تفسير الطبري = جامع البيان ت شاكر (20/ 66)
وقوله: (غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الأرْضِ) اختلفت القرّاء في قراءته، فقرأته عامة قرّاء الأمصار (غُلِبَتِ الرُّومُ) بضمّ الغين، بمعنى أن فارس غَلَبت الروم.
وروي عن ابن عمر وأبي سعيد في ذلك ما حدثنا ابن وكيع، قال: ثني أبي، عن الحسن الجفريّ، عن سليط، قال: سمعت ابن عمر يقرأ (الم غَلَبَتِ الرُّومُ) فقيل له: يا أبا عبد الرحمن، على أيّ شيء غَلَبوا؟ قال: على ريف الشام.
والصواب من القراءة في ذلك عندنا الذي لا يجوز غيره (الم غُلِبَتِ الرُّومُ) بضم الغين؛ لإجماع الحجة من القرّاء عليه. فإذ كان ذلك كذلك، فتأويل الكلام: غلبت فارس الروم (فِي أَدْنَى الأرْضِ) من أرض الشام إلى أرض فارس (وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ) يقول: والروم من بعد غلبة فارس إياهم (سَيَغْلِبُونَ) فارس (فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأمْرُ مِنْ قَبْلُ) غلبتهم فارس (وَمِنْ بَعْدُ) غلبتهم إياها، يقضي في خلقه ما يشاء، ويحكم ما يريد، ويظهر من شاء منهم على من أحبّ إظهاره عليه (وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ) يقول: ويوم يغلب الروم فارس يفرح المؤمنون بالله ورسوله بنصر الله إياهم على المشركين، ونُصْرة الروم على فارس (يَنْصُرُ) اللهُ تعالى ذكره (مَنْ يَشاءُ) من خلقه، على من يشاء، وهو نُصرة المؤمنين على المشركين ببدر، (وَهُوَ العَزِيزُ) يقول: والله الشديد في انتقامه من أعدائه، لا يمنعه من ذلك مانع، ولا يحول بينه وبينه حائل،
تفسير الطبري = جامع البيان ت شاكر (20/ 73)
حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا معاوية بن عمرو، عن أبي إسحاق الفزاري، عن سفيان، عن حبيب بن أبي عمرة، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس (الم غُلِبَتِ الرُّومُ) قال: غُلبت وغَلبت؛ فأما الذين قرءوا ذلك: (غَلَبَتِ الرُّومُ) بفتح الغين، فإنهم قالوا: نزلت هذه الآية خبرا من الله نبيه صلى الله عليه وسلم عن غلبة الروم.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا نصر بن عليّ، قال: ثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن سليمان -يعني الأعمش- عن عطية، عن أبي سعيد، قال: لما كان يوم ظهر الروم على فارس، فأعجب ذلك المؤمنين، فنزلت (الم غُلِبَتِ الرُّومُ) على فارس.
حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا يحيى بن حماد، قال: ثنا أبو عوانة، عن سليمان، عن عطية، عن أبي سعيد، قال: لما كان يوم بدر، غلبت الروم على فارس، ففرح المسلمون بذلك، فأنزل الله (الم غُلِبَتِ الرُّومُ ... ) إلى آخر الآية.
تفسير الطبري = جامع البيان ت شاكر (20/ 74)
وقوله: (مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ) مصدر من قول القائل: غلبته غلبة، فحذفت الهاء من الغلبة. وقيل: من بعد غلبهم، ولم يقل: من بعد غلبتهم للإضافة، كما حذفت من قوله: (وَإقامِ الصَّلاةِ) للإضافة. وإنما الكلام: وإقامة الصلاة.
وأما قوله: (سَيَغْلِبُونَ) فإن القرّاء أجمعين على فتح الياء فيها، والواجب على قراءة من قرأ: (الم غَلَبَتِ الرُّومُ) بفتح الغين، أن يقرأ قوله: (سَيُغْلَبُونَ) بضم الياء، فيكون معناه: وهم من بعد غلبتهم فارس سيغلبهم المسلمون، حتى يصحّ معنى الكلام، وإلا لم يكن للكلام كبير معنى إن فتحت الياء، لأن الخبر عما قد كان يصير إلى الخبر عن أنه سيكون، وذلك إفساد أحد الخبرين بالآخر.
