بسم الله الرحمن الرحیم
الدروس الشرعية في فقه الإمامية؛ ج3، ص: 192
و يعني بكمال المتعاقدين بلوغهما و عقلهما، فعقد الصبيّ باطل و إن أذن له الولي أو أجازه أو بلغ عشرا في الأشهر، و كذا عقد المجنون.
و لا فرق بين عقدهما على مالهما أو غيره بإذن مالكه أو غيره و في معناه السكران و اختيارهما، فعقد المكره باطل، إلّا أن يرضى بعد الإكراه. و الأقرب أنّ الرضا كاف فيمن قصد إلى اللفظ دون مدلوله، فلو أكره حتّى ارتفع قصده لم يؤثّر الرضا كالسكران.
و قصدهما، فلا ينعقد من الغافل و النائم و الساهي و الهازل و الغالط.
________________________________________
عاملى، شهيد اول، محمد بن مكى، الدروس الشرعية في فقه الإمامية، 3 جلد، دفتر انتشارات اسلامى وابسته به جامعه مدرسين حوزه علميه قم، قم - ايران، دوم، 1417 ه ق
مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام؛ ج3، ص: 155
فلا يصحّ بيع الصبي و لا شراؤه (1)، و لو أذن له الولي.
و كذا لو بلغ عشرا عاقلا، على الأظهر (2). و كذا المجنون، و المغمى عليه، و السكران غير المميّز، و المكره، و لو رضي كل منهم بما فعل بعد زوال عذره، عدا المكره للوثوق بعبارته (3).
قوله: «و لو رضي كل منهم بما فعل- إلى قوله- عدا المكره للوثوق بعبارته».
(3) الفرق بينهم و بين المكره واضح، إذ لا قصد لهم إلى العقد و لا أهلية لهم، لفقد شرطه و هو العقل، بخلاف المكره، فإنّه بالغ عاقل، و ليس ثمَّ مانع إلّا عدم القصد إلى العقد حين إيقاعه، و هو مجبور بلحوقه له بالإجازة، فيكون كعقد الفضولي حيث انتفى القصد إليه من مالكه الذي يعتبر قصده حين العقد، فلما لحقه القصد بالإجازة صحّ.
و حينئذ، فلا مانع من الصحة إلّا تخيل اشتراط مقارنة القصد للعقد و لا دليل
مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام، ج3، ص: 156
..........
______________________________
عليه. و ينبّه على عدم اعتباره عقد الفضولي. و عموم الأمر بالوفاء «1» بالعقد يشمله.
فلا يقدح فيه اختصاص عقد الفضولي بنصّ. و بهذا يظهر ضعف ما قيل هنا من انتفاء القصد أصلا و رأسا مع عدم الرضا، و أن الظاهر من كون العقود بالقصود، القصد المقارن لها دون المتأخر.
و يمكن أن يقال: إنّ القصد من المكره حاصل دون من سبق، لأنّ غير العاقل لا يقصد إلى اللفظ و لا إلى مدلوله، بخلاف المكره، فإنّه باعتبار كونه عاقلا قاصد إلى ما يتلفظ به و يفعله بشعوره، لكنّه بالإكراه غير قاصد إلى مدلوله، و ذلك كاف في صلاحيته و قبوله للصحة إذا لحقه القصد إلى مدلوله بإجازته.
و مثله القول في عقد الفضولي فإنّه قاصد إلى اللفظ الصادر منه، لأنّ المفروض أهليته و جمعه للشرائط المعتبرة في صحة العقد إلّا الملك. و لا يتحقق منه قصد مدلوله- أعني نقل الملك و التسليط على التصرف و غيرهما من احكام العقد- لأنّ ذلك من وظائف المالك، فإذا أجازه المالك و قصد إلى ذلك صحّ. و يتفرع عليه ما لو عقد الفضولي في حالة لا يكون فيها أهلا للقصد إلى اللفظ- كالنائم و السكران و الصبي و المجنون- فإنّ الإجازة اللاحقة له من المالك لا تؤثر. و من ثمَّ حكموا بأنّ الولي لو أجاز عقد الصبي لم يصحّ. و هذا واضح بيّن.
