بسم الله الرحمن الرحیم

الاصول اللفظیة

القواعد الفقهیة و الاصولیة
حجیت ظواهر کتاب-ایجاد شده توسط: حسن خ
اصالة الظهور-قرینیت موجود- قرائن لبیه نوعیه - قرائن ارتکازیه-ایجاد شده توسط: محمد مهدی ع





الذريعة إلى أصول الشريعة، ج‏1، ص: 10
البحث في الحقيقة و المجاز «2»
و ينقسم المفيد من الكلام إلى ضربين: حقيقة و مجاز. فاللفظ الموصوف بأنه حقيقة هو ما أريد به ما وضع ذلك اللفظ لإفادته إما في لغة، أو عرف، أو شرع. و متى تأملت ما حدت به الحقيقة «3» وجدت «4» ما ذكرناه أسلم و أبعد من القدح «5». و حد المجاز «6» هو اللفظ الذي أريد به ما لم يوضع لإفادته في لغة، و لا عرف، و لا شرع.
و من حكم الحقيقة وجوب حملها على ظاهرها إلا «7» بدليل. و المجاز بالعكس من ذلك، بل يجب حمله على ما اقتضاه الدليل. و الوجه في ثبوت هذا الحكم للحقيقة أن المواضعة قد جعلت ظاهرها للفائدة المخصوصة، فإذا خاطب الحكيم قوما بلغتهم و جرد كلامه عما يقتضى‏
__________________________________________________
(1)- ج: نتبين.
(2)- اين عنوان از مصحح است، و در هيچيك از نسخ نيست، تنها در حاشيه نسخه الف است «في الحقيقة و المجاز».
(3)- ب:- به الحقيقة، ج:+ و.
(4)- ب: و حدث.
(5)- ج و ب و نسخه بدل الف: القدوح.
(6)- ب:+ و.
(7)- ج: لا.

الذريعة إلى أصول الشريعة، ج‏1، ص: 11
العدول عن ظاهره، فلا بد من أن يريد به «1» ما تقتضيه «2» المواضعة في تلك اللفظة التي استعملها.
و من شأن الحقيقة أن تجري «3» في كل موضع تثبت «4» فيه فائدتها من غير تخصيص، إلا أن يعرض عارض سمعي يمنع «5» من «6» ذلك. هذا إن «7» لم يكن في الأصل تلك الحقيقة وضعت لتفيد «8» معنى في جنس دون جنس، نحو قولنا: أبلق، فإنه يفيد اجتماع لونين مختلفين في بعض الذوات «9» دون بعض، لأنهم يقولون: فرس أبلق، و لا يقولون:ثور «10» أبلق.

...
الذريعة إلى أصول الشريعة، ج‏1، ص: 12
و اعلم أن الحقيقة يجوز أن يقل استعمالها، و يتغير حالها فيصير «5» كالمجاز. و كذلك المجاز غير ممتنع أن يكثر استعماله في العرف «6» فيلحق بحكم الحقائق و إنما قلنا ذلك، من حيث كان «7» إجراء هذه «8» الأسماء على فوائدها في الأصل ليس بواجب، و إنما هو بحسب الاختيار، و إذا صح في أصل اللغة التغيير و التبديل، فكذلك «9» في فرعها «10»، و المنع من جواز ذلك متعذر. و إذا كان جائزا، فأقوى ما ذكر في وقوعه و حصوله أن قولنا: غائط «11»، كان في الأصل اسم للمكان المطمئن «12» من الأرض، ثم «13» غلب عليه الاستعمال العرفي، فانتقل إلى الكناية عن قضاء الحاجة و الحدث المخصوص، و لهذا لا يفهم من إطلاق هذه اللفظة في العرف إلا ما ذكرناه، دون ما كانت‏
__________________________________________________
(7)- ج:- كان.
(8)- ج: هذا.
(9)- ب: فلذلك+ قال.
(10)- ج: عرفها.
(11)- ج: غاية.
(12)- الف: المطمئن.
(13)- ب:- ثم.
الذريعة إلى أصول الشريعة، ج‏1، ص: 13
عليه في الأصل. و أما استشهادهم على ذلك بالصلاة و الصيام، و أن المفهوم في الأصل من لفظة «1» الصلاة الدعاء، ثم صار بعرف الشرع المعروف سواه، و في «2» الصيام الإمساك، ثم صار في الشرع لما كان «3» يخالفه، فإنه يضعف، من حيث أمكن يقال إن ذلك ليس بنقل، و إنما هو تخصيص، و هذا غير ممكن في لفظة «4» الغائط «5».
و أقوى ما يعرف به كون اللفظ حقيقة «6» هو نص أهل اللغة، و توقيفهم على ذلك، أو يكون معلوما من حالهم ضرورة.
و يتلوه في القوة أن يستعملوا اللفظ «7» في بعض الفوائد، و لا يدلونا على أنهم متجوزون بها مستعيرون لها، فيعلم «8» أنها حقيقة، و لهذا نقول: إن «9» ظاهر استعمال أهل اللغة اللفظة في شي‏ء دلالة «10» على أنها حقيقة فيه إلا أن ينقلنا ناقل عن هذا الظاهر.