البحر المحيط في التفسير (8/ 374)
وقرأ علي، وأبو سعيد الخدري، وابن عباس، وابن عمر، ومعاوية بن قرة، والحسن: غلبت الروم: مبنيا للفاعل، سيغلبون: مبنيا للمفعول
والجمهور: مبنيا للمفعول، سيغلبون: مبنيا للفاعل. وتأويل ذلك على ما فسره ابن عمران: الروم غلبت على أدنى ريف الشأم، يعني: بالريف السواد. وجاء كذلك عن عثمان، وتأوله أبو حاتم على أن الروم غلبت يوم بدر، فعز ذلك على كفار قريش، وسر المؤمنون، وبشر الله عباده بأنهم سيغلبون في بضع سنين. انتهى. فيكون قد أخبر عن الروم بأنهم قد غلبوا، وبأنهم سيغلبون، فيكون غلبهم مرتين. قال ابن عطية: والقراءة بضم الغين أصح. وأجمع الناس على سيغلبون بفتح الياء، يراد به الروم. وروي عن ابن عمر أنه قرأ سيغلبون بضم الياء، وفي هذه القراءة قلب المعنى الذي تظاهرت به الروايات. انتهى. وقوله: وأجمعوا، ليس كذلك. ألا ترى أن الذين قرأوا غلبت بفتح الغين هم الذين قرأوا سيغلبون بضم الياء وفتح اللام، وليست هذه مخصوصة بابن عمر؟ وقرأ الجمهور: غلبهم، بفتح الغين واللام:
وعلي، وابن عمر، ومعاوية بن قرة: بإسكانها والقياس عن ابن عمر: وغلابهم، على وزن كتاب.
والروم: طائفة من النصارى، وأدنى الأرض: أقربهما: فإن كانت الواقعة في أذرعات، فهي أدنى الأرض بالنظر إلى مكة، وهي التي ذكرها امرؤ القيس في قوله:
تنورتها من أذرعات وأهلها ... بيثرب أدنى دارها نظر عال
وإن كانت بالجزيرة، فهي أدنى بالنظر إلى أرض كسرى. فإن كانت بالأردن، فهي أدنى بالنظر إلى أرض الروم. وقرأ الكلبي: في أدنى الأرض، وتقدم الكلام في مدلول البضع باعتبار القراءتين. ففي غلبت، بضم الغين، يكون مضافا للمفعول وبالفتح، يكون مضافا للفاعل، ويكون المعنى: سيغلبهم المسلمون في بضع سنين، عند انقضاء هذه المدة التي هي أقصى مدلول البضع.
أخذ المسلمون في جهاد الروم، وكان شيخنا الأستاذ أبو جعفر بن الزبير يحكي عن أبي الحكم بن برجان أنه استخرج من قوله تعالى: الم، غلبت الروم إلى قوله: في بضع سنين، افتتاح المسلمين بيت المقدس، معينا زمانه ويومه، وكان إذ ذاك بيت المقدس قد غلبت عليه النصارى، وأن ابن برجان مات قبل الوقت الذي كان عينه للفتح، وأنه بعد موته بزمان افتتحه المسلمون في الوقت الذي عينه أبو الحكم. وكان أبو جعفر يعتقد في أبي الحكم هذا، أنه كان يطلع على أشياء من المغيبات يستخرجها من كتاب الله.
مقدمات في علم القراءات، ص: 228
الشبهة الرابعة: تناقض معنى القراءات
: زعم المستشرق جولد زيهر: وجود التناقض بين القراءات في المعنى، و استدل على ذلك بالقراءتين المتناقضتين في أول سورة الروم، أولاهما غُلِبَتِ الرُّومُ بالبناء للمجهول، و سَيَغْلِبُونَ بالبناء للفاعل و القراءة الثانية ببناء (غلبت) للفاعل و سَيَغْلِبُونَ للمفعول، و هاتان قراءتان متعارضتان في المعنى «1».