و قد نبّه الشهيد (رحمه اللّٰه) في الدروس على ما يوافق ذلك، و ان كان في نفسه لا يخلو من مناقشة. فقال في بيع الفضولي إذا لحقه الرضا: «و الأقرب أنّ الرضا كاف فيمن قصد إلى اللفظ دون مدلوله، فلو أكره حتى ارتفع قصده لم يؤثر الرضا، كالسكران» «2». و هو تنبيه حسن، إلّا أنّ في تحقق ذلك في المكره، بحيث يتلفظ بالعقد غير قاصد إلى لفظه كالسكران نظرا، فإنّ الإكراه على اللفظ بحيث يكون حركة اللسان من المكره غير متحقق و لا مقدور للمكره. و إنّما يتحقق الإكراه بحمل المكره للمكره على الفعل باختياره، خوفا من المكره على نفسه أو ماله أو ما في
______________________________
(1) المائدة: 1.
(2) الدروس: 335.
مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام، ج3، ص: 157
و لو أمره آمر أن يبتاع له نفسه من مولاه، قيل: لا يجوز، و الجواز أشبه (1).
و أن يكون البائع مالكا، أو ممّن له أن يبيع عن المالك، كالأب، و الجدّ للأب، و الوكيل، و الوصيّ، و الحاكم، و أمينه.
______________________________
حكمهما، مع حضور عقله و تمييزه، بخلاف المجنون و السكران و نحوهما. غير أنّ ما ادعاه (رحمه اللّٰه) إذا بلغ الإلجاء إليه و تحقق وقوعه، فالأمر فيه كما قاله.
لكن يبقى في هذا كله اشكال من وجه آخر، و هو أنّ الهازل قد حكموا بفساد عقده، و لم يذكروا لزومه لو لحقه الرضا به. و ظاهر حاله أنّه قاصد إلى اللفظ دون مدلوله، لأنّه بالغ عاقل، فاللازم حينئذ إمّا إلحاقه بالمكره في لزوم عقده مع لحوق الرضا، أو إبداء الفرق بكونه غير قاصد للّفظ. و فيه تأمّل.
________________________________________
عاملى، شهيد ثانى، زين الدين بن على، مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام، 15 جلد، مؤسسة المعارف الإسلامية، قم - ايران، اول، 1413 ه ق
الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية (المحشى - كلانتر)؛ ج3، ص: 226
و يشترط في المتعاقدين الكمال برفع الحجر الجامع للبلوغ و العقل و الرشد، و الاختيار إلا أن يرضى المكره بعد زوال إكراهه، لأنه بالغ رشيد قاصد إلى اللفظ دون مدلوله «3»، و إنما منه عدم الرضا، فإذا زال المانع أثر العقد كعقد الفضولي حيث انتفى القصد إليه من مالكه مع تحقق القصد إلى اللفظ في الجملة، فلما لحقته إجازة المالك أثرت، و لا «4» تعتبر مقارنته للعقد للأصل، بخلاف العقد المسلوب بالأصل
______________________________
(1) أي و من هذه الوجوه المذكورة من الشك في ترتب الحكم مع تأخر الإيجاب، و من استصحاب بقاء كل من العوضين على ملك مالكه، و من ترتب القبول على الإيجاب بكونه رضا به يظهر وجه حسن تقدم الإيجاب على القبول في قول [المصنف] رحمه اللّٰه.
(2) أي إلى [قبلت].
(3) أي أن المكره بقوله: بعت قاصد إلى اللفظ بمعناه الإنشائي، دون مدلوله الأصلي. و هو كونه مرادا له، لأن المكره حين البيع يقصد إنشاء البيع و إيجاده في الخارج لفظا، لأنه قد وقع منه عن رضاه.
(4) دفع و هم، حاصله: أنه يلزم المقارنة بين الرضى و العقد.
و جوابه: أن لزوم المقارنة بين الرضى و العقد منفي بالأصل و هو عدم اشتراط المقارنة بين الرضى و العقد في العقود.
الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية (المحشى - كلانتر)، ج3، ص: 227
كعبارة الصبي، فلا تجبره «1» إجازة الولي، و لا رضاه بعد بلوغه «2» و القصد، فلو أوقعه الغافل، أو النائم، أو الهازل لغا و إن لحقته الإجازة، لعدم القصد إلى اللفظ أصلا، بخلاف المكره. و ربما أشكل «3» الفرق في الهازل من ظهور قصده إلى اللفظ «4» من حيث كونه عاقلا مختارا، و إنما تخلف قصد مدلوله. و ألحق المصنف بذلك المكره على وجه يرتفع قصده أصلا، فلا يؤثر فيه الرضا المتعقب كالغافل و السكران، و هو حسن مع تحقق الإكراه بهذا المعنى، فإن الظاهر من معناه «5» حمل المكره للمكره على الفعل خوفا على نفسه، أو ما في حكمها «6» مع حضور عقله و تمييزه.
________________________________________
عاملى، شهيد ثانى، زين الدين بن على، الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية (المحشّٰى - كلانتر)، 10 جلد، كتابفروشى داورى، قم - ايران، اول، 1410 ه ق
جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام؛ ج22، ص: 265
و كذا الكلام في المغمى عليه و السكران غير المميز و غيرهم ممن هو فاقد العقل المعتد به في التكاليف الشرعية و موضوعاتها الخاصة و المكره بغير حق الذي هو مما رفع الشارع الحكم عما أكره عليه من قول أو فعل «2» بلا خلاف أجده فيه بيننا بل الإجماع بقسميه عليه، بل الضرورة من المذهب، مضافا إلى الأصل المقرر بوجوه، و إلى ما دل على اعتبار الرضا و طيب النفس في صحة المعاملة و آثارها من
______________________________
(1) الوسائل الباب 4 من أبواب مقدمة العبادات الحديث 11.
(2) الوسائل الباب 56 من أبواب جهاد النفس الحديث 1 و 2.
جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام، ج22، ص: 266
من الكتاب «1» و السنة «2» و إلى معلومية اعتبار ارادة معنى العقد من ذكر لفظه، ضرورة عدم كون التلفظ به سببا للعقد على كل حال حتى لو وقع ممن لم يرد العقد به، إذ
«لا عمل إلا بنية»
«3» و «إنما الأعمال بالنيات» «4»
و «لكل امرء ما نوى» «5»
لذلك اشتهر اعتبار القصود في العقود و تبعيتها لها بل لعله راجع إلى الرضا و طيب النفس اللذين قد عرفت اعتبارهما و من المعلوم انتفاء ارادة معنى العقد من المكره لعدم تصور الإكراه عليه لذلك قال في التذكرة: انه في معنى الإكراه بيع التلجئة و هو أن يخاف أن يأخذ الظالم ملكه فيواطي رجلا على إظهار شرائه منه و لا يريد بيعا حقيقيا، بل ربما استظهر منه الإجماع عليه إذ لا وجه له إلا ما عرفته من عدم ارادة العقد بما ذكره من ألفاظه.
نعم قد يشكل تحقق موضوع الإكراه فيما لو أكره على بيع عبد فباع اثنين أو نصفه كما في التذكرة ثم قال و كذا بثمن، فباع بأزيد أو أنقص أو بوصف حلول أو غيره فباع بخلافه لكن في شرح الأستاد و لو بعض الرضا أو غير الأجل أو بعض الشروط فالظاهر البطلان، أي لصدق الإكراه و لو جبره على البيع نقدا فأجر أو صالح أو أسلم فلا جبر قلت: المدار على صدق الإكراه، و مع الشك فالأصل عدمه و في التذكرة لو ادعى الإكراه قبل مع اليمين مع القرينة و لا بدونها و لا يخلو من إشكال إذا لم يكن ظهور يعتد به فيه و كيف كان فلا عبرة بما يصدر من
______________________________
(1) سورة النساء الآية 29.
(2) الوسائل الباب 3 من مكان المصلي الحديث 1 و 3.
(3) الوسائل الباب 5 من أبواب مقدمة العبادات الحديث 1.
(4) الوسائل الباب 5 من أبواب مقدمة العبادات الحديث 5.
(5) الوسائل الباب 5 من أبواب مقدمة العبادات الحديث 10.
جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام، ج22، ص: 267
ألفاظ العقود ممن عرفت و نحوهم من الساهي و الناسي و النائم و غيرهم، و لو رضي كل منهم بما فعل بعد زوال عذره بلا خلاف بل الإجماع بقسميه عليه لما عرفت مما يقتضي سلب عبارتهم على وجه لا ينفع تعقب الرضا عدا المكره للوثوق بعبارته فتصح حينئذ و يترتب عليها الآثار إذا عقبها بالرضا بعد ذلك على المشهور نقلا إن لم يكن تحصيلا بل في الرياض و الحدائق أن ظاهرهم الاتفاق عليه. لكن لا يخفى عليك بعد التأمل فيما قدمناه أنه إن لم تكن المسألة إجماعية فللنظر فيها مجال كما اعترف به في جامع المقاصد، ضرورة عدم اندراجه في العقود بعد فرض فقدان قصد العقدية، و أن صدور اللفظ فيه كصدوره من الهازل و المجنون و نحوهما، و قصد نفس اللفظ الذي هو بمعنى الصوت غير مجد، كما أنه لا يجدي في الصحة تعقب إرادة العقد بذلك، خصوصا بعد ما عرفت من اعتبار مقارنة النية بمعنى القصد للعمل، و إلا لأجزاء تعقبها المهاذل و نحوه مما هو معلوم العدم، و بذلك افترق عن الفضولي الذي قصد العقد بما ذكره. حتى جعل الرضا فيه كاشفا قبله، لا ناقلا كما ستعرف، فاستنباط حكم ما نحن فيه من فحوى الصحة فيه كما ترى.
و أغرب من ذلك التزام الصحة أيضا في الهاذل و نحوه ممن كان قاصد اللفظ دون المدلول إن لم يقم عليه إجماع، كما هو ظاهر بعضهم، لعدم الفرق بينه و بين المكره، و دعواه بأنه غير قاصد للفظ بخلاف المكره فإنه قاصد للفظ دون مدلوله كما ترى واضحة الفساد، فهو حينئذ كالمكره المتدرج في عمومات العقود، و الإكراه إنما كان مانعا شرعيا من تأثيرها أثرها فإذا زال عمل المقتضي مقتضاه، بل لو قلنا بأن الرضا شرط فأقصى ما يستفاد مما دل على اعتبار شرطية وجوده، أما سبقه أو مقارنته فلا دليل عليه فينفى بأصالة عدم الشرطية كغيره
جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام، ج22، ص: 268
من الشرائط الشرعية التي يشك في اشتراطها التي ترجع في الحقيقة إلى الشك في إطلاق وجوب الوفاء و عدمه، و لا ريب أن مقتضى الإطلاق الأول، و هو معنى أصالة الإطلاق في الواجب، و ان الوجوب المشروط محتاج إلى الدليل بعد فرض إطلاق الأمر، إذ لا يخفى عليك ما في جميع ذلك، بعد ما عرفت من فقد القصد في المكره و الهاذل الذي يمكن دعوى انتفاء اسم العقد بانتفائه حينئذ إذ ليس هو أسماء للفظ على كل حال.
نعم هو لفظ العقد بمعنى انه يعقد به عند إرادة العقد، لا انه عقد كيف ما وقع، و لو سلم فلا ريب في اعتبار مقارنة القصد له، بدليل
قوله (ع): «لا عمل إلا بنية» «1»
و إنما الأعمال بالنيات «2»
و نحوها و لذلك اعتبر في صحة العبادة، بل هو أيضا مقتضى رفع حكم ما أكره عليه «3» و كونه كالعدم كما و هو واضح و ستسمع إنشاء الله في الفضولي تمام البحث في ذلك، فظهر حينئذ أن العمدة في المسألة الإجماع إن تم، لكن قد يناقش في تمامه بإطلاق اشتراط الاختيار من بعضهم على وجه يظهر منه ان اشتراطه كاشتراط البلوغ و العقل، بل ربما ظهر من إطلاق معقد إجماع الخلاف ذلك، قال: فيما حكي عنه طلاق المكره و عتقه و سائر العقود التي يكره عليها لا تقع إجماعا منا، ثم حكى بعد ذلك القول بالصحة عن بعض العامة في الطلاق و العتق من دون تعقب اجازة، و في نحو البيع و الصلح إذا تعقبت و إلا بطلت فتأمل جيدا، حتى يظهر لك ما أطنب به غير واحد من متأخري الأصحاب في المقام
______________________________
(1) الوسائل الباب 5 من أبواب مقدمة العبادات الحديث 1.
(2) الوسائل الباب 5 من أبواب مقدمة العبادات الحديث 5.