****************
القوانين المحكمة في الأصول ( طبع جديد )، ج‏1، ص: 80
قانون إذا تميز المعنى الحقيقي من المجازي؛ فكلما استعمل اللفظ خاليا عن القرينة فالأصل الحقيقة،
أعني به الظاهر، لأن مبنى التفهيم و التفهم على الوضع اللفظي غالبا، و لا خلاف لهم في ذلك.
قانون و أما إذا استعمل لفظ في معنى أو معان لم يعلم وضعه له‏
، فهل يحكم بكونه حقيقة فيه أو مجازا، أو حقيقة إذا كان واحدا دون المتعدد، أو التوقف لأن الاستعمال أعم؟
المشهور الأخير، و هو المختار لعدم دلالة الاستعمال على الحقيقة، و السيد المرتضى على الأول لظهور الاستعمال فيه «1»، و هو ممنوع.
و الثاني: منقول عن ابن جني «2»، و جنح إليه بعض المتأخرين «3»، لأن أغلب لغة العرب مجازات «4»، و الظن يلحق الشي‏ء بالأعم الأغلب و هو أيضا ممنوع، و لو سلم فمقاومته للظن الحاصل من الوضع ممنوع.
__________________________________________________
(1) راجع «الذريعة» ص 10.
(2) بكسر الجيم و تشديد النون و سكون الياء و تخفيفهما، كنية أبو الفتح عثمان بن جني، و نقل عن سيبويه ان جني معرب كني و ليس الياء للنسبة.
(3) و ممن آل الى ما مآل إليه ابن جني و هو دلالة الاستعمال على مجازية المستعمل فيه، المحقق جمال الدين الخوانساري في بحثه على المشتق. و استفهم ذلك من جملة كلام له في «حواشيه» على شرح «المختصر» و كأنه غير دال عليه. (4) و دليل ابن الجني لأن أكثر اللغات مجازات فمنعه أيضا، و رد عليه صاحب «الفصول» ص 41.

القوانين المحكمة في الأصول ( طبع جديد )، ج‏1، ص: 81
و الثالث «1»: مبني على أن المجاز مستلزم للحقيقة، فمع الاتحاد لا يمكن القول بمجازيته، و أما مع التعدد؛ فلما كان المجاز خيرا من الاشتراك فيؤثر عليه «2» و يترتب على ذلك لزوم استعمال أمارات الحقيقة و المجاز في التمييز، و حيث لم يتميز؛ فالوقف.
و رد: بمنع استلزام المجاز للحقيقة، بل إنما هو مستلزم للوضع ك: (الرحمن)، و الحقيقة مستلزم للاستعمال، و أن عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود.


