: أحدهما: أن كلامها ظهور الآيات منها من غير نطق ولا لفظ. والقول الثاني: أنه كلام منطوق به.
تفسير السمعاني (4/ 115)
وَفِي التَّفْسِير: أَن دَابَّة الأَرْض تسم وَجه الْمُؤمن بنكتة بَيْضَاء، فيبيض بهَا وَجهه، وَتَسِم وَجه الْكَافِر بنكتة سَوْدَاء، فيسود بهَا وَجهه. وَعَن عبد الله بن مَسْعُود أَنه قَرَأَ قَوْله تَعَالَى: {وَإِذا وَقع لقَوْل عَلَيْهِم} ثمَّ قَالَ: طوفوا بِالْبَيْتِ قبل أَن يرفع، واقرءوا الْقُرْآن قبل أَن يرفع، وَقُولُوا لَا إِلَه إِلَّا الله قبل أَن تنسى، ثمَّ ذكر أَنه يَأْتِي زمَان ينسى النَّاس فِيهِ قَول لَا إِلَه إِلَّا الله، وَتَقَع النَّاس فِي أشعار الْجَاهِلِيَّة.
وَقَوله: {تكلمهم} وَقَرَأَ ابْن عَبَّاس وَسَعِيد بن جُبَير وَعَاصِم الجحدري: " تكلمهم " أَي: تجرحهم، والكلم هُوَ الْجراحَة، وَيُقَال: تسمهم، قَالَ الشَّاعِر:
((فِي الْكَلم مطرقا يكذب عَن إعرابه ... بِنَقص الْآيَة الْكَلم إِذا الْكَلم التَّام))
وَالْقِرَاءَة لمعروفة: {تكلمهم} وَقَالَ بعض أهل لعلم: ظُهُور الْآيَة مِنْهَا كَلَام، ونطق على وَجه الْمجَاز لَا أَنَّهَا تَتَكَلَّم، وَالأَصَح أَنَّهَا تَتَكَلَّم، وَاخْتلف القَوْل أَنَّهَا بِمَاذَا تَتَكَلَّم؟ فأحد الْقَوْلَيْنِ: أَن كَلَامهَا أَن هَذَا مُؤمن وَهَذَا كَافِر، وَالْقَوْل الآخر: أَنَّهَا تَتَكَلَّم بِمَا قَالَ الله تَعَالَى: {أَن النَّاس كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يوقنون} .
وَقُرِئَ: " أَن " و " إِن " بِنصب الْألف وكسره، فَمن قَرَأَ " أَن " بِنصب الْألف فَمَعْنَاه: بِأَن، وَمن قَرَأَ: " إِن " فعلى الِاسْتِئْنَاف، وَقَرَأَ أبي بن كَعْب: " دَابَّة تنبئهم "، وَفِي بعض
تفسير البغوي - إحياء التراث (3/ 513)
وَقَرَأَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَعَاصِمُ الْجَحْدَرَيُّ وَأَبُو رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيُّ: «تَكْلِمُهُمْ» بِفَتْحِ التَّاءِ وَتَخْفِيفِ اللَّامِ مِنَ الْكَلْمِ وَهُوَ الجرح.
وقال أَبُو الْجَوْزَاءِ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ هَذِهِ الآية «تكلمهم أو تكلم» قَالَ: كُلُّ ذَلِكَ تَفْعَلُ، تُكَلِّمُ المؤمن وتكلم الكافر.
تفسير الزمخشري = الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل (3/ 385)
وقرئ: تكلمهم، من الكلم وهو الجرح. والمراد به: الوسم بالعصا والخاتم. ويجوز أن يكون تكلمهم من الكلم أيضا، على معنى التكثير. يقال: فلان مكلم، أى مجرّح. ويجوز أن يستدل بالتخفيف على أنّ المراد بالتكليم: التجريح، كما فسر: لنحرقنه، بقراءة علىّ رضى الله عنه: لنحرقنه، وأن يستدل بقراءة أبىّ: تنبئهم. وبقراءة ابن مسعود: تكلمهم بأنّ الناس، على أنه من الكلام. والقراءة بإن مكسورة: حكاية لقول الدابة، إما لأنّ الكلام بمعنى القول. أو بإضمار القول، أى:
تقول الدابة ذلك. أو هي حكاية لقوله تعالى عند ذلك. فإن قلت: إذا كانت حكاية لقول الدابة فكيف تقول بآياتنا قلت: قولها حكاية لقول الله تعالى. أو على معنى بآيات ربنا. أو لاختصاصها بالله وأثرتها عنده، وأنها من خواص خلقه: أضافت آيات الله إلى نفسها، كما يقول بعض خاصة الملك:
خيلنا وبلادنا، وإنما هي خيل مولاه وبلاده. ومن قرأ بالفتح فعلى حذف الجار، أى: تكلمهم بأن.
تفسير ابن عطية = المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (4/ 271)
وقرأ جمهور الناس «تكلمهم» من الكلام، وفي مصحف أبيّ «تنبئهم» ، وفسرها عكرمة بتسمهم قال قتادة: وفي بعض القراءة تحدثهم.