الرد على هذه الشبهة
: إن القراءة الأولى، و هي ببناء غَلَبَتْ للمفعول هي القراءة المتواترة الصحيحة، أما القراءة الثانية ببناء (غلبت) للفاعل فهي قراءة شاذة، و القراءة الشاذة لا تقوى على معارضة القراءة الصحيحة و لا تصلح لمقابلتها، فالقراءة الشاذة ليست قرآنا، و لا يجوز قراءتها على أنها من القرآن، أو إيهام السامع ذلك، و إنما تروى للاحتجاج بها في الفقه و اللغة أو للعلم بها «2» و لذا فلا ينبغي أن يقال إن في هذا الموضع قراءتين، بل هي قراءة واحدة صحيحة و القراءة الأخرى لا تصح و لا تعدّ قراءة «3».
و على فرض التسليم بصحتها فإنه يمكن الجمع بين القراءتين، بأن كلا منهما تتحدث عن حادثة، فالقراءة الأولى تتحدث عن انتصار الفرس على الروم، و تبشر بانتصار الروم على الفرس خلال بضع سنين، و أن ذلك النصر المبشّر به سيترافق مع نصر آخر للمسلمين على المشركين، و هذا ما حصل فقد تزامن انتصار الروم على الفرس، مع غزوة بدر التي انتصر فيها المسلمون على المشركين.
أما القراءة الثانية فتخبر أن الروم انتصروا على سواد الشام و تبشر المسلمين بالانتصار على الروم بعد ذلك ببضع سنين، و قد غزا المسلمون الروم في السنة التاسعة من نزول الآية و فتحوا بعض بلادهم.
فهذا المعنى الذي أفادته هذه القراءة لا يتناقض مع المعنى الذي أفادته القراءة القراءة، لأن التناقض لا يتحقق إلا إذا توارد شيئان متضادان على أمر واحد و في زمن
__________________________________________________
(1) جولد زيهر، مذاهب التفسير الإسلامي، ص 29.
(2) القسطلاني، لطائف الإشارات (1: 72).
(3) ابن الجزري، النشر (1: 49) و عبد القيوم السندي، صفحات في علوم القراءات (134).
مقدمات في علم القراءات، ص: 229
واحد، فلو قلنا: حضر زيد و ذهب عمرو، و حضر عمرو و ذهب زيد في الوقت نفسه، فقد اجتمع الذهاب و الحضور في زمن واحد و هذا تناقض، و لو قلنا: حضر زيد و ذهب عمرو أمس، و حضر عمرو و ذهب زيد اليوم، فلا تناقض، لحصول الأمرين في زمنين مختلفين «1».
و لم يسعف الواقع هذا المستشرق أن يجد مثالا واحدا فيه تعارض بين قراءتين متواترتين، و لو وجد لفرح به و سارع إلى نشره و إذاعته، و لكن اختلاف القراءات اختلاف تنوع و تغاير و ليس اختلاف تعارض و تناقض «2» وَ لَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً [النساء: 82].
الشبهة الخامسة: مخ
البحر المحيط في التفسير، ج8، ص: 375
قرأ علي، و أبو سعيد الخدري، و ابن عباس، و ابن عمر، و معاوية بن قرة، و الحسن: غُلِبَتِ الرُّومُ: مبنيا للفاعل، سَيَغْلِبُونَ: مبنيا للمفعول
و الجمهور: مبنيا للمفعول، سيغلبون: مبنيا للفاعل. و تأويل ذلك على ما فسره ابن عمران: الروم غلبت على أدنى ريف الشام، يعنى: بالريف السواد. و جاء كذلك عن عثمان، و تأوله أبو حاتم على أن الروم غلبت يوم بدر، فعز ذلك على كفار قريش، و سر المؤمنون، و بشر اللّه عباده بأنهم سيغلبون في بضع سنين. انتهى. فيكون قد أخبر عن الروم بأنهم قد غلبوا، و بأنهم سيغلبون، فيكون غلبهم مرتين. قال ابن عطية: و القراءة بضم الغين أصح. و أجمع الناس على سيغلبون بفتح الياء، يراد به الروم. و روي عن ابن عمر أنه قرأ سيغلبون بضم الياء، و في هذه القراءة قلب المعنى الذي تظاهرت به الروايات. انتهى. و قوله: و أجمعوا، ليس كذلك. ألا ترى أن الذين قرأوا غلبت بفتح الغين هم الذين قرأوا سيغلبون بضم الياء و فتح اللام، و ليست هذه مخصوصة بابن عمر؟ و قرأ الجمهور: غلبهم، بفتح الغين و اللام:
و علي، و ابن عمر، و معاوية بن قرة: بإسكانها و القياس عن ابن عمر: و غلابهم، على وزن كتاب.