****************
الفصول الغروية في الأصول الفقهية، ص: 41
فصل قد اشتهر بينهم أن الأصل في الاستعمال الحقيقة و أن الاستعمال أعم من الحقيقة و المجاز
و بين هاتين القاعدتين بحسب الظاهر تدافع لكن لكل منهما مورد مخصوص فمن موارد القاعدة الأولى ما لو علم المعنى الحقيقي و جهل المراد فيحمل على المعنى الحقيقي عند التجرد عن القرائن لظهوره و رجحانه و لأن مبنى المحاورات عليه و هذا مما لا نزاع لأحد فيه و قد حكى الاتفاق عليه غير واحد منهم و لا فرق في ذلك بين أن يكون السامع مخاطبا باللفظ أو لا و منها ما لو اتحد المستعمل فيه و جهل الموضوع له و المراد أن يتحد منه ما يحتمل أن يكون اللفظ حقيقة فيه و إن كان مستعملا في غيره أيضا إذا علم بكونه مجازا فالأكثر على أنه حقيقة في ذلك المعنى و ربما نقل الاتفاق عليه لأن ظاهر الاستعمال و المتبادر منه ذلك و لأنه إذا وجب حمل اللفظ على المعنى الحقيقي عند الجهل بالمراد وجب حمل اللفظ على ذلك عند العلم به أيضا إذ لا يعقل للعلم بالمراد و عدمه أثر في ذلك و يؤيده ما قيل من أن الحقيقة أرجح من المجاز لتوقفه على الوضع و العلاقة و النقل و القرينة و الحقيقة إنما تتوقف على الوضع فالحمل عليها أولى و عن ابن جني أنه مجاز لأن أكثر اللغات مجازات فإن أراد الأكثرية بحسب الاستعمال فممنوع لشهادة الوجدان على خلافه و إن أراد الأكثرية بحسب المعنى فمسلم لكنه لا يجديه لمعارضته بما هو أقوى منه من أكثرية الاستعمال في المعنى الحقيقي‏


****************
فرائد الأصول، ج‏1، ص: 135
[الأمارات المستعملة في استنباط الأحكام‏] [من ألفاظ الكتاب و السنة] «1»
منها: الأمارات المعمولة في استنباط الأحكام الشرعية من ألفاظ الكتاب و السنة.
و هي على قسمين: القسم الأول: ما يعمل لتشخيص مراد المتكلم‏ عند احتمال إرادته خلاف ذلك، كأصالة الحقيقة عند احتمال إرادة المجاز، و أصالة العموم و الإطلاق، و مرجع الكل إلى أصالة عدم القرينة الصارفة عن المعنى الذي يقطع بإرادة المتكلم الحكيم له لو حصل القطع بعدم القرينة، و كغلبة استعمال المطلق في الفرد الشائع بناء على عدم وصوله إلى حد الوضع، و كالقرائن المقامية التي يعتمدها أهل اللسان «2» في محاوراتهم، كوقوع الأمر عقيب توهم الحظر، و نحو ذلك، و بالجملة: الامور المعتبرة عند أهل اللسان في محاوراتهم بحيث لو أراد المتكلم القاصد للتفهيم خلاف مقتضاها من دون نصب قرينة معتبرة، عد ذلك منه قبيحا.
__________________________________________________
(1) العنوان منا.
(2) في (ظ) و (م) بدل «أهل اللسان»: «العقلاء»، و في (ت) و (ه): «عقلاء أهل اللسان».

فرائد الأصول، ج‏1، ص: 136
و «1» القسم الثاني: ما يعمل لتشخيص أوضاع الألفاظ، و تمييز «2» مجازاتها من حقائقها، و ظواهرها عن خلافها، كتشخيص أن لفظ «الصعيد» موضوع لمطلق وجه الأرض أو التراب الخالص؟ و تعيين أن وقوع الأمر عقيب توهم الحظر هل يوجب ظهوره في الإباحة المطلقة؟
و أن الشهرة في المجاز المشهور هل توجب احتياج الحقيقة إلى القرينة الصارفة عن الظهور العرضي المسبب من الشهرة، نظير احتياج المطلق المنصرف إلى بعض أفراده؟ و بالجملة: فالمطلوب في هذا القسم أن اللفظ ظاهر في هذا المعنى أو غير ظاهر؟ و في القسم الأول أن الظاهر المفروغ عن كونه ظاهرا مراد أو لا؟ و الشك في الأول مسبب عن الأوضاع اللغوية و العرفية، و في الثاني عن اعتماد المتكلم على القرينة و عدمه. فالقسمان من قبيل الصغرى و الكبرى لتشخيص المراد «3».
__________________________________________________
(1) لم ترد «و» في (ر)، (ظ) و (م).
(2) كذا في (ت)، (ظ) و (ه)، و في غيرها: «تشخيص».
(3) لم ترد «فالقسمان- إلى- المراد» في (ت) و (ه)، و كتب عليها في (ص): «زائد».