وقرأ أبو زرعة بن عمرو بن جريج «تكلمهم» بكسر اللام من الكلم وهو الجرح، قال أبو الفتح: وهي قراءة ابن عباس وابن جبير ومجاهد والجحدري، وقال ابن عباس: كلا والله تفعل تكلمهم وتكلمهم.
قال القاضي أبو محمد: وروي في هذا أنها تمر على الناس فتسم الكافر في جبهته وتزجره وتشتمه وربما حطمته وتمسح على وجه المؤمن فتبيضه ويعرف بعد ذلك الإيمان والكفر من أثرها، وقرأ جمهور القراء «إن الناس» بكسر «إن» وقرأ حمزة والكسائي وعاصم «أن» بفتح الألف، وفي قراءة عبد الله «تكلمهم بأن» وهذا تصديق للفتح، وعلى هذه القراءة يكون قوله أَنَّ النَّاسَ إلى آخر القراءة من تمام كلام الدابة، وروي ذلك عن ابن عباس ويحتمل أن يكون ذلك من كلام الله عز وجل.
تفسير القرطبي (13/ 237)
وقد روى أبو أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" تخرج الدابة فتسم الناس على خراطيمهم" ذكره الماوردي." تكلمهم" بضم
التاء وشد اللام المكسورة- من الكلام- قراءة العامة، يدل عليه قراءة أبي" تنبئهم". وقال السدي: تكلمهم ببطلان الأديان سوى
دين الإسلام. وقيل: تكلمهم بما يسوءهم. وقيل: تكلمهم بلسان ذلق فتقول بصوت يسمعه عن قرب وبعد" أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون" أي بخروجي، لأن خروجها من الآيات. وتقول: ألا لعنة الله على الظالمين. وقرأ أبو زرعة وابن عباس والحسن وأبو رجاء:" تكلمهم" بفتح التاء من الكلم وهو الجرح قال عكرمة: أي تسمهم. وقال أبو الجوزاء: سألت ابن عباس عن هذه الآية" تكلمهم" أو" تكلمهم"؟ فقال: هي والله تكلمهم وتكلمهم، تكلم المؤمن وتكلم الكافر والفاجر أي تجرحه. وقال أبو حاتم:" تكلمهم" كما تقول تجرحهم، يذهب إلى أنه تكثير من" تكلمهم".
تفسير الخازن = لباب التأويل في معاني التنزيل (3/ 353)
تُكَلِّمُهُمْ أي بكلام فصيح قيل تقول هذا مؤمن وهذا كافر. وقيل: تقول ما أخبر الله تعالى أَنَّ النَّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ تخبر الناس عن أهل مكة أنهم لم يؤمنوا بالقرآن والبعث. وقرئ تكلمهم بتخفيف اللام من الكلم، وهو الجرح وقال ابن الجوزي: سئل ابن عباس عن هذه الآية تكلمهم وتكلمهم فقال: كل ذلك تفعل تكلم المؤمن وتكلم الكافر.
البحر المحيط في التفسير (8/ 269)
وشكلها، ومحل خروجها، وعدد خروجها، ومقدار ما تخرج منها، وما تفعل بالناس، وما الذي تخرج به، اختلافا مضطربا معارضا بعضه بعضا، ويكذب بعضه بعضا فاطرحنا ذكره، لأن نقله تسويد للورق بما لا يصح، وتضييع لزمان نقله.
والظاهر أن قوله: تكلمهم، بالتشديد، وهي قراءة الجمهور، من الكلام ويؤيده قراءة أبي: تنبئهم، وفي بعض القراءات: تحدثهم، وهي قراءة يحيى بن سلام وقراءة عبد الله: بأن الناس. قال السدي: تكلمهم ببطلان سائر الأديان سوى الإسلام. وقيل:
نخاطبهم، فتقول للمؤمن: هذا مؤمن، وللكافر: هذا كافر. وقيل معنى تكلمهم: تجرحهم من الكلم، والتشديد للتكثير ويؤيده قراءة ابن عباس، ومجاهد، وابن جبير، وأبي زرعة، والجحدري، وأبي حيوة، وابن أبي عبلة: تكلمهم، بفتح التاء وسكون الكاف مخفف اللام، وقراءة من قرأ: تجرحهم مكان تكلمهم. وسأل أبو الحوراء ابن عباس: تكلم أو تكلم؟ فقال: كل ذلك تفعل، تكلم المؤمن وتكلم الكافر. انتهى. وروي: أنها تسم الكافر في جبهته وتربده، وتمسح على وجه المؤمن فتبيضه.