و الروم: طائفة من النصارى، و أدنى الأرض: أقربهما: فإن كانت الواقعة في أذرعات، فهي أدنى الأرض بالنظر إلى مكة، و هي التي ذكرها امرؤ القيس في قوله:
تنوّرتها من أذرعات و أهلها بيثرب أدنى دارها نظر عال
و إن كانت بالجزيرة، فهي أدنى بالنظر إلى أرض كسرى. فإن كانت بالأردن، فهي أدنى بالنظر إلى أرض الروم. و قرأ الكلبي: فِي أَدْنَى الْأَرْضِ، و تقدم الكلام في مدلول البضع باعتبار القراءتين. ففي غلبت، بضم الغين، يكون مضافا للمفعول و بالفتح، يكون مضافا للفاعل، و يكون المعنى: سيغلبهم المسلمون في بضع سنين، عند انقضاء هذه المدة التي هي أقصى مدلول البضع.
أخذ المسلمون في جهاد الروم، و كان شيخنا الأستاذ أبو جعفر بن الزبير يحكي عن أبي الحكم بن برجان أنه استخرج من قوله تعالى: الم، غُلِبَتِ الرُّومُ إلى قوله: فِي بِضْعِ سِنِينَ، افتتاح المسلمين بيت المقدس، معينا زمانه و يومه، و كان إذ ذاك بيت المقدس قد غلبت عليه النصارى، و أن ابن برجان مات قبل الوقت الذي كان عينه للفتح، البحر المحيط في التفسير، ج8، ص: 375
و أنه بعد موته بزمان افتتحه المسلمون في الوقت الذي عينه أبو الحكم. و كان أبو جعفر يعتقد في أبي الحكم هذا، أنه كان يطلع على أشياء من المغيبات يستخرجها من كتاب اللّه.
لِلَّهِ الْأَمْرُ: أي إنفاذ الأحكام و تصر
الإتقان في علوم القرآن، ج1، ص: 91
و منها: أوّل الروم، روى الترمذيّ عن أبي سعيد، قال: لما كان يوم بدر ظهرت الروم على فارس، فأعجب ذلك المؤمنين، فنزلت الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2)
إلى قوله: بِنَصْرِ اللَّهِ [الروم: 1. 5]. قال الترمذيّ: غلبت الروم، يعني بالفتح «3».
__________________________________________________
(1) رواه الترمذي (3171)، و النسائي 6/ 2، و في التفسير من الكبرى (365) 2/ 88، و أحمد في المسند 1/ 216، و عبد الرزاق في تفسيره 2/ 39، و الطبري 9/ 161، و الطبراني في الكبير (12336)، و في الأوائل (30)، و ابن حبان (4710) 11/ 8، و الحاكم 2/ 66. 246. 390، و 3/ 7. 8، و البزار في مسنده (16. 17) 1/ 69. 70، و الدار قطني في العلل 1/ 214. 215، و ابن أبي عاصم في الأوائل (55)، و البيهقي في الدلائل 2/ 294. و انظر الدر المنثور 4/ 363. 364.
قلت: رواه سفيان الثوري، عن الأعمش، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس. و قد اختلف فيه على سفيان:
أ. فرواه إسحاق الأزرق، و وكيع، و عبد الرزاق، و أبو حذيفة، و أبو نعيم، و الأشجعي عن الثوري هكذا.
ب. و رواه عبد الرحمن بن مهدي و غيره: عن سفيان، عن الأعمش، عن مسلم، عن سعيد بن جبير مرسلا ليس فيه عن ابن عباس:
رواه الترمذي (3172) 5/ 325، و الطبري 9/ 161 و قد تابع سفيان عليه:
شعبة. عند الحاكم.، و قيس بن الربيع عند الطبري 9/ 161، و البزار (17) 1/ 70 و لعل الصواب الموصول. و انظر سنن الترمذي 5/ 325، و العلل للدارقطني 1/ 214. 215.