(3) الوسائل الباب 56 من أبواب جهاد النفس الحديث 1 و 2.
جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام، ج22، ص: 269
خصوصا فاضل الرياض.
نعم لو فرض تصور قصد المكره على اللفظ معنى اللفظ مع عدم الرضا منه و قلنا أن الإكراه على اللفظ لا يخرجه عن صلاحية التأثير، جرى عليه حكم الفضولي، بل و كذا لم يكن مكرها بل كان مختارا و لكن صرح بالقصد المزبور دون الرضا بناء على تصور انفكاكهما، و لعل منه ما سمعته من التذكرة من بيع التلجئة، و لا ريب في كونه حينئذ كالفضولي فتأمل جيدا، و ربما تسمع له فيما يأتي تتمة إنشاء الله، و حينئذ فالمتجه بناء البحث على ذلك، فالمكره القاصد للفظ و مدلوله على نحو سائر أفعال العقلاء، كالمكره على الأكل و الشرب و نحوهما، حكمه حكم الفضولي، و المكره الذي قد جرد نفسه من قصد العقد بما يتلفظه به على وجه لم يصدر منه إلا اللفظ الفرق باطل و إن تعقبه الرضا بعد ذلك لفوات القصد، و لعل إطلاق الأصحاب الصحة في المكره مبني على غلبة كونه بالمعنى الأول ضرورة عدم منافاة الإكراه لذلك فتأمل جيدا
________________________________________
نجفى، صاحب الجواهر، محمد حسن، جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام، 43 جلد، دار إحياء التراث العربي، بيروت - لبنان، هفتم، 1404 ه ق
جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام، ج32، ص: 15
و لا يعتبر عندنا في الحكم ببطلان طلاق المكره عدم التمكن من التورية بأن ينوي غير زوجته أو طلاقها من الوثاق أو يعلقه في نفسه بشرط أو نحو ذلك و إن كان يحسنها و لم تحصل له الدهشة عنها، فضلا عن الجاهل بها أو المدهوش عنها، لصدق الإكراه، خلافا لبعض العامة، فأوجبها للقادر.
و لو قصد المكره إيقاع الطلاق ففي المسالك و غيرها «في وقوعه وجهان:
من أن الإكراه أسقط أثر اللفظ و مجرد النية لا تعمل، و من حصول اللفظ و القصد، و هذا هو الأصح» قلت: مرجع ذلك إلى أن الإكراه في الظاهر دون الواقع، و قد تكرر من العامة و الخاصة خصوصا الشهيد الثاني في المسالك و الروضة في المقام و في البيع أن المكره حال إكراهه لا قصد له للمدلول، و إنما هو قاصد للفظ خاصة، و فيه منع واضح، ضرورة تحقق الإنشاء و القصد فيه، و لذا ترتب عليه الأثر مع الإكراه بحق، و مع تعقب الإجازة بالعقد بل ظاهر
قوله عليه السلام «1»: «إنما الطلاق»
إلى آخره تحقق الإرادة من المكره، بل لعل عدم القصد للمدلول في المكره من التورية التي لم نوجبها عليه، و حينئذ فالمكره قاصد على نحو غيره إلا أنه قصد إكراه لا قصد اختيار، و إن شئت عبرت عن ذلك بالرضا و عدمه.
و من هنا يظهر لك ما في عنوان الوجهين السابقين المبنى على كون المكره غير قاصد، و عليه كان المتجه حينئذ إدراجه في الشرط الرابع، لا أنه يجعل شرطا مستقلا، نعم قد يقال: إن الهازل يقصد اللفظ دون المعنى فلا إنشاء له حينئذ، و به يتضح الفرق فيهما، أو يقال: إنه قاصد أيضا إلا أنه قصد هزلي لا أثر له في الشرع للأدلة الخاصة و لو تعقبه الرضا، بل قد عرفت اشتمالها على بطلان طلاق الغضبان و إن كنت لم أعرف من أفتى به إلا مع ذهاب العقل به أو القصد، فتأمل جيدا، و لاحظ ما ذكرناه في كتاب البيع.
________________________________________
نجفى، صاحب الجواهر، محمد حسن، جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام، 43 جلد، دار إحياء التراث العربي، بيروت - لبنان، هفتم، 1404 ه ق