وقرأ الكوفيون، وزيد بن علي: أن الناس، بفتح الهمزة، وابن مسعود: بأن وتقدم وباقي السبعة: إن، بكسر الهمزة، فاحتمل الكسر أن يكون من كلام الله، وهو الظاهر لقوله: بآياتنا، واحتمل أن يكون من كلام الدابة. وروي هذا عن ابن عباس، وكسرت إن هذا على القول، إما على إضمار القول، أو على إجراء تكلمهم إجراء تقول لهم. ويكون قوله: بآياتنا على حذف مضاف، أو لاختصاصها بالله كما تقول بعض خواص الملك: خيلنا وبلادنا، وعلى قراءة الفتح، فالتقدير بأن كقراءة عبد الله، والظاهر أنه متعلق بتكلمهم، أي تخاطبهم بهذا الكلام. ويجوز أن تكون الباء المنطوق بها أو المقدرة سببية، أي تخاطبهم أو تجرحهم بسبب انتفاء إيقانهم بآياتنا.
ويوم نحشر من كل أمة فوجا ممن يكذب بآياتنا فهم يوزعون، حتى إذا جاؤ قال أكذبتم بآياتي ولم تحيطوا بها علما أما ذا كنتم تعملون، ووقع القول عليهم بما ظلموا فهم لا ينطقون، ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه والنهار مبصرا إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون، ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله وكل أتوه داخرين، وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب صنع الله الذي أتقن كل شيء إنه خبير بما تفعلون، من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ آمنون، ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار هل تجزون إلا ما كنتم تعملون، إنما أمرت أن أعبد
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون (8/ 642)
وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ (82)
قوله: {وَإِذَا وَقَعَ القول} : أي: مضمونُ القول، أو أَطْلَقَ المصدرَ على المفعولِ أي: المَقُوْلُ.
قوله: {تُكَلِّمُهُمْ} العامَّةُ على التشديد. وفيه وجهان، الأظهر: أنه من الكلامِ والحديث، ويؤيِّده قراءةُ أُبَيٍّ «تُنَبِّئُهم» وقراءةُ يحيى بن سَلام «تُحَدِّثُهم» وهما تفسيران لها. والثاني: «تَجْرَحُهم» ويَدُلُّ عليه قراءةُ ابن عباس وابن جبير ومجاهد وأبي زُرْعَةَ والجحدري «تَكْلُمُهم» بفتحِ التاءِ وسكونِ الكافِ وضمِّ اللامِ من الكَلْمِ وهو الجُرْحُ. وقد قُرِىء «تَجْرَحُهم» وفي التفسير أنها تَسِمُ الكافَر.
قوله: {أَنَّ الناس} قرأ الكوفيون بالفتح، والباقون بالكسرِ، فأمَّا الفتحُ فعلى تقديرِ الباءِ أي: بأنَّ الناسَ. ويدلُّ عليه التصريحُ بها في قراءةِ عبدِ الله «
تفسير ابن كثير ط العلمية (6/ 190)
[سورة النمل (27) : آية 82]
وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كانُوا بِآياتِنا لَا يُوقِنُونَ (82)
هَذِهِ الدَّابَّةُ تَخْرُجُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ عِنْدَ فَسَادِ النَّاسِ وَتَرْكِهِمْ أَوَامِرَ اللَّهِ وَتَبْدِيلِهِمُ الدِّينَ الْحَقَّ، يُخْرِجُ اللَّهُ لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ، قِيلَ: مِنْ مَكَّةَ، وَقِيلَ: مِنْ غيرها كما سيأتي تفصيله إن شاء الله تعالى فَتُكَلِّمُ النَّاسَ عَلَى ذَلِكَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ والحسن وقتادة ويروى عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
تُكَلِّمُهُمْ كَلَامًا، أَيْ تُخَاطِبُهُمْ مُخَاطَبَةً، وَقَالَ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ: تُكَلِّمُهُمْ فَتَقُولُ لَهُمْ: إِنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ. وَيُرْوَى هَذَا عَنْ عَلِيٍّ وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ «1» وَفِي هَذَا الْقَوْلِ نَظَرٌ لَا يَخْفَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةٍ: تجرحهم، وعنه رواية قال: كلّا تفعل هَذَا وَهَذَا، وَهُوَ قَوْلٌ حَسَنٌ وَلَا مُنَافَاةَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ وَرَدَ فِي ذِكْرِ الدَّابَّةِ أحاديث وآثار كثيرة فلنذكر منها ما تيسر وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.
اللباب في علوم الكتاب (15/ 201)
قوله: «تُكَلِّمُهُمْ» العامة على التشديد، وفيه وجهان:
أظهرهما: أنه من الكلام والحديث، ويؤيده قراءة أُبيّ: «تُنَبِّئُهُمْ» وقراءة يحيى بن يلام: «تحدثهم» - وهما تفسيران لها.
الثاني: «تجرحهم» ويدل عليه قراءة ابن عباس وابن جبير ومجاهد وأبي زرعة والجحدري «تَكْلُمُهُمْ» - بفتح التاء وسكون الكاف وضم اللام - من الكَلْمِ وهو الجرح، وقد قراء «تجرحهم» وجاء في الحديث: إنها تسم الكافر.