(2) انظر تفسير البغوي 3/ 459، و زاد المسير 6/ 249.
(3) رواه الترمذي (3192)، و الواحدي في أسباب النزول ص 344.
قلت: في سنده عطية العوفي: صدوق، يخطئ كثيرا، كان شيعيا مدلسا، انظر التقريب 2/ 24، و الكاشف 2/ 235، و طبقات المدلسين ص 130.
و في الباب 1. عن ابن عباس:
رواه الترمذي (3193)، و أحمد في المسند 1/ 276. 304، و الطبري 21/ 12 و النسائي في سننه الكبرى، (409) 2/ 149. 150. و الحاكم 2/ 410، و البيهقي في الدلائل 2/ 330. 331، و الدارقطني في العلل 1/ 214 و انظر الدر المنثور 5/ 150 و الصواب فيه المرسل. كما صرّح الدارقطني في علله 1/ 214 بذلك.
2. عن نيار بن مكرم: رواه الترمذي (3194). و سنده حسن.-
الاختلاف بين القراءات، ص: 99
الفرية الرابعة: زعم «كولد صهر» أن بين بعض القراءات تناقضا «53» و لكي يبرهن على ذلك استشهد بالآيات الأربع الأولى من سورة الروم. و هي قوله تعالى: الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَ هُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ ... (الروم/ 1- 3).
__________________________________________________
(50) مذاهب التفسير الإسلامي ص 11.
(51) البحر المحيط 1/ 207 و فتح القدير 1/ 86.
(52) المحتسب 1/ 84 و البحر المحيط 1/ 208.
(53) مذاهب التفسير الإسلامي ص 29.
الاختلاف بين القراءات، ص: 99
و في هذه الآيات قراءتان، إحداهما متواترة و الأخرى شاذة. أما القراءة المتواترة فهي التي يقرأ فيها: «غلبت الروم في أدنى الأرض و هم من بعد غلبهم سيغلبون ..» ببناء الفعل في «غلبت» للمفعول و في «سيغلبون» للفاعل. و في القراءة الشاذة، يبني الفعل الأول للمفعول، بحيث تقرأ «غلبت الروم في أدنى الأرض. و هم من بعد غلبهم سيغلبون» «54».
و قد نسبت هذه القراءة إلى: علي بن أبي طالب، و عبد اللّه بن عمر، و عبد اللّه بن عباس، و أبي سعيد الخدري. و هؤلاء صحابة. و قرأ بها الحسن البصري و كرداب و أهل الشام «55» و بعد أن أشار «كولد صهر» إلى أن في هذا الموضع قراءتين، عقب عليها بقوله: «و إذا فهما قراءتان و تأويلان لجملة واحدة من كلام اللّه متعارضتان إلى أبعد مدى» «56».
و سيتضح للقارئ عدم هذا التعارض أو التناقض المزعوم فإن نص الآيات موضع الاختلاف كالآتي:
الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَ هُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ. فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَ مِنْ بَعْدُ وَ يَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (خمس آيات).
يحسن بي أن أعطي القارئ فكرة عن سبب نزول هذه الآيات و الوقائع الحربية التي تشير إليها القراءتان.
كان الفرس و الرومان قد دخلا في معارك حربية قبل نزول هذه الآيات.
__________________________________________________
(54) الشوكاني: فتح القدير 4/ 214 و الطبري: جامع البيان 21/ 11، 12.
(55) أبو حيان: البحر المحيط 7/ 161 و الكرماني: شواذ القرآن ص 188 و مختصر في شواذ القرآن ص 116.
(56) موضعا الإحالة السابقة على الشوكاني و أبي حيان.
الاختلاف بين القراءات، ص: 100
و انتصر الفرس على الروم. و كان ذلك في سنة 616 م فسر مشركو العرب لهزيمة الروم، و طفقوا يقولون للمسلمين: قد انتصر الفرس- و هم ليسوا بأهل كتاب- على الروم و هم أهل كتاب. مما يجعلنا واثقين من هزيمتكم على أيدينا و أنتم أهل كتاب. و حزن المسلمون لما أصاب الروم. و كانوا يحبون أن ينتصر الروم على الفرس. فأنزل اللّه تعالى تلك الآيات. فسر المسلمون لما في هذه الآيات من بشارة بانتصار الرومان على الفرس في بضع سنين قادمة.
