بسم الله الرحمن الرحیم
مستدرك الوسائل و مستنبط المسائل، الخاتمةج9، ص: 329
الفائدة الثانية عشر
مستدرك الوسائل و مستنبط المسائل، الخاتمةج9، ص: 331
اعلم أن علم الحديث علم شريف، بل هو أشرف العلوم، فإن غايته الفوز بالسعادة الأبدية، و التحلي بالسنن النبوية، و الآداب العلوية، و به يدرك الفوز بالمعارف الحقة ما لا يدرك من غيره، و منه يتبين الحلال و الحرام، و الفرائض و السنن، و طرق تهذيب النفس و صفائها.
قال الشهيد الثاني في منية المريد: أقسام العلوم الشرعية الأصلية أربعة: علم الكلام، و علم الكتاب العزيز، و علم الأحاديث النبوية، و علم الأحكام الشرعية المعبر عنها: بالفقه «1». إلى أن قال:
و أما علم الحديث فهو أجل العلوم قدرا، و أعلاها رتبة، و أعظمها مثوبة بعد القرآن، و هو ما أضيف إلى النبي (صلى الله عليه و آله) أو إلى الأئمة المعصومين (صلوات الله عليهم) قولا، أو فعلا، أو تقريرا، أو صفة، حتى الحركات و السكنات، و اليقظة و النوم.
و هو ضربان: رواية، و دراية.
فالأول: العلم بما ذكر.
و الثاني: و هو المراد بعلم الحديث عند الإطلاق، و هو علم يعرف به معاني ما ذكر، و متنه، و طرقه، و صحيحه و سقيمه، و ما يحتاج إليه من شروط الرواة، و أصناف المرويات، ليعرف المقبول منه و المردود، ليعمل به أو يجتنب، و هو أفضل العلمين، فإن الغرض الذاتي منهما هو العمل،
__________________________________________________
(1) منية المريد: 188.
مستدرك الوسائل و مستنبط المسائل، الخاتمةج9، ص: 332
و الدراية هي السبب القريب له «1».
قال (رحمه الله): و مما جاء في فضل علم الحديث من الأخبار و الآثار قول النبي (صلى الله عليه و آله): «ليبلغ الشاهد الغائب، فإن الشاهد عسى أن يبلغ من هو أوعى له منه» «2».
و قوله (صلى الله عليه و آله): «نضر «3» الله امرأ سمع منا حديثا فحفظه، حتى يبلغه غيره، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه و رب حامل فقه و ليس بفقيه» «4».
و قوله (صلى الله عليه و آله): «من أدى حديثا يقام به سنة، أو يثلم به بدعة، فله الجنة» «5».
و قوله (صلى الله عليه و آله): «رحم الله خلفائي» قلنا: و من خلفاؤك؟ قال: «الذين يأتون بعدي، فيروون أحاديثي، و يعلمونها الناس» «6».
و قوله (صلى الله عليه و آله): «من حفظ على أمتي أربعين حديثا من أمر دينها بعثه الله يوم القيامة فقيها، و كنت له شافعا و شهيدا» «7».
و قوله (صلى الله عليه و آله): «من يعلم حديثين اثنين ينفع بهما نفسه، أو يعلمهما
__________________________________________________
(1) منية المريد: 191.
(2) مسند أحمد 5: 37.
(3) نضر: بتخفيف الضاد و تشديدها، النضرة هي النعمة و البهاء على الوجه.
(4) انظر سنن أبي داود 3: 322/ 3660، سنن الترمذي 5: 34/ 2656، تحف العقول: 30.
(5) شرف أصحاب الحديث: 80.
(6) الفقيه 4: 302/ 95، معاني الأخبار: 374 375.
(7) الخصال 2: 541.
مستدرك الوسائل و مستنبط المسائل، الخاتمةج9، ص: 333
غيره فينتفع بهما كان خيرا من عبادة ستين سنة» «1».
و ساق جملة من الأخبار «2»، و قد مر أضعافها في كتاب القضاء «3».
و لو لم يرد في فضله و شرافته إلا قول الحجة (صلوات الله عليه): «و أما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجتي» «4». إلى آخره، لكفاه شرافة و فضلا.