قوله: «أنَّ النَّاسَ» قرأ الكوفيون بفتح «أن» والباقون بالكسر، فأما الفتح فعلى تقدير الباء، أي: بأن الناس، ويدل عليه التصرح بها في قراءة عبد الله «بأنَّ النَّاسَ» . ثم هذه الباء يحتمل أن تكون معدية وأن تكون سببيّة، وعلى التقديرين يجوز أن تكون «تُكَلِّمُهُمْ» بمعنييه من الحديث والجرح أي: تحدثهم بأن الناس أو بسبب أن الناس أو تجرحهم بأن الناس، أي: تسمهم بهذا اللفظ أو تسمهم بسبب انتفاء الإيمان. وأما
تفسير النيسابوري = غرائب القرآن ورغائب الفرقان (5/ 321)
وروي أنها تقول لهم: يا فلان أنت من أهل الجنة ويا فلان أنت من أهل النار. وقيل: تكلمهم من الكلم على معنى التبكيت والمراد به الجرح وهو الوسم بالعصا والخاتم.
تفسير الثعالبي = الجواهر الحسان في تفسير القرآن (4/ 259)
ووَقَعَ عبارةٌ عن الثبوت واللُّزُوم، وفي الحديث: أن الدابةَ وطلوعَ الشمسِ من المغْرِب مِنْ أولِ الأشراط، وهذه الدَّابَّةُ رُوِيَ أنَّها تَخْرُجُ من الصَّفَا بمكَّةَ قاله ابن عمر «1» وغيره، وقيل غيرُ هذا.
وقرأ الجمهور «2» : تُكَلِّمُهُمْ من الكلام. وقرأ ابن عباس «3» وغيرُه: تُكَلِّمُهُمْ- بفَتْحِ التاءِ وتخفيفِ اللام-، من الكَلْمِ وهو الجُرْحُ، وسئل ابن عباس عن هذه الآية «تكلمهم أو تكلمهم» ؟ فقال: كل ذلك، واللهِ تفعلُ: تُكَلِّمُهُمْ وَتَكْلُمُهُمْ، وروي أنها تَمُرُّ على الناسِ فَتَسِمُ الكافرَ فِي جبهتِه وتَزْبُرُهُ وتَشْتُمُه وربما خَطَمَتْه، وَتَمْسَحُ على وجهِ المؤمنِ فتبيضه، ويعرفُ بعدَ ذلكَ الإيمانُ والكفرُ مِن أثرها، وفي الحديث: «تَخْرُجُ الدَّابَّةُ وَمَعَهَا خَاتَمُ سُلَيْمَانَ وَعَصَا مُوسَى، فَتَجْلُو وُجُوهَ المؤمِنِينَ بالعَصَا وتَخْتِمُ أَنْفَ الكَافِرِ بِالخَاتِمِ، حَتَّى أنَّ النَّاسَ لَيَجْتَمِعُونَ، فَيَقُولُ هَذَا: يَا مُؤْمِنُ، وَيَقُولُ هَذا: يَا كَافِرُ» «4» . رواه البَزَّار، انتهى من «الكَوْكَبِ الدُّرِّيِّ» .
وقرأ الجمهور: «إنَّ النَّاسَ» - بكسر «إن» .
وقرأ حمزةُ «5» والكسائيّ وعاصمٌ: «أنَّ» بفتحها.
وفي قراءة عبد الله «6» : «تُكَلِّمُهُمْ بَأَنَّ» ، وعلى هذه القراءة فيكونُ قوله: أَنَّ النَّاسَ إلى آخرها مِنْ كلامِ الدابَّةِ، وروي ذلك عن ابن عَبَّاس. ويحتملُ أَنْ يكون من كلام الله تعالى.
__________
(1) ذكره ابن عطية (4/ 270) ، ولم يعزه لأحد.
(2) ينظر: «المحرر الوجيز» (4/ 271) ، و «البحر المحيط» (7/ 91) ، و «الدر المصون» (5/ 327) .
(3) وقرأ بها سعيد بن جبير، ومجاهد، والجحدري، وأبو زرعة، وعمرو بن جرير.
ينظر: «مختصر الشواذ» ص 112، و «المحتسب» (2/ 144) ، و «المحرر الوجيز» (4/ 271) ، و «البحر المحيط» (7/ 92) ، و «الدر المصون» (5/ 328) . [.....]
(4) وهم المؤلف في هذا الحديث، حيث إنه عزا هذا الحديث للبزار، وهو عند من هو أشهر من البزار، فقد أخرجه الترمذيّ (5/ 340) كتاب التفسير: باب ومن سورة النحل، حديث (3187) ، وابن ماجه (2/ 1351- 1352) كتاب الفتن: باب دابة الأرض، حديث (4066) من حديث أبي هريرة.
وقال الترمذيّ: هذا حديث حسن غريب.
(5) ينظر: «السبعة» (486- 487) ، و «الحجة» (5/ 406) ، و «إعراب القراءات» (2/ 164) ، و «معاني القراءات» (2/ 246) ، و «العنوان» (146) ، و «حجة القراءات» (538) ، و «إتحاف» (2/ 335) .
(6) ينظر: «الشواذ» ص 112، و «المحتسب» (2/ 145) ، و «الكشاف» (3/ 385) ، و «المحرر الوجيز» (4/ 271) ، و «البحر المحيط» (7/ 92) ، و «الدر المصون» (5/ 328) .