و قد نشبت الحرب بين الفريقين بعد نزول هذه الآية بتسع سنوات و انتصر الرومان على الفرس. و كان ذلك في سنة 625 م هذا ما تدل عليه القراءة المتواترة.
أما القراءة الشاذة: «الم غلبت الروم في أدنى الأرض و هم من بعد غلبهم سيغلبون .. إلخ» فإنها تدل على أن «الروم» الذين سيهزمون الفرس في حرب قادمة و يكونون غالبين، فإنهم في حرب قادمة بعد بضع سنين أيضا من تاريخ انتصارهم على الفرس سينقلبون مغلوبين لأمة أخرى.
و قد حدث أن فكر الروم في قتال المسلمين، فجهزوا جيشا عدته مائتا ألف- كما تقول بعض الروايات- من جند الرومان و المحاربين من القبائل العربية التي كانت موالية للروم. و لما علم النبي صلّى اللّه عليه و سلم بخبر الروم و نصارى العرب و جموعهم، أعد جيشا قوامه (30) ثلاثون ألفا، و سار بجيشه حتى وصل «تبوك» و عسكر بها بضع عشرة ليلة. و لما علم الروم بعدد الجيش و أنه بقيادة النبي صلّى اللّه عليه و سلم آثروا السلامة و لم يصلوا إلى «تبوك» و اكتفى قيصر الروم بإرسال كتاب إلى النبي صلّى اللّه عليه و سلم مع رجل يدعى «التنوخي» و تناقلت القبائل العربية القاطنة شماليّ الجزيرة ما كان من خبز الروم و خوفهم من عاقبة قتال المسلمين، فصالح بعضها المسلمين على البقاء على النصرانية و دفع الجزية، و أسلم بعض الزعماء ثم تتابعت وفود القبائل العربية على المدينة المنورة تعلن إسلامها أو محالفتها. و لهذا
الاختلاف بين القراءات، ص: 101
اعتبرت غزوة «تبوك» التي لم يلتحم فيها جيش المسلمين بجيش الرومان، نصرا للإسلام فرح به المؤمنون للآثار التي ترتبت عليه «57».
و في ضوء ما تقدم، يتضح للقارئ، أن الرومان لم يكونوا بعد بضع سنين، غالبين و مغلوبين لأمة واحدة، و في وقت واحد، حتى تكون القراءتان متعارضتين إلى أبعد مدى كما قال «كولد صهر» فقد كان «الرومان» مغلوبين للفرس في سنة (616 م) ثم كانوا غالبين لهم بعد بضع سنوات، أي في سنة (625 م) ثم كانوا مغلوبين للمسلمين بعد بضع سنوات أيضا من تاريخ انتصارهم على الفرس، و ذلك في حرب كادت أن تقع بين المسلمين و الروم في سنة (629 م) فأين التناقض بين مدلول القراءتين؟! لقد غاب عن ذهن «كولد صهر»- و هو تحت وطأة الرغبة الجامحة في مهاجمة القرآن- معنى التناقض في علم المنطق إذ هو: اختلاف القضيتين إيجابا و سلبا مع وحدة الزمان و المكان، بأن تكون إحداهما صادقة و الأخرى كاذبة كأن يقال «الخرطوم» عاصمة السودان في الوقت الحاضر (1404 ه- 1984 م) فنقيض هذه القضية أن يقال: «الخرطوم ليست عاصمة السودان في الوقت الحاضر».
و عليه فلا تناقض بين «الخرطوم عاصمة السودان في الوقت الحاضر» و «الخرطوم لم تكن عاصمة السودان في القرن العاشر الهجري» لاختلاف الزمان في القضيتين «58».
و لا يوجد تناقض بهذا المعنى بين القراءات المتواترة من جهة و القراءات الشاذة من جهة أخرى، إنما يوجد تعدد، تارة في الصور اللفظية و تارة في وجوه المعاني أو الوقائع التاريخية. و ليس بينها تنافر أو تضاد كما سيراه القارئ مبسوطا في فصل (الاختلاف اللغوي) و الفصول التالية له.