فرائد الأصول، ج‏1، ص: 137
أما القسم الأول: فاعتباره في الجملة مما «1» لا إشكال فيه و لا خلاف؛ لأن المفروض كون تلك الامور معتبرة عند أهل اللسان في محاوراتهم المقصود بها التفهيم، و من المعلوم بديهة أن طريق محاورات الشارع في تفهيم مقاصده للمخاطبين لم يكن طريقا مخترعا مغايرا لطريق محاورات أهل اللسان في تفهيم مقاصدهم.
و إنما الخلاف و الإشكال وقع في موضعين: أحدهما: جواز العمل بظواهر الكتاب. و الثاني: أن العمل بالظواهر مطلقا في حق غير المخاطب بها قام الدليل عليه بالخصوص- بحيث لا يحتاج إلى إثبات انسداد باب العلم في الأحكام الشرعية- أم لا؟ و الخلاف الأول ناظر إلى عدم كون المقصود بالخطاب استفادة المطلب منه مستقلا. و الخلاف الثاني ناظر إلى منع كون المتعارف بين أهل اللسان اعتماد غير من قصد إفهامه بالخطاب على ما يستفيده من الخطاب بواسطة أصالة عدم القرينة عند التخاطب.
فمرجع كلا الخلافين إلى منع الصغرى. و أما الكبرى- أعني كون الحكم عند الشارع في استنباط مراداته من خطاباته المقصود بها التفهيم، ما هو المتعارف عند أهل اللسان في الاستفادة- فمما لا خلاف فيه و لا إشكال.
__________________________________________________
(1) لم ترد «مما» في (ت)، (ر) و (ل).



****************
درر الفوائد في الحاشية على الفرائد، الحاشيةالقديمة، ص: 514
قوله (قده): و مرجع الكل إلى أصالة عدم القرينة- إلخ-.
أقول: لا يخفى أن أصالة عدم القرينة إنما هي مما لا بد منها في تحقق مجاري هذه الأصول عند الشك في نصبها، و أما إذا علم بعدم النصب و شك في إرادة المعنى الحقيقي أو المجازي، لاحتمال غفلته عنه أو لعدم مقام الحاجة إلى تمام البيان بعد، فلا بد حينئذ أيضا في حمل اللفظ على معناه الحقيقي من هذه الأصول، و لا مجال لأصالة العدم أصلا، فلا وجه لكونها مرجعا لها مطلقا بل مطلقا، لما عرفت من أنها في الصورة الأولى إنما لا بد منها في‏

درر الفوائد في الحاشية على الفرائد، الحاشيةالقديمة، ص: 515
تحقق المورد و بيان المجرى لها، و شتان بينه و بين المرجعية، كما لا يخفى.
و توضيح المرام و تشريح المقام يستدعى بسطا في الكلام في تشخيص الأصول المعمولة في تعيين المراد و تميز مواردها، و بيان منشئها و مبناها، فنقول:
اعلم أولا انه إذا انعقد للكلام المسوق على طريقة العرف ظهور في معنى بأن يكون هو المفهوم من الكلام بحسب متفاهم العرف، سواء كان ظهورا أوليا مسببا عن الوضع، أو ثانويا مسببا عن القرائن المكتنفة بالكلام الصارفة عن الحقيقة، فلا إشكال في حجيته و اعتباره مطلقا و إن لم يحصل الظن بالمراد، بل و لو حصل الغير المعتبر على خلافه، خلافا لبعض المتأخرين، و وجهه ما أشير إليه في المتن، فلا حاجة إلى ذكره، و المهم انما هو تميز مواضع انعقاد الظهور عن غيرها و تعيين المحتاج منها في ذلك إلى أصالة عدم القرينة.
فاعلم انه تارة يظن الظن المعتبر عدم نصب قرينة صارفة عن المعنى الحقيقي إلى المجازي معينة إياه أولا، و عدم الاكتناف بما يوجب الإجمال بأن لا يكون الكلام معه باقيا على ظهوره الأولي في معناه الحقيقي، و لا ينعقد له ظهوره الثانوي في المعنى المجازي. و أخرى يعلم النصب أو الاكتناف. و ثالثة يشك فيهما و يظن الظن الغير المعتبر.
فهذه صور، أما الأولى فلا إشكال في ظهوره في معناه الحقيقي، فيجب حمله عليه، فلو شك في إرادته لاحتمال غفلة المتكلم عن النصب، أو عدم الكلام في مقام البيان، أو مصلحة في الإبهام، لا يعتنى بهذا الاحتمال. و أما الثانية، فان علم النصب، فلا إشكال في ظهوره في معناه المجازي و وجوب اتباعه و لو احتمل الخلاف لغفلته، أو غيرها لو كانت القرينة بحيث تعينه، و إلا فلا بد من التوقف، لإجماله و تردده بين المعاني المجازية، و إن علم الاكتناف فلا بد من التوقف، لعدم انعقاد ظهور له بعد، و ظهوره الأولى قد ارتفع بالاكتناف له.
نعم القائلون بأصالة الحقيقة من باب التعبد لا الظهور الفعلي المفيد للظن نوعا يبنون على معناه الحقيقي من غير توقف، هذا. و أما الصورة الثالثة، فلا بد من البناء على الحقيقة من إجراء أصالة عدم القرينة، أو ما يوجب الإجمال، فيصير الكلام كما إذا لم يكشف بهما تعبدا، فيستوفى ظهوره الأولي فيبنى عليه. فان قلت: فما الفرق بين هذه الصورة و الصورة السابقة، حيث التزمت هاهنا بقضية ظهور لم ينعقد إلا بعد فرض الكلام و جعله بلا قرينة بأصالة العدم، و لم تلتزم به هناك.