الدر المنثور في التفسير بالمأثور (6/ 378)
صُدُور الرِّجَال قَالَ: يسري عَلَيْهِم لَيْلًا فيصبحون مِنْهُ قفراً وينسون قَول لَا إِلَه إِلَّا الله ويقعون فِي قَول الْجَاهِلِيَّة وأشعارهم
فَذَلِك حِين يَقع القَوْل عَلَيْهِم
وَأخرج الْفرْيَابِيّ وَابْن جرير عَن مُجَاهِد فِي قَوْله {وَقع القَوْل عَلَيْهِم} قَالَ: حق عَلَيْهِم
وَأخرج ابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله {دَابَّة من الأَرْض تكلمهم} قَالَ: تحدثهم
وَأخرج ابْن جرير عَن ابْن عَبَّاس {تكلمهم} قَالَ: كَلَامهَا تنبئهم {أَن النَّاس كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يوقنون}
وَأخرج عبد بن حميد وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن أبي دَاوُد ونفيع الْأَعْمَى قَالَ: سَأَلت ابْن عَبَّاس عَن قَوْله {أخرجنَا لَهُم دَابَّة من الأَرْض تكلمهم} أَو تكلمهم قَالَ: كل ذَلِك وَالله يفعل تكلم الْمُؤمن وَتكلم الْكَافِر
تجرحه
وَأخرج عبد بن حميد عَن عَاصِم أَنه قَرَأَ {دَابَّة من الأَرْض تكلمهم} مُشَدّدَة من الْكَلَام {أَن النَّاس} بِنصب الْألف
وَأخرج نعيم بن حَمَّاد وَابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عمر قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا كَانَ الْوَعْد الَّذِي قَالَ الله {أخرجنَا لَهُم دَابَّة من الأَرْض تكلمهم} قَالَ: لَيْسَ ذَلِك حَدِيثا وَلَا كلَاما وَلكنه سمة تسم من أمرهَا الله بِهِ
فَيكون خُرُوجهَا من الصَّفَا لَيْلَة منى فيصبحون بَين رَأسهَا وذنبها لَا يدحض داحض وَلَا يخرج خَارج حَتَّى إِذا فرغت مِمَّا أمرهَا الله فَهَلَك من هلك وَنَجَا من نجا كَانَ أول خطْوَة تضعها بانطاكية
وَأخرج عبد بن حميد عَن عبد الله بن عمر وَقَالَ الدَّابَّة زغباء ذَات وبر وَرِيش
وَأخرج عبد بن حميد عَن ابْن عَبَّاس قَالَ الدَّابَّة ذَات وبر وَرِيش مؤلفة فِيهَا من كل لون لَهَا أَربع قَوَائِم تخرج بعقب من الْحَاج
وَأخرج عبد بن حميد عَن الشّعبِيّ قَالَ: إِن دَابَّة الأَرْض ذَات وبر تناغي السَّمَاء
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَعبد بن حميد وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن الْحسن:
فتح القدير للشوكاني (4/ 175)
لَهَا ثَلَاثُ خَرْجَاتٍ: خَرْجَةٌ فِي بَعْضِ الْبَوَادِي حَتَّى يَتَقَاتَلَ عَلَيْهَا النَّاسُ، وَتُكْثُرَ الدِّمَاءُ ثُمَّ تَكْمُنُ، وَتَخْرُجُ فِي الْقُرَى، ثُمَّ تَخْرُجُ مِنْ أَعْظَمِ الْمَسَاجِدِ، وَأَكْرَمِهَا وَأَشْرَفِهَا، وَقِيلَ: تَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ، وَقِيلَ: تَخْرُجُ فِي تِهَامَةَ، وَقِيلَ: مِنْ مَسْجِدِ الْكُوفَةِ مِنْ حَيْثُ فَارَ التَّنُّورُ، وَقِيلَ: مِنْ أَرْضِ الطَّائِفِ، وَقِيلَ: مِنْ صَخْرَةٍ مِنْ شِعْبِ أَجْيَادَ، وَقِيلَ مِنْ صَدْعٍ فِي الْكَعْبَةِ.
وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: «تُكَلِّمُهُمْ» فَقِيلَ: تُكَلِّمُهُمْ بِبُطْلَانِ الْأَدْيَانِ سِوَى دِينِ الْإِسْلَامِ، وَقِيلَ:
تُكَلِّمُهُمْ بِمَا يَسُوءُهُمْ، وَقِيلَ: تُكَلِّمُهُمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: أَنَّ النَّاسَ كانُوا بِآياتِنا لَا يُوقِنُونَ أَيْ: بِخُرُوجِهَا لِأَنَّ خُرُوجَهَا مِنَ الْآيَاتِ. قَرَأَ الْجُمْهُورُ «تُكَلِّمُهُمْ» مِنَ التَّكْلِيمِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قِرَاءَةُ أُبَيٍّ «تَنَبِّئُهُمْ» وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو زُرْعَةَ وَأَبُو رَجَاءٍ وَالْحَسَنُ: تَكْلَمُهُمْ بِفَتْحِ الْفَوْقِيَّةِ وَسُكُونِ الْكَافِ مِنَ الْكَلْمِ، وَهُوَ الْجَرْحُ. قَالَ عِكْرِمَةُ: أَيْ تَسِمُهُمْ وَسْمًا، وَقِيلَ: تَجْرَحُهُمْ، وَقِيلَ: إِنَّ قِرَاءَةَ الْجُمْهُورِ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْكَلْمِ بِفَتْحِ الْكَافِ وَسُكُونِ اللَّامِ وَهُوَ الْجَرْحُ، وَالتَّشْدِيدُ لِلتَّكْثِيرِ، قَالَهُ أَبُو حَاتِمٍ. قَرَأَ الْجُمْهُورُ: أَنَّ النَّاسَ كانُوا بِآياتِنا لَا يُوقِنُونَ بِكَسْرِ إِنَّ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ، وَقَرَأَ الْكُوفِيُّونَ وَابْنُ أَبِي إِسْحَاقَ بِفَتْحِ «أَنَّ» قَالَ الْأَخْفَشُ: الْمَعْنَى عَلَى قِرَاءَةِ الْفَتْحِ «بِأَنَّ النَّاسَ» وَكَذَا قَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ «بِأَنَّ النَّاسَ» بِالْبَاءِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: مَوْضِعُهَا نَصْبٌ بِوُقُوعِ الْفِعْلِ عَلَيْهَا، أَيْ: تُخْبِرُهُمْ أَنَّ النَّاسَ، وَعَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ فَالَّذِي تَكَلَّمَ النَّاسُ بِهِ هُوَ قَوْلُهُ: أَنَّ النَّاسَ كانُوا بِآياتِنا لَا يُوقِنُونَ كَمَا قَدَّمْنَا الْإِشَارَةَ إِلَى ذَلِكَ. وَأَمَّا عَلَى قِرَاءَةِ الْكَسْرِ فَالْجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ كَمَا قَدَّمْنَا، وَلَا تَكُونُ مِنْ كَلَامِ الدَّابَّةِ. وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ، وَجَزَمَ بِهِ الْكِسَائِيُّ وَالْفَرَّاءُ. وَقَالَ الْأَخْفَشُ: إِنَّ كَسْرَ «إِنَّ» هُوَ عَلَى تَقْدِيرِ الْقَوْلِ أَيْ تَقُولُ لَهُمْ: «إِنَّ النَّاسَ» إِلَخْ، فَيَرْجِعُ مَعْنَى الْقِرَاءَةِ الْأُولَى عَلَى هَذَا إِلَى مَعْنَى الْقِرَاءَةِ الثَّانِيَةِ، وَالْمُرَادُ بِالنَّاسِ فِي الْآيَةِ: هُمُ النَّاسُ عَلَى الْعُمُومِ، فَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ كُلُّ مُكَلَّفٍ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ الْكُفَّارُ خَاصَّةً، وَقِيلَ: كُفَّارُ مَكَّةَ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى.
وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: عَسى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ قَالَ: اقْتَرَبَ لَكُمْ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْهُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ قَالَ: يَعْلَمُ مَا عَمِلُوا بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْهُ أَيْضًا وَما مِنْ غائِبَةٍ الْآيَةَ. يَقُولُ: مَا مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ سِرًّا وَلَا عَلَانِيَةً إِلَّا يَعْلَمُهُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُبَارَكِ فِي الزُّهْدِ وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ وَالْفِرْيَابِيُّ وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَنُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ أَبِي الدُّنْيَا وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَالْحَاكِمُ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي قَوْلِهِ: وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ الْآيَةَ قَالَ: إِذَا لَمْ يَأْمُرُوا بِمَعْرُوفٍ وَلَمْ يَنْهَوْا عَنْ مُنْكَرٍ. وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ مَرْفُوعًا. وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ أَنَّهُ فَسَّرَ وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا أُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ قَالَ: تُحَدِّثُهُمْ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قَالَ كَلَامُهَا تُنْبِئُهُمُ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أبي حاتم عن أَبِي دَاوُدَ نُفَيْعٍ الْأَعْمَى قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: تُكَلِّمُهُمْ يَعْنِي هَلْ هُوَ مِنَ التَّكْلِيمِ بِاللِّسَانِ أَوْ مِنَ الْكَلْمِ وَهُوَ الْجُرْحُ، فَقَالَ: كُلُّ
إيضاح الوقف والابتداء (2/ 820)
المضطر إذا دعاه خير أما تشركون، فـ (خير) خبر «الذي»، وخبر «الذي» لا يحذف على اختيار. قال: ويجوز أن يكون المعنى «أآلهتكم خير أم من يجيب المضطر إذا دعاه» وهذا أيضًا فاسد لأنه حذف المنسوق عليه وأبقى النسق.
(وما يشعرون أيان يبعثون) [65] تام.