__________________________________________________
(57) سيرة ابن هشام 2/ 515 و ابن الأثير: الكامل في التاريخ 2/ 274 و ابن العماد: شذرات الذهب 1/ 13.
(58) أثير الدين الأبهري: إيساغوجي ص 284 (ضمن مجموعة المتون).
الاختلاف بين القراءات، ص: 109
الفصل الرابع القراءات الشاذة
مقدمة:
كانت القراءات المتواترة- قبل حدوث الرسم العثماني- كثيرة بدون حصر، فقد كان للقراءة الصحيحة قبل توحيد الرسم شرطان أحدهما: أن تكون القراءة وفق إحدى اللهجات العربية.
و الآخر: أن يتلقاها الجم الغفير من النبي صلّى اللّه عليه و سلم مباشرة، أو من صحابي تلقاها منه فلما توحد رسم المصحف في صدر خلافة عثمان رضي اللّه عنه جدّ شرط ثالث:
هو أن تكون القراءة متفقة في الرسم مع أحد المصاحف العثمانية. فان لم توافق واحدا منها عدّت قراءة شاذة «1». و قد استقر الأمر منذ قرون على اعتبار ما وراء القراءات العشر من الشواذ التي لا يتلى القرآن بها في الصلاة أو في خارجها، على الخلاف الذي سيأتي تفصيله في الفقرتين: الرابعة و الخامسة من هذا الفصل.
1- الشذوذ بين اللغة و الاصطلاح.
(الشذوذ) في لسان العرب: مصدر الفعل «شذّ، يشذ» بكسر الشين و ضمها في المضارع و معناه: الانفراد عن الجمهور. و (شذّاذ الناس) من كانوا
__________________________________________________
(1) عبد الفتاح القاضي: القراءات الشاذة ص 6.
الاختلاف بين القراءات، ص: 110
في القوم و ليسوا من قبائلهم «2» و قد استعار هذه الكلمة علماء الدراسات اللغوية، فأطلقوا كلمة (الشاذ) على ما خالف القاعدة العامة في الباب الواحد.
و قد استعارها علماء القراءات أيضا، و وصفوا بها كل ماوراء القراءات العشر من قراءات «3» سواء أ كانت القراءة مسندة لصحابي أم لغيره. و بالغ بعضهم فقال: (الشاذ) ماوراء القراءات السبع. و القول الأول هو المشهور الصحيح، و عليه جمهور علماء القراءات و الفقه.
2- القراءات الشاذة و أنواعها:
و بعد تتبعي لشواذ القراءات حول الأسماء من سورتي الفاتحة و البقرة، في المصادر التي عثرت عليها. و مقارنتها بما تواتر من القراءات، تبين لي أن القراءات الشاذة ثلاثة أنواع:
النوع الأول: القراءة الشاذة المشهورة، و هي القراءة التي وافقت العربية و الرسم و صح سندها، و لكنه لم يبلغ درجة التواتر. فمن هذا ما رواه الحاكم في (مستدركه) عن ابن عباس رضي اللّه عنهما، أن النبي صلّى اللّه عليه و سلم قرأ قوله تعالى:
لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ (بفتح الفاء) (التوبة/ 128) «4» و كقراءة غلبت الروم (بالبناء للفاعل) .. سيغلبون (بالبناء للمفعول) «5» النوع الثاني: قراءة الآحاد، و تحتها قسمان: القسم الأول كل قراءة وافقت العربية و الرسم و لم يصح سندها. القسم الثاني كل قراءة وافقت العربية و خالفت الرسم سواء صح سندها أو لم يصح «6».
__________________________________________________
(2) الصحاح، اللسان، تاج العروس (شذ).
(3) عبد الفتاح القاضي: القراءات الشاذة ص 6.
(4) البحر المحيط 5/ 118 و إتحاف فضلاء البشر ص 246.
(5) انظر الفصل الثالث: القراءات المتواترة. المبحث التاسع ص 91.
(6) فتح الباري 9/ 29 و لطائف الإشارات 1/ 74 و الإتقان للسيوطي 1/ 264.