درر الفوائد في الحاشية على الفرائد، الحاشيةالقديمة، ص: 516
قلت: إن كان هذا الأصل استصحابا فالفرق واضح، و ذلك لفقد الحالة السابقة هناك، دونه هنا كما لا يخفى، و إن كان قاعدة كما أقوى الاحتمالين كما نشير إليه، فالقدر المعلوم من طريقة العرف هو البناء على العدم عند الشك في وجود القرينة، لا في قرينية الموجود، هذا.
و لكن لا يخفى أن الاحتياج إلى أصالة عدم القرينة في الصورة إنما هو بناء على المختار من حجية أصالة الحقيقة من باب الظن النوعي، و أما بناء على التعبد، فلا، كما لا يخفى. ثم اعلم ان ما ذكرنا من جريان أصالة العدم و إن ظن بالنصب مبنى على عدم ثبوت النصب بمطلق العرف، كما هو كذلك لما نشاهده من ديدنهم من إجراء أصالة العدم و لو ظن بالنصب، مع أن إثبات القرينة بالظن عندهم لو سلم فإنما هو لأجل اعتباره و حجيته في ذلك لديهم، و ذلك لا يوجب إثباته به في الشرعيات ما لم يقم دليل على اعتباره عند الشارع في ذلك، أو مطلقا أيضا.
ثم اعلم ان اعتبار أصالة الظهور من باب الظن النوعي بالمراد و إن لم يورث الفعلي به، بل و لو كان على خلاف المراد، خلافا لبعض المتأخرين كما سبقت إليه الإشارة. و أما اعتبار أصالة الحقيقة فهل هو من جهة التعبد من العرف بالالتزام بحمل اللفظ على معناه الحقيقي، أو من باب الظن النوعي إما لغلبة إرادة المعنى الحقيقي، أو من ظهور اتباع الواضع في المحاورة، قولان. و أما أصالة العدم فهل هو استصحاب العدم فيتوقف على إحراز شرائطه، أو قاعدة البناء على العدم فلا يتوقف عليه، و جهان، و الأظهر من طريقة العرف هو الثاني لإجرائها و لو لم تكن القرينة مسبوقة بالعدم و هو من مقدمات الاستصحاب. ثم إنه هل هي معتبر من باب الظن النوعي من غلبة عدم القرينة، أو قاعدة تعبدية؟ و جهان: من أن بنائهم على إحراز الواقعيات فلا يلتزمون بما ليس له جهة كشف و إراءة، و من إجرائها و لو كانت القرينة مظنونة بالظن الغير المعتبر، فلو كان اعتبارها من جهة كشفها عن الواقع نوعا فمراعاة الكشف الفعلي أولى في مقام إحراز الواقع كما لا يخفى، فتأمل.