(تكلمهم أن الناس) [82] كان الحسن وابن أبي إسحاق وعاصم وحمزة والكسائي يقرؤون: (أن الناس) بفتح الألف. وكان نافع وأبو عمرو يقرآن: (تكلمهم إن الناس) [بكسر الألف]. وكذلك قرأ أبو جعفر وشيبة وابن كثير وابن عامر. فمن فتح الألف لم يقف على (تكلمهم) لأن المعنى «لأن الناس
إيضاح الوقف والابتداء (2/ 821)
وبأن الناس». ومن قرأ: (إن الناس) وقف على (تكلمهم) وابتدأ بالكسر. ويروى عن ابن عباس (تكلمهم) يريد: تجرحهم. ويجوز أن تكون (تكلمهم) بالتشديد في هذا المعنى أن تسم المؤمن بنقطة بيضاء في وجهه فيبيض لها وجه، وتسم الكافر بنقطة سوداء في وجهه فيسود لها وجهه.
(إلا من شاء الله) [87] تام.
ومثله: (وهي تمر مر السحاب) [88]، (أتقن كل شيء).
(وجوههم في النار) [90].
(وأن أتلو القرآن) [92].
(سيريكم آياته فتعرفونها) [93].
منار الهدى في بيان الوقف والابتدا ت عبد الرحيم الطرهوني (2/ 115)
{الْمَوْتَى} [80] ليس بوقف، لمن قرأ: «تُسمِع» الثانية بالفوقية المضمومة وكسر الميم، و «الصمَّ» بالنصب؛ لأنَّ ما بعده معطوف على ما قبله من الخطاب، ومن قرأ: «يَسمَع» بالتحتية المفتوحة وفتح الميم، ورفع: «الصمُّ» كان حسنًا (1).
{مُدْبِرِينَ (80)} [80] كاف.
{عَنْ ضَلَالَتِهِمْ} [81] حسن، قرأ أبو جعفر وشيبة ونافع وعاصم وأبو عمرو: «وبهادي العمي»، بالإضافة، وقرأ حمزة: «تهدي العمي» بالفوقية، ونصب «العمي»، وقرأ عبد الله بن عامر الشامي: «بهادي العمي» بتنوين «هادٍ»، ونصب «العمي»، وكان النسائي يقف: «بهادي» بالياء في النمل والروم (2)، أصله: بهادي، استثقلت الكسرة على الياء فحذفت فبقيت الياء ساكنة، والحرف الذي لقيها ساكن فأسقطوا الياء لالتقاء الساكنين، وقد اتفق علماء الرسم على حذف الياء من أربعة أحرف مضافة تبعًا لخط المصحف الإمام: {وإن اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا} [54] في الحج، و {حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ
النَّمْلِ} [18] النمل، {وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ} [81] في الروم، و {إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ (163)} [163] في الصافات.
{بِآَيَاتِنَا} [81] حسن.
{مُسْلِمُونَ (81)} [81] تام.
{تُكَلِّمُهُمْ} [82] حسن، لمن قرأ: «إنَّ الناس» بكسر الهمزة على الاستئناف، وقرأ العامة: «تكلّمهم» بتشديد اللام (3)، من: الكلام، وقرئ: «تَكْلُمهم» بفتح التاء وإسكان الكاف وضم اللام، من باب: نصر من الكلم، أي: الجرح، أي: تجرحهم، وبها قرأ ابن عباس وابن جبير ومجاهد وأبو زرعة والجحدري (4)، وروي أنَّ خروج الدابة حين ينقطع الخير فلا يؤمر بمعروف، ولا ينهى عن منكر، ولا
__________
(1) قرأ ابن كثير: {وَلا يَسْمَعُ} بياء مفتوحة وفتح الميم، و {الصُّمُّ} بالرفع هنا، وكذلك، في الروم [الآية: 53]؛ وجه من قرأ بياء مفتوحة وفتح الميم أيضًا، و {الْصُمُِّ} بالرفع. ومثله في سورة الروم [الآية: 52]، أنه مضارع: سمع، مبني للمعلوم، و {الْصُمُّ} فاعل، وقرأ الباقون: {تَسْمَعُ} بتاء مضمومة مع كسر الميم مضارع: أسمع، مبني للمجهول. انظر هذه القراءة في: البحر المحيط (7/ 96)، التيسير (ص: 169)، النشر (2/ 339).
(2) وجه من قرأ بتاء مفتوحة مع سكون الهاء، و {الْعُمْىَِ} بنصب الياء؛ أنه فعل مضارع للمخاطب، و {العُمْىَ} مفعول به، وقرأ الباقون: بباء موحدة مكسورة وفتح الهاء وألف بعدها؛ على أن الباء حرف جر، و {هَادٍ} اسم فاعل خبر {مَا}، و {الْعُمْىَ} بالجر مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل إلى مفعوله. والباقون: يقفون بإثبات الياء هنا وبحذفها في الروم على قراءتهم إتباعًا للمصحف. انظر هذه القراءة في: الكشف للقيسي (2/ 166)، الكشاف (3/ 159)، السبعة (ص: 486).
(3) أي: الأئمة العشرة.