و أعجب ما ورد في المقام ما رواه الشيخ الجليل أبو جعفر الطبري في كتاب دلائل الإمامة مسندا عن ابن مسعود قال: جاء رجل إلى فاطمة (سلام الله عليها) فقال: يا بنت رسول الله، هل ترك رسول الله (صلى الله عليه و آله) عندك شيئا تطرفينيه؟ فقالت: «يا جارية هات تلك الجريدة» فطلبتها فلم تجدها، فقالت: «و يحك اطلبيها فإنها تعدل عندي حسنا و حسينا!!» فطلبتها فإذا هي قد قممتها في قمامتها فإذا فيها: قال محمد النبي (صلى الله عليه و آله): «ليس من المؤمنين من لم يأمن جاره بوائقه، و من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر فلا يؤذي جاره» «5» الخبر.
و رواه في الكافي باختلاف يسير، و ليس فيه قولها: «فإنها تعدل» «6». إلى آخره.
و قال ولده المحقق صاحب المعالم في إجازته الكبيرة: إن إعطاء
__________________________________________________
(1) كنز العمال 10: 163 164/ 28849.
(2) منية المريد: 192.
(3) راجع الجزء السابع عشر من مستدرك الوسائل.
(4) كمال الدين و تمام النعمة: 484/ 4، الغيبة للطوسي: 177.
(5) دلائل الإمامة: 1.
(6) أصول الكافي 2: 489/ 6.
مستدرك الوسائل و مستنبط المسائل، الخاتمةج9، ص: 334
الحديث حقه من الرواية و الدراية أمر مهم لمن أراد التفقه في الدين، إذ مدار أكثر الأحكام الشرعية عليه، و قد كان للسلف الصالح (رضوان الله عليهم) مزيد اعتناء بشأنه، و شدة اهتمام بروايته و عرفانه، فقام بوظيفته منهم في كل عصر من تلك الأعصار أقوام بذلوا في رعايته جهدهم، و أكثروا في ملاحظته كدهم و وكدهم، فلله درهم إذ عرفوا من قدره ما عرفوا، و صرفوا إليه من وجوه الهمم ما صرفوا، ثم خلف من بعدهم خلف أضاعوا حقه، و جهلوا قدره، فاقتصروا من روايته على أدنى مراتبها، و ألقوا حبل درايته على غاربها.
ثم أتاح الله سبحانه بمقتضى حكمته من عرف قدره، و بذل في خدمته وسعه، فعمر منه الدارسة، و جدد معالمه الطامسة، و أيقظ من مراقد الغفلة رجالا فهمهم إسراره، و أراهم بعين البصيرة أنواره، فرغبوا في سلوك سبيله، و جهدوا على إحرازه و تحصيله، لكنهم حيث انقطعت عنهم بتلك الفترة طريق الرواية من غير جهة الإجازة قلت حظوظهم من الدراية، و لاحتياجه و الحال هذه إلى طول الممارسة، و إكثار المطالعة و المراجعة، و المتحملون لهذه الكلفة أقل قليل، و الأكثرون إنما يمرون على معاهدة عابري سبيل «1»، انتهى.
قلت: أما اهتمام السلف في هذا الفن الشريف، فهو أمر معلوم لمن راجع التراجم و الإجازات، حتى قال فخر المحققين في آخر الإيضاح في مسألة عدم تحمل العاقلة من الجراحات إلا الموضحة و ما فوقها ما لفظه:
__________________________________________________
(1) حكاها عنه المجلسي في البحار 109: 3.
مستدرك الوسائل و مستنبط المسائل، الخاتمةج9، ص: 335
و لما رواه الشيخ عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن فضال، عن يونس بن يعقوب، عن أبي مريم، عن الباقر (عليه السلام) قال: «قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) أن لا تحمل على العاقلة إلا الموضحة فصاعدا» «1».
و هذه الرواية هي التي أشار إليها المصنف «2» بقوله: فيها ضعف، فإن في طريقها: ابن فضال، فإن كان الحسن فقد قيل: إنه فطحي المذهب «3».
و أما في المختلف فجعله في الموثق «4»، ثم لما قرأت عليه التهذيب في المرة الثانية في طريق الحجاز في سنة ثلاث و عشرين و سبعمائة سألته عن هذه الرواية لما بلغت إليها، و قلت له: إنك حكمت عليها في المختلف: أنها من الموثق، و في القواعد «5» قلت: إن فيها ضعف؟ فقال لي: بل هي ضعيفة «6»، انتهى.