درر الفوائد في الحاشية على الفرائد، الحاشيةالجديدة، ص: 83
قوله (قده) القسم الأول ما يعمل لتشخيص مراد المتكلم عند احتمال إرادته خلاف ذلك، كأصالة الحقيقة عند احتمال إرادة المجاز، و أصالة العموم، و أصالة الإطلاق، و مرجع الكل إلى أصالة عدم القرينة- إلخ-.
مجمل الكلام في المقام، ان ما يصدر عن المتكلم للإفادة بما حفت به من حال أو مقال لا يخلو: إما ان يكون له بحسب المتفاهم العرفي ظهور في معنى بمعنى، انهم يجعلونه قالبا له، و يعبر به عنه في محاوراتهم، أم لا، بل يتحيرون في معناه الذي ينبغي ان يعبر به عنه و يجعل قالبا له، لا ينبغي الإشكال في التوقف في هذا القسم و لو كان ما وضع له اللفظ معلوما، و كان منشأ الإجمال هو الاحتفاف بما يوجب ذلك من حال أو مقال، و عدم اعتبار أصالة عدم قرينية ذلك، و لا أصالة الحقيقة و لو قلنا بحجيتها من باب التعبد، إذ لا طريق لنا إلى حجية مثلها إلا الرجوع إلى سيرة أهل المحاورة و طريقتهم، على ما يشاهد التوقف في هذه الصورة، و الاستفسار من المراد كما لا ريب في اتباع الظهور العرفي في القسم الأول في الجملة، سواء كان بالوضع أو بالقرينة.

درر الفوائد في الحاشية على الفرائد، الحاشيةالجديدة، ص: 84
انما الكلام و الإشكال في المقامين:
أحدهما بيان ان مرجع ما يعمل به في تشخيص مراد المتكلم من كل واحد من أصالة الحقيقة، أو العموم، أو الإطلاق، و أصالة عدم القرينة، أو المخصص، أو المقيد، إلى واحد أو كل واحد أصل على حدة، ضرب لطرف من الشك في المراد. و ثانيهما بيان كيفية اعتبار أصالة الظهور، و انها معتبرة مطلقا و لو لم تفد الظن، بل و لو كان على خلافها، أو مقيدة بالإفادة، أو بعدم الظن بالخلاف. اما المقام الأول
فاعلم ان الشك في إرادة الظهور (تارة) يكون من جهة احتمال الاحتفاف بما يوجب صرف اللفظ إلى غير معناه الحقيقي أو طرو الإجمال عليه. (و أخرى) مع القطع بعدم ذلك من جهة احتمال العمد إلى الإخفاء لحكمه داعية إلى ذلك، كما هو الحال في كثير من العمومات و المطلقات في صدر الإسلام. (و ثالثة) من جهة كلا الاحتمالين. و ذلك من غير تفاوت بين ان يكون الظهور ذاتيا فيما وضع له بسبب الوضع، أو عرضيا في غيره بواسطة القرينة، و الذي يظهر من المراجعة إلى أهل المحاورة، و يعرف من بنائهم و سيرتهم انما هو البناء على اتباع ما للفظ من الظهور في الصور الثلاث بلا تفاوت في ذلك بينهما من دون بناء آخر منهم على عدم الاحتفاف بالقرينة أولا عند احتماله، ثم البناء على اتباع الظهور عند احتمال عدم إرادته و لو على تقدير عدم الاحتفاف، كما في الصورتين الأخيرتين، فلا يكون في مثل (جئني بأسد) الظاهر في الحيوان المفترس، مع احتمال عدم إرادة ظهوره من جهة الشك في احتفافه بمثل (يرمى) و قد خفي، أو من جهة احتمال عدم ذكره عن عمد إلا البناء على معناه الحقيقي الظاهر منه، كما انه لا يكون في مثل (جئني بأسد يرمي) الظاهر في الرجل الشجاع، مع احتمال عدم إرادته مطلقا و لو كان لأجل الشك في العمد إلى عدم نصب ما يمنع القرينة من (عن. ن. ل) صرف لفظ الأسد إلى هذا المعنى المجازي إلا البناء على هذا المعنى الظاهر منه، فليس في البين إلا أصل واحد و هو البناء على حمل اللفظ على معناه الظاهر فيه حقيقة كان أو مجازا.
نعم لا مضايقة من تسميته بأصالة الحقيقة أو العموم أو الإطلاق عند الشك في إرادة المعنى الحقيقي، أو العموم، أو الإطلاق، مع القطع بعدم الاحتفاف بالقرينة على المجاز، أو التخصيص، أو التقييد، و بأصالة عدم القرينة، أو عدم المخصص، أو المقيد مع الشك فيه.