(4) ووقفت علي هذه القراءة في جميع المصادر التي رجعت إليها فوجدتها على النحو التالي: «تَكْلِمهم»، وهي رويت أيضًا عن أبي حيوة وابن أبي عبلة وعكرمة وطلحة والحسن وأبي رجاء، وهي قراءة شاذة. انظر هذه القراءة في: الإعراب للنحاس (2/ 535)، الإملاء للعكبري (2/ 95)، البحر المحيط (7/ 97)، تفسير الطبري (20/ 11)، تفسير القرطبي (13/ 238)، الكشاف (3/ 160)، المحتسب لابن جني (2/ 144)، المعاني للفراء (2/ 300)، تفسير الرازي (24/ 218).
القراءات المتواترة وأثرها في الرسم القرآني والأحكام الشرعية (ص: 217)
وهكذا فإن التواتر المتحقّق في القراءتين يلزم المسلم أن يعتقد بخروج الدّابة وأن يعتقد بكلامها المذكور في الآية (1).
وثمة قراءة شاذة منقولة عن بعض السّلف وهي: (دابة من الأرض تكلمهم) (2) أي تجرحهم، وهي شاذة أريد بها نفي صفة الكلام عن الدّابة، وهو خطأ في العقيدة؛ إذ يلزم الاعتقاد أنها تتكلّم كما دلّت له القراءة المتواترة.
فضائل القرآن للقاسم بن سلام (ص: 327)
وكذلك يعتبر بها وجه القراءة، كقراءة من قرأ {يقص الحق} [الأنعام: 57] فلما وجدتها في قراءة عبد الله (يقضي بالحق) علمت أنت أنما هي يقضي الحق، فقرأتها أنت على ما في المصحف، واعتبرت صحتها بتلك القراءة. وكذلك قراءة من قرأ {أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم} [النمل: 82] لما وجدتها في قراءة أبي (تنبئهم) علمت أن وجه القراءة تكلمهم. في أشياء من هذه كثيرة لو تدبرت وجد فيها علم واسع لمن فهمه
السبعة في القراءات (ص: 486)
28 - وَاخْتلفُوا فى كسر الْألف وَفتحهَا من قَوْله {تكلمهم أَن النَّاس كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يوقنون} 82
فَقَرَأَ ابْن كثير وَنَافِع وَأَبُو عَمْرو وَابْن عَامر {إِن النَّاس} كسرا
وَقَرَأَ عَاصِم وَحَمْزَة والكسائى {إِن النَّاس} فتحا
إعراب القرآن للنحاس (3/ 152)
وعكرمة وعاصم الجحدري وطلحة وأبو زرعة: أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ «1» قال عكرمة: أي تسمهم. وفي معنى «تكلمهم» قولان: فأحسن ما قيل فيه ما روي عن ابن عباس قال: هي والله تكلّمهم وتكلمهم. تكلّم المؤمن، وتكلم الكافر أو الفاجر تجرحه. وقال أبو حاتم: تكلّمهم كما تقول: تجرّحهم يذهب إلى أنّه تكثير من تكلمهم. وقرأ الكوفيون وابن أبي إسحاق أَنَّ النَّاسَ «2» بفتح الهمزة، وقرأ أهل الحرمين وأهل الشام وأهل البصرة إن الناس بكسر الهمزة. قال أبو جعفر: في المفتوحة قولان وكذا المكسورة، قال الأخفش: المعنى بأنّ الناس، وقال أبو عبيد:
موضعها نصب بوقوع الفعل عليها أي تخبرهم أن الناس. وقال الكسائي: والفراء «3» :
إن الناس بالكسر على الاستئناف، وقال الأخفش: هو بمعنى تقول إنّ النّاس.
المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها (2/ 144)
ومن ذلك قراءة ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد والجحدري وأبي زرعة. "تَكْلِمُهُمْ"7
قال أبو الفتح: "تَكْلِمُهُمْ": تجرحهم بأكلها إياهم، وهذا شاهد لمن ذهب في قوله "تُكَلِّمُهُمْ" إلى أنه بمعنى تجرحهم بأكلها إياهم. ألا ترى أن "تَكْلِمُهُمْ" لا يكون من الكَلْم وهو الجرح. وهذه المادة مما وضعته العرب عبارة عن الشدة هي وتقاليبها الستة: ك ل م، ك م ل، م ل ك، ل ك م، م ك ل، ل م ك. وقد ذكرناها في كتابنا الخصائص1 أول باب منه، وهو باب القول على فرق بين الكلام والقول.
ويشهد لمن قال في قوله: "تُكَلِّمُهُمْ" إلى أنه من الكلام قراءة أبي: "تُنَبِّئُهُم"، ويشهد لهذا التأويل أيضا قراءة ابن مسعود: "تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآياتِنَا لا يُوقِنُون". وإن شئت كان هذا شاهدا لمن ذهب إلى أن "تُكَلِّمُهُمْ": تجرحهم، أي: تفعل بهم ذلك بكفرهم، وزوال يقينهم.
القرائة-27|82|وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