درر الفوائد في الحاشية على الفرائد، الحاشيةالجديدة، ص: 85
و مما ذكرنا انقدح انه لا وجه لإرجاعه- قده- تلك الأصول الوجودية إلى العدمية، بل كما عرفت يكون الأمر بالعكس؛ و الحاصل ان أصالة الحقيقة لانطباق أصالة الظهور عليها فيما إذا شك في إرادة المعنى الحقيقي، مع القطع بعدم الاحتفاف بما يوجب الصرف أو الإجمال مما لا إشكال في اعتبارها، مع انه لا مجال لأصالة عدم القرينة فيه، كما لا يخفى. و اما أصالة عدم القرينة فيما شك فيه الاحتفاف مع القطع بإرادة المعنى الحقيقي لولاه أو بدونه و ان كان عن الممكن، فانه اعتبارها به. لكن الإنصاف عدم الاختلاف بين الشك في الاحتفاف، و القطع بعدمه فيما يبنون عليه عند الشك في إرادة المعنى الحقيقي، بل يبنون فيهما على أصالة الحقيقة التي لا مجال لغيرها في صورة القطع بالعدم، و هذا كما ان الظاهر انه لا خصوصية فيها، بل من جهة مطلق أصالة الظهور المتبعة أيضا عند الشك في إرادة المعنى المجازي من اللفظ مع القرينة، و منشأ توهم الخصوصية تداول التعبير عنها في مورد الشك في إرادة ما وضع له بأصالة الحقيقة، كما ان منشأ توهم كون أصالة عدم القرينة أصلا برأسها، بل مرجعها لغيرها التعبير بها عنها فيما كان الشك فيه لأجل احتمال وجودها، كما لا يخفى.
و اما المقام الثاني‏
فالظاهر اعتبار أصالة الظهور مطلقا و لو كان الظن الغير المعتبر على خلافه، كما يظهر ذلك من مراجعة طريقة العقلاء في مقام الاعتذار و الاحتجاج لدى المخالفة «1» و اللجاج، حيث انهم يحتجون بظهور المطلق أو العام و لا يصغون إلى الاعتذار بأنه ما أفاد الظن، أو كان على خلافه في هذا المقام، إلا إلى ما يصلح ان يعارضه و يزاحمه من حجة معتبرة أخرى. و الحاصل ان حجية الظهور ليست مغياة إلا بقيام حجة أخرى على خلافه، كانت مساوية له أو أقوى. ثم انه إذا كانت على خلاف الظهور أمارة في العرفيات موجبة للتوقف عن العمل به، لا يكون موجبة له في الشرعيات ما لم يكن معتبرة لدى الشارع، كما كانت معتبرة لدى العرف و إمضاء طريقة العرف شرعا في حجية الظواهر لا يقتضى التوقف عنها في الشرعيات، إلا بما كانت حجة فيها، كما لا يخفى، فربما يختلف الأمارات شرعا و عرفا في‏
__________________________________________________
(1)- خ ل: المخاصمة

درر الفوائد في الحاشية على الفرائد، الحاشيةالجديدة، ص: 86
ذلك، مع عدم اختلاف بينهما في كيفية حجية الظهور، و كونها مغياة بعدم الحجة على خلافه. ثم الظاهر عدم اختصاص حجيته بمن قصد افهامه لما يشاهد عرفا من صحة الاحتجاج و المؤاخذة به بالنسبة إلى من لم يقصد افهامه أيضا، و عدم قبول الاعتذار بذلك بحيث لا يكون تفاوت عند العقلاء و بينهما في إتمام الحجة عليهما بكلام عام يعمها حكمه و ان اختص بأحدهما افهامه، و لا يوجب احتمال ان يكون بين المتكلم و المقصود بالإفهام قرينة معهودة على إرادة خصوصه من ذاك العام تفاوتا، و ليس ذا إلا كسائر ما يوجب احتمالها مما يختلف فيه الأشخاص. و بالجملة اختصاص أحد بسبب من أسباب الاحتمال، لا يوجب اختصاص حجية الظهور بغيره، فكما لا فرق عند العقلاء بينهما في اتباع أصالة عدم الغفلة عند احتمالها، كذلك لا فرق بينهما في أصالة عدم القرينة عند احتمالها، فلا وجه لتفصيل المحقق القمي رحمه الله بينهما.
ثم لا يخفى انه بناء على ما بينا عليه، من انه ليس في البين إلا أصالة الظهور لا وجه لاستبعاد كونها حجة من باب التعبد لا الظن النوعي، فضلا عن دعوى استحالته بدعوى ان هم العقلاء هو الواقع، فكيف يتعبدون بأحد طرفي احتماله من دون رجحانه و لو نوعا، و ذلك لأنه انما يكون هناك مرجح، أو ما يحكى كونه الواقع، لا فيما يكون ذلك أيضا و ان لم يفد الظن، لوضوح انه لا وجه لدعوى الاستحالة و لا الاستبعاد مع كل واحد منهما بعد رجحان أصل التعبد لصلاحية كل، لأن يكون مرجحا و معينا لحجية ما في طرفه، كما لا يخفى؛ و كيف كان لا يهمنا إحراز كون حجيتها من أي باب بعد إثبات الحجية كما بينا (كما و كيفا. ن. ل). ثم الظاهر ان المتبع عند احتمال قرينة منفصلة من الكلام، هو الظهور أيضا بلا ضميمة امر آخر من أصالة عدمها و ان عبر بها، كما عرفت في القرينة المتصلة. و بالجملة يكون الظهور حجة إلى ان يزاحمه حجة أخرى يساويه، أو يكون أقوى، فلا فرق في اتباع أصالة الظهور عند احتمال القرينة بين المتصلة و المنفصلة.
نعم ما يوجب الإجمال مع الاتصال، لا يصلح للمزاحمة مع الانفصال، إلا فيما دار الأمر فيه بين المتباينين، كما إذا ورد (أكرم العلماء) مثلا، و ورد أيضا (لا تكرم زيدا) و تردد بين زيد النحوي و الصرفي، فلا يتبع ظهور العام في واحد منهما، بخلاف ما إذا تردد بين زيد العالم و غيره فيتبع. و هذا بخلاف ما إذا استثنى زيد عقيب جمل مثل (أكرم العلماء و أهن‏

درر الفوائد في الحاشية على الفرائد، الحاشيةالجديدة، ص: 87
التجار إلا زيدا) بناء على عدم الظهور في الرجوع إلى الجملة الأخيرة، فانه لا يتبع ظهور (أكرم العلماء) في وجوب إكرام زيد العالم، و لا ظهور (أهن التجار) في إهانة زيد التاجر، بل ذلك يوجب إجمالها و إهمالها بالنسبة إلى كل منهما، و السر عدم تحقق الظهور و استقراره مع الاتصال بمثل ذلك، بخلاف صورة الانفصال لاستقراره، فلا مانع عن حجيته إلا ما كان حجة على خلافه و لو علم ذلك على الإجمال، كما إذا علم مثلا بتخصيص أحد العامين، أو تقييد أحد المطلقين إجمالا.
ثم الظاهر أيضا اتباع أصالة الظهور عند احتمال القرينة المتصلة أو المنفصلة مطلقا، من دون لزوم فحص أصلا؛ و انما يجب في خصوص ما إذا كان الكلام في معرض ان يكون على خلافه قرينة متصلة أو منفصلة، و لو لم يعلم إجمالا بنصبها على خلافه أو خلاف كلام آخر، و يشهد بذلك ان ديدن العلماء على الفحص في جميع أبواب الفقه، من دون تخصيص ذلك بصورة العلم إجمالا و إلا فليختلف الأبواب في ذلك، بل الأول و الآخر من كل باب لشخص، فضلا عن الأشخاص، هذا.


****************





























فایل قبلی که این فایل در ارتباط با آن توسط حسن خ ایجاد